لم تسعفني الحيلة لأن أؤجّل كتابة هذه المادة عن الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث إلى الشهر المقبل، الشهر الذي وُلد هذا الشاعر فيه (31 آذار 1914) ذلك أن الدلالة التي يسبغها باث على الزمن تجيز للمرء أن يستبد بلعبة الوقت بالطريقة التي يراها مناسبة وهي لعبة لا يخفي أوكتافيو باث أنها متجذرة في شخصه من خلال أسلافه الأقدمين، من خلال سحرة وكهنة تلك الديانات اللاتينية المنقرضة.
إن الساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنين هي في هذا السياق توال لا يمكن عملياً تجنّبه إنما بالعمق وفي حضرة متاهة الوحدة كل هذا الانزلاق للزمن هو مجرد وهم، مجرد كتلة متراكمة لا حدود فاصلة بينها.
يخبرنا باث في كتابه "متاهة الوحدة" أن "الإنسان وحيد في كل مكان"، وليس توغّل هذا الإنسان في لحظات توحّده المطلقة داخل أزمنته الخاصة إلا ترسيخاً لهذه الوحدة حيث الآخر، حيث كل الآخرين هم مجرد إشارات أو إيماءات أو ربما هم عناصر تسهم في ترسيخ هذه الوحدة. وليس من باب الغرابة في هذا الصدد أن يكون أوكتافيو باث قد افتتح "متاهة الوحدة" بنص للشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو يبدأ بالعبارة التالية: "ليس للآخر وجود". فبالنسبة إلى أوكتافيو باث الذي نال جائزة نوبل للآداب في العام 1990 أن الشرط الإنساني بجوهره هو رهن تلك الوحدة حيث المتاهات اللانهائية وحيث السؤال يستدعي السؤال وحيث الكلمة تجرّ الكلمة وحيث القصيدة تجهد في ترتيب نفسها بكل حرية وجرأة..."أن يحيا المرء مستوحداً دون شهود... سيجرؤ عندها على أن يكون" (أوكتافيو باث – "متاهة الوحدة"- دار المأمون للنشر – ترجمة نرمين إبراهيم عاجل).
فمتاهة الوحدة بالنسبة إلى هذا الشاعر المكسيكي هي بمثابة التمهيد الأولي لاحتمالية أن يكون الإنسان حراً في تلقفه الكلمات. هي احتمالية مفتوحة على الصدّ والقبول، على الفرار والمكوث وبشكل خاص على تشكّل الكلمات حسب مقتضيات هذه الكلمات وليس حسب مقتضيات العالم. إن الكلمات التي تثيرها متاهة الوحدة تتجاوز عن أن تكون أدوات تواصل أو تبليغ. ففي هذا السياق المنفتح، إن الإنسان – أن الشاعر كما يقول باث تحديداً – هو خادم الكلمات وليس على الإطلاق سيّدها (أوكتافيو باث – "الشاعر خادم الكلمات" – جريدة النهار 29 أيلول 2007 العدد 23132 ترجمة هنري فريد صعب).
يخبرنا باث في قصيدته "إنقاذ" عن تلك الأشياء التي تنحلّ عن أسمائها إلا أن الكلمات تجهد لإعادة ترتيب العلاقة بين هذه الأشياء وأسمائها. إن كلمات متاهة الوحدة هي ذلك الوتر الذي يشدّ أوصال المرء ويعيد للجسد تماسكه حيث – ودائما مع قصيدة "إنقاذ" – يكفّ الجسد عن السيلان ويدرك حدود ضفافه بخفة (أوكتافيو باث – قصائد مختارة – دار الأنوار – ترجمة وتقديم إسكندر حبش). فإذا كانت ساعات الجموع هي مجرد توال للوقت فأن الساعة التي تستبطنها تلك المتاهة التي تؤسس للوحدة إنما هي "عين سحيقة" (من قصيدة "حفل في الحديقة"). إن الساعة في هذا المتن اللانهائي ليست تلك الثواني ولا تلك الدقائق التي تسابق بعضها بعضاً إنما هي ذلك الجحوظ الذي ينخرط في ما قد مضى وفي ما يحدث الآن وفي ما يتهيّأ للحضور، ولا يمكن في هذا الصدد التغاضي عن البعد الشاماني الذي يسوق تصورات هذا الشاعر المكسيكي. إنهم الأسلاف الذي تواروا منذ مئات السنين لكنهم ما زالوا هنا وبقوة.
فكل منا في حضرة هذا الجحوظ الذي تمدّنا به الوحدة هو أقرب إلى الجنين – كما جاء في كتاب "متاهة الوحدة" – كل منا هو "حياة خام خالصة وتدفق يجهل حتى ذاته". فنحن في هذه القوقعة اللامتناهية، نحن لحظة مولدنا ولحظة طفولتنا ولحظة شبابنا وشيخوختنا ولكننا أيضاً لحظة موتنا.
ينهي باث "متاهة الوحدة" بعبارة عزيزة على قلبه للشاعر الإسباني رامون خيمينيث تقول: "مزيد من الزمن لا يعني مزيداً من الخلود". فبالنسبة إلى باث أن الخلود هو على الدوم رهن خدمته للكلمات أثناء اندراجه في بطون متاهة وحدته. فليست كلمات الشاعر حسب أوكتافيو باث إلا ذلك التواطؤ البريء بين اللازمن والموت حيث – أيضاً وأيضاً – ذلك الإرث المنسي للأسلاف ينساب متهادياً في خلجات الروح والوجدان وفي تلك النظرات الشاردة التي تحدّق في ما يقع خارج حدود المرئي بعامة.
إن الشعر الذي تبثه متاهة الوحدة – كما يرى إلى الأمر أوكتافيو باث – هو عبارة عن نمط عيش (mondus vivendi)... إنه عبارة عن يوتوبيا الكلمات حيث الزمن مجرد ظل وحيث مجرى الأيام مجرد واقعة برّانية. فعندما تأتي الكلمات إليك – كما يقول باث في "الشعر ونهايات القرن" - يفقد الوقت دلالته المتوارثة تاريخياً بل تراه يفقد أيضاً مجمل بنيانه التسلسلي (أوكتافيو باث – "الشعر ونهايات القرن" – دار المدى – ترجمة ممدوح عدوان). إن كلمات الوحدة هي عندئذ الوقت بعامة ولكنه وقت بلا بداية وبلا نهاية.
فإذا كانت الكلمات في أزمنة المدن الضاجة والصاخبة هي رهينة الحاجة ورهينة اللهاث والسعي اليومي البائس، فإنها – الكلمات – في تلك المتاهة التي تضفيها الوحدة هي صاحبة تلك الوجاهة حيث الصخب مجرد همس وحيث الضجيج أقرب إلى بعط الجنين في جوف أمه. وفي ما يتعلق بالكلمات والمدينة تحديداً، ليس من باب الصدفة أن يكون شارل بودلير قد احتلّ المساحة الأوفر في كتاب باث "الشعر ونهايات القرن"، والذي على الرغم من تعدد فصوله وعناوينه الداخلية، فإن ثيمته الأساسية هي التركيز على ذلك التضاد بين كلماتنا الأصلية وما تفرضه علينا المدينة من كلمات خائبة جوفاء.
وليس بودلير في السياق الذي أسكنه فيه باث إلا تجسيد لهذا الصراع بين الصخب والوحدة، بين همس الكلمات وضجيجها. فإذا كان "من الممكن اقتلاع الفضيلة من الضرورة" – كما يقول تيري إيغلتون في "ظاهرة الأدب" – فأن بودلير كما قرأه أوكتافيو باث هو في هذا السياق الحقيقة المرئية لمحاولات انقضاض ساعات المدينة على أبد الوحدة حيث الكلمات تنتظر من يقوم بخدمتها عبر بثّها في قصيدة أو - كما أرى أنا كاتب هذه المادة للأمر – عبر بثّها في رواية.




