"لا شيء في هذه الجزيرة، يمكن للمرء أن يفعله"، بمجرد وصولي إلى العاصمة المالطية فاليتا، تذكرت كلمات صديقي الحقوقي المصري الذي زار الجزيرة الصغيرة قبل أكثر من عشرين عاماً لحضور واحد من مؤتمرات حقوق الإنسان الأوروبية. وتذكرت أيضاً تذمره من عبوس السكان، خصوصاً سائقي الباصات المالطيين الذين أجابوا على أسئلة الزوار بالصمت أو بإشارات مقتضبة باليد مع وجوم متعمد. في ذلك الوقت، كانت مالطا المحطة المفضلة للاتحاد الأوروبي لاستضافة مدعويه من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فالجزيرة الأوروبية الصغيرة القريبة من شمال أفريقيا لا تتشارك حدوداً مع أي من دول الاتحاد، وبالتالي لا خوف من هروب الزوار عبر الحدود. بالنسبة لصديقي، كانت مالطا قفصاً أوروبياً للزوار غير المؤتمنين.
من الانطباع الأول بدا أن صديقي كان محقاً. العاصمة، الأقرب إلى حي من حيث الحجم، كانت مكتظة بالمباني والسيارات، مالطا هي البلد الأكثر اكتظاظاً بالسكان في أوروبا، وواحدة من الدول العشر الأكثر اكتظاظاً حول العالم. أما أفقها البحري فكان مسدوداً باليخوت الفارهة وأسوار المباني الحكومية. وجدت كوة صغيرة بعرض بضعة أمتار مشرعة على البحر، ووقفت هناك إلى جانب جماعة من المراهقين يدخنون ويتصايحون بالمالطية. سمعت لفظة عربية نابية تتكرر بصوت عالٍ، ومعها الكثير من الكلمات التي أفهمها منطوقة بلهجة تونسية. حكم العرب الجزيرة ضمن إمارة صقلية بين القرنين التاسع والحادي عشر، وتركوا وراءهم العربية الصقلية على ألسنة سكانها. في صقلية نفسها انقرضت تلك اللهجة العربية الآتية من تونس والقيروان بحلول القرن الرابع عشر، لكنها ظلت تشكل أساس اللغة المالطية وأكثر من ثلث معجمها إلى اليوم.
في بلدة "سليمة" غير البعيدة من العاصمة كانت الأمور أفضل كثيراً، البحر مفتوح وبطول شاطئه تصطف مقاهي ومطاعم متواضعة تجعلها تشبه مدينة ساحلية على الضفة الجنوبية من المتوسط. في الجانب الآخر من البلدة يظهر التأثير البريطاني، حانات ومطاعم ذات طرز وأسماء إنكليزية، تعود إلى حكم بريطاني استمر قرنَين، وانتهى فقط في العام 1979 مع انسحاب آخر القوات البريطانية. هناك مررت على فندق "دبلومات"، الذي اغتيل على عتبته فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين العام 1995، وذلك بواسطة الموساد. لم يكن هناك ما يستدعي الانتباه، سوى التذكير بأن الجزيرة المتعاطفة منذ استقلالها مع القضية الفلسطينية، لطالما كانت موقعاً متوسطياً لتصفية الحسابات. في الحرب الأخيرة على غزة، وفي المياه الإقليمية المالطية، هاجمت مسيرات غير معروفة أسطول الحرية المتجه إلى القطاع المحاصر، وهناك تبين كيف يمكن للحرب الشرق الأوسطية أن تتسع ليطاول رذاذها سواحل القارة الأوروبية.
التجول في "المدن الثلاثة" بقلاعها التاريخية وكنائسها الهائلة ذات الطراز القروسطي، يشبه السفر في الزمن. ما زالت المدن الصغيرة المحصنة محتفظة بطابعها المعماري الذي تدين به لفرسان القديس يوحنا، الرهبانية الصليبية التي حكمت الجزيرة، حتى قام نابليون بطرد أعضائها منها أثناء حملته على مصر. كانت مالطا التي حكمها الغرباء القادمين من أنحاء أوروبا الغربية، آخر معاقل زمن الفروسية وعالمه القديم، حتى قيام الثورية الفرنسية وبدء عصر الحملات الأوروبية الحديثة على الشرق.
خلال اليومين التاليين، تجولت في الجهة الأخرى من الجزيرة، حيث تغيرت الصورة كلياً. أراضٍ زراعية مفتوحة تحيطها التلال المطلة على البحر. بدت تلك النواحي خالية من البشر، بينما تحرسها كاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية مثبتة بين الحقول. كان سائقو الباصات مبتسمون في معظم الأحيان، على غير ما أخبرني صديقي في الماضي، وجميعهم من الهنود. في الحقيقة، يقوم الهنود بمعظم الوظائف الأساسية في الجزيرة، من شبكة النقل إلى المطاعم. الحضور الهندي في كل شيء، لافت. في المخابز، تباع المعجنات المالطية التقليدية مضافة إلى حشوتها بهارات المَسالا. معدلات الخصوبة في مالطا هي الأقل في الاتحاد الأوروبي، والأقل على مستوى العالم، بطفل واحد تقريبا لكل امرأة، أي نصف المعدل المطلوب لمعادلة معدلات الوفيات الطبيعية. الشيخوخة الديموغرافية واضحة في البلد الصغير. نسبة المقيمين الأجانب تقترب من ثلث السكان، هذا غير الحاصلين على الجنسية المالطية من غير المولودين في الجزيرة. لو تواصلت المعدلات الديموغرافية الحالية، بعد جيل واحد ستكون غالبية السكان من الأجانب، وغالبيتهم من الذكور في سن العمل.




