يترافق عيد الحب هذه السنة مع بدء عروض الفيلم المنتظر "مرتفعات وذرينغ" (وذرينغ هايتس) في اقتباس جديد لرائعة إيميلي برونتي الأدبية التي تعتبر من أقوى الروايات الانكليزية بسبب عمقها النفسي وبنيتها المتينة حيث انها لا تزال تُدرّس في مناهج الأدب حول العالم، في حدث لم تشهده الساحة السينمائية منذ فترة طويلة، تحديدًا العام 2010 حين عرض فيلم "يوم فالانتين".
كاثرين وهيثكليف ثنائي يعدّ من أقوى قصص الحب في الأدب العالمي، بالطبع بعد "روميو وجولييت" الشكسبيرية، ويعودان الى الشاشة الكبيرة هذه المرة تحت إدارة المخرجة إيمرالد فينيل ويجسدهما الممثلان الاستراليان مارغو روبي وجاكوب إيلوردي. لكن الانتقادات للفيلم بدأت حتى قبل عرضه عالمياً وأثارت انقساما واسعا بين مؤيدي التصرف بالسياق الأدبي لغايات الإخراج من أجل تحقيق نجاح جماهيري وإيصال الرسالة ألى أوسع شريحة ممكنة، ومن يعتقد أن روايات بهذا الثقل الأدبي يجب أن تبقى وفية لروح النص.
فالمقطع الدعائي يقدم الفيلم على انه "أعظم قصة حب على مر العصور" في حين أن نبض الرواية التي نشرت عام 1847 في أوج العصر الفيكتوري، هو الحب الجارف الهوسي والانتقام والصراع الطبقي والتعقيدات النفسية الناجمة عن اختلاف العرق.
المخرجة فينيل معروفة بأعمالها الجريئة مثل "امرأة شابة واعدة" و"سولتبرن" الذي حقق نجاحاً كبيراً في المهرجانات العالمية ونال جوائز وترشيحات سينمائية مهمة، أرادت نسخة خاصة بها تعكس رؤيتها والأحاسيس التي شعرت بها بعد قراءتها الرواية حين كانت في الرابعة عشرة من العمر، على غرار كثيرين طبعت الرواية مخيلتهم لا سيما مشهد شبح البطلة كاثرين وهو يدق على نافذة لوكوود، الشخص الذي يروي القصة برفقة المدبرة المنزلية، في محاولة للعودة الى غرفتها في وذرينغ هايتس، المنزل المظلم المعزول القابع على تلة في الريف الإنكليزي وسط العواصف والثلوج.
حتى كلمة "وذرينغ" المأخوذة من اللهجة المحلية في يوركشاير بشمال انكلترا، حيث تدور أحداث الرواية، وحيث عاشت برونتي مستوحية الرواية من بيئتها الحقيقية، معناها بالانكليزية عاصف او صاخب تضربه الرياح باستمرار، ما يعكس الطبيعة القاسية لهذا المنزل الريفي والاضطراب النفسي والعاطفي لشخصيات الرواية.
وصفت فينيل عملها بأنه محاولة لتجسيد تجربتها العاطفية مع الكتاب، بكل حدّته وأسلوبه المُثير، بدلا من صياغة نص حرفي. وقالت في مقابلة مع "ذا هوليوود ريبورتر" عن الرواية "هذا الكتاب هو المفضل لدي في العالم، وعلى غرار كثيرين يحبون هذا الكتاب، أنا متعصبة بعض الشيء بشأنه" مضيفة "لذلك أدركت منذ البداية انه لم أكن لآمل أبداً في أن أصنع شيئاً يشمل بشكل كامل عظمة هذا الكتاب، بالتالي كل ما استطعت فعله هو أن أصنع فيلما يجعلني أشعر نفس المشاعر التي ولّدها لدي الكتاب". وأضافت "من الصائب القول إن الفيلم هو وذرينغ هايتس وليس وذرينغ هايتس" في آن، لأن "كل شخص يحب الكتاب لديه صلة شخصية به، بالتالي يمكن صنع نسخة جديدة منه كل سنة".
الرواية والشخصيات
تتمحور رواية إيميلي برونتي حول علاقة الحب المضطربة والجارفة بين كاثرين إرنشو وهيثكليف، الطفل اليتيم الذي يظهر فجأة مع عودة الأب من رحلة ليبلغ العائلة أنه تبناه، ويكبر مع كاثرين وشقيقها في منزل وذرينغ هايتس في ريف يوركشاير، وتمتد أحداثها إلى الجيل الثاني وتشمل عائلة ثانية من المنطقة. ورغم أنها اقتبست كثيراً في الأفلام إلا أن تعقيد الشخصيات والأجواء القاتمة للأسلوب القوطي الذي كتبت فيه الرواية وكذلك إبراز الجانب المظلم من النفس البشرية لطالما كانت عناصر تشكل تحديا كبيرا لصانعي الأفلام.
تنشأ علاقة حب عميقة بين كاثرين وهيثكليف في أجواء هذه المرتفعات القاسية، لكن كاثي تقرر الزواج من إدغار لينتون لتحسين مكانتها الاجتماعية، ما يدفع هيثكليف إلى الهروب. وعند عودته يصبح ثرياً ومتعلماً ويسعى إلى الانتقام من كل من تسبب له بالأذى، لتصبح حياة العائلتين مدمرة وتنتقل الكراهية الى الجيل الثاني.
الرواية تبلغ ذروتها عند وفاة كاثرين بعد أسابيع من إنجاب ابنتها بسبب انهيار نفسي وإرهاق جسدي، حينها أصبح هيثكليف يعاني من حزن قهري، تطارده ذكراها وحضورها ويفقد كل مبررات الحياة الى حد بات يرى الموت الوسيلة الوحيدة للالتقاء بكاثرين مجدداً. بموت كاثرين، شعر هيثكليف بأن جزءاً من كيانه قد انتزع منه، لم يحزن بصمت ووقار بل ثار غضباً وكأنه يتحدى الطبيعة، أصبحت الحياة موحشة إلى حد أنه توسل كاثرين أن تسكنه وبات يعتقد أنه يراها ويسمعها ويشعر بوجودها في المروج المحيطة بالمنزلين، وذرينغ هايتس وثراشكروس غرانج، منزل عائلة لينتون.
هذا التداخل بين الحياة والموت هو من أبرز سمات الأدب القوطي إلى جانب المشاعر المتطرفة التي تجعل الحبّ قوة مدمّرة، والشخصيات المعذبة نفسياً والعناصر الخارقة مثل الأشباح إلى جانب اختيار الكاتبة السرد الإطاري عبر راويين هما لوكوود المستأجر الجديد في منزل لينتون، ونيلي دين الراوية الأساسية وهي خادمة عاشت مع العائلتين وشهدت معظم الأحداث، في طابع يعمّق الغموض ويجعل القارىء مشاركاً في تفسير الأحداث والحكم عليها.
تنتهي هذه التحفة الأدبية العالمية التي تمزج بين الرومنسية وواقعية العصر الفيكتوري والتي كانت سابقة لعصرها بإطلاقها العنان للعواطف وكل ما يترتب عليها من نتائج بدلاً من ضبطها في إطار اجتماعي، باستعادة الطبيعة سكونها بعد رحيل كاثرين وهيثكليف الذي شكّل موته نهاية العنف والكراهية في وذرينغ هايتس.
هدوء ومصالحة وأخيراً هدأت العواصف. ومع مرور الزمن بدأ الجيل الجديد، ابنة كاثرين وهاينز ابن هيثكليف بالتبني، حياة مستقرة متحررة من الانتقام وصراعات الماضي.
منزلان ورؤيتان للحياة
رغم أن شخصيتي كاثرين وهيثكيلف بكل تمردهما ورفضهما الأعراف الاجتماعية، تطغيان على القصة، إلا أن المنزلين حيث تدور أحداث الرواية لا يقلان أهمية في رؤية الكاتبة إيميلي برونتي للحياة، لا سيما وان الرواية كتبت في أوج العصر الفيكتوري (1837-1901) الذي كان شاهداً على أول ثورة صناعية في العالم كرّست قوة الامبراطورية البريطانية.
روايات تلك الحقبة كانت غالبا تتجه نحو الحكم "الصائب" وتكافىء الفضيلة والحس بالمسؤولية، لكن برونتي خرجت عن هذا الإطار حيث قدمت الهوس والانتقام بدون أعذار، خلقت هيثكليف في صورة متمرد قاس وفي الوقت نفسه شخصية جذابة. ورسمت كاثرين كامرأة أنانية، متلاعبة، مزاجية قادرة على التدمير لكنها شخصية لا تمحى من الذاكرة حملت بوادر تحرر المرأة والحركة النسوية في حقبة كانت فيها المرأة غير قادرة على التحكم بمصيرها. على هذا النحو حددت برونتي معالم تلك الحقبة المتأرجحة بين الرومنسية والواقعية، وبنت منزلي وذرينغ هايتس وثراشكروس غرانج ليعكسا عالمي العواطف الداخلية لساكنيهما، بأنماط معمارية تاريخية ذات طابع رمزي تزيد من أجواء الكآبة والتشويق.
فمنزل وذرينغ هايتس يرمز إلى العواطف الجامحة والفوضى النفسية، هنا القلب يطغى على العقل والمنطق، بينما منزل ثراشكروس غرانج يمثل الحضارة والنظام الاجتماعي حتى بأثاثه وديكوره. يعكس التباين بين المنزلين الصراعات والمواضيع المركزية للرواية وكذلك رؤية الكاتبة لمواضيع الثراء والثقافة والتحضر. لكن بحلول نهاية الرواية وحين يصبح هيثكليف مالك المنزلين، تختلط الأمور ويصبح الهدوء مهددا بالأثر السلبي الذي خلفه وذرينغ هايتس.
وذرينغ هايتس يعكس شخصية هيثكليف الانتقامية القوية بسبب نبذه اجتماعيا، إضافة إلى الشغف الجامح، فيما ثراشكروس غرانج يعكس الأناقة والراحة ما يمثل الرقي في المجتمع والالتزام بضوابطه، وكذلك شخصية إدغار لينتون، نقيض هيثكليف، المتحدّر من عائلة عريقة. صراع طبقي لا يزال حاضرا حتى اليوم، ولو بأشكال مختلفة، وصراع وجودي بين العقل والعاطفة وكذلك صراع الخير والشر.
لماذا الانتقادات؟
هناك أكثر من 15 عملاّ فنياً اقتبس هذه الرواية سواء في السينما او التلفزيون لكن أبرزها كان الفيلم الكلاسيكي عام 1939 من بطولة لورنس اوليفييه. إلا أن اقتباس المخرجة البريطانية ايمرالد فينيل أثار جدلاً واسعاً حتى قبل إنطلاق عروض الفيلم في العالم، وأكثر الانتقادات طال تركيزها على القوة العاطفية لسردية برونتي وعلاقة الحب الجارفة بين كاثرين وهيثكليف، وقد تحدث كل من مارغو روبي وجاكوب إيلوردي عن العمق العاطفي للعمل فيما أشارت عدة تعليقات إلى الجاذبية المشتركة والانسجام بين بطلي العمل.
كثرة التداول بالفيلم استعداداً لبدء عروضه إلى جانب التعليقات والانتقادات التي أثارها، أدت إلى ارتفاع هائل لمبيعات الرواية بلغ 469% في بريطانيا منذ السنة الماضية مع بدء الحديث عن الفيلم، بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية استناداً إلى أرقام دار بنغوين كلاسيكس للنشر.
الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي طالت أيضا عملية اختيار بطلي الفيلم، لا سيما وأن ملامح الاسترالي إيلوردي لا توحي بأي دلالة عرقية لدور يعتبر تقليديا هيثكليف على انه "الآخر" بسبب لون بشرته المختلف كما أن مارغو روبي، بطلة فيلم "باربي" الذي حقق نجاحاً جماهيرياً في العام 2023، والبالغة من العمر 35 عاماً، تبدو غير متناسبة مع شخصية كاثرين المتمردة الجامحة والتي كانت في الرواية أصغر سنا بكثير. الملابس أيضا لم تسلم من النقد حيث رآها كثيرون أنيقة جداً وعصرية وهو ما يناقض أسلوب الأزياء الذي كان سائداً في تلك الفترة لا سيما في الريف، معتبرين أن هذه الحداثة طغت على المواضيع النفسية القاسية التي تتناولها الكاتبة إيميلي برونتي.
حتى موضوع الحب كان مثار جدل، كتب الكثير من المعلقين أن الرواية ليست قصة حب بالمعنى التقليدي بل هي رواية قوطية، قصة هوس وانتقام عنيف وتفاوت طبقي تبرز عنفوان المشاعر الإنسانية وقدرته على تدمير النفس. وعلى الرغم من التفسيرات العديدة، يبقى جوهر القصة هو استكشاف برونتي العميق للمشاعر الإنسانية ودمار الذات في هذه الرواية التي لا تزال تلقى أصداء عميقة، وكل جيل ينظر إلى هذه القصة الخالدة من منظوره الخاص. يدعو فيلم "وذرينغ هايتس" 2026 الجمهور لعيش هذه القصة من جديد، والخروج من بعدها التاريخي الرومانسي إلى دراما مشحونة بالأحاسيس تتأرجح بين المشاعر القوية والواقع الاجتماعي، وهذا ما يمنح الرواية قوتها الخالدة.
وفي زمن "نتفليكس" ومنصات البث الرقمي المليئة بالأفلام والمسلسلات المتوفرة دائما، يأتي فيلم "وذرينغ هايتس"، وبغض النظر عن مدى تطابق وقائع الرواية تاريخياً مع الاقتباس الحديث، ليذّكر بأن إظهار المناظر الطبيعية الخلابة والحب الآسر والأجواء القوطية وتألق بطلي العمل، كلها عناصر تكّمل نقل كلاسيكية الأدب هذه بأجمل صورة، وهذه الصورة النابضة بالحياة لا تُعاش بالكامل إلا من خلال تجربة الشاشة الكبيرة التي لا تزال الأكثر ثراء بلا منازع.
(*) تبدأ عروض الفيلم في الصالات اللبنانية، اليوم 13 شباط.




