"يلا ندبك": تلك الهويات المنبعثة من "خبطة قدمكُن"

محمد حجيريالخميس 2026/02/12
578730_10150784022211061_287182725_n.jpg
أدى التنافس المحموم، في إحدى المناطق، إلى نوع من توتر أمني، بعد خسارة فريق وفوز آخر
حجم الخط
مشاركة عبر

أعاد برنامج المسابقات "يلا ندبك" الترفيهي الفني على قناة mtv، التراث اللبناني والدبكة إلى الواجهة، وأعاد جانباً من الحراك الشعبي الذي يحدثه التلفزيون بعد سنوات من الرتابة والشحن السياسي وحمى الجدل حول السلاح. وتحول التصويت والحماسة للفرق المشتركة نوعاً من هويات محلية أو ومناطقية وعائلية وعصبيات. وأدى التنافس المحموم في إحدى المناطق إلى نوع من توتر أمني، بعد خسارة فريق وفوز آخر. بينما كانت التعليقات حول الفرق المشاركة، على شاكلة أكبر صحن الحمص وأطول سندويش لبنة، فنسب بعضهم فوز فرق بعينها إلى المجد والرأس المرفوع، ويعيد للمناطق ألقها، وقالت كاتبة ناشطة إن الدبكة "تعانق الصلاة"، والفرقة التي تؤيدها "تكتب لبنان الممكن"، والبرنامج تجاوز كونه مسابقة فنية "ليصنع حالة وطنية جامعة". ونسب كاتب آخر فرقته إلى منطق "حين ينهض الجنوب بتراثه في وجه صورة النار"، ولا يقبل الجنوب "أن تُحتكر هويته أو يُصادَر تاريخه إقليميًا"، واستقبل فريق في منطقته بالحشود الشعبية والاعراس، وأقامت أخرى صولات جولات على البلدات والأحياء والمناطق تحت مسمى اللحمة الوطنية وتضافر الجهود، وعمدت مدارس إلى الطلب من طلابها التصويت بكثافة.

الدبكة
"دبكة" للفنانة عايدة ماريني

والبرنامج الترفيهي التلفزيوني على قناة آل المر، جوهره فن تراثي دارج في الأعراس والمناسبات الاجتماعية ويتسم بالرتابة والتكرار وربما الحماسة، وأخذ هذا مساراً طويلاً حتى صار يقدّم في المهرجانات والتلفزيون.  يذكر الباحث فواز طرابلسي في دراسته عن الدبكة أنه مع نمو عمليّة رسملة المجتمع اللبنانيّ، خصوصًا بعد الاستقلال، "نزلت" الدبكة من الريف إلى المدينة، ونزحت مع من نزح من أهالي الريف في عمليّة التمايز الاجتماعي المتسارعة والمرتبطة بنمو القطاع التجاريّ – الماليّ والسياحي وتوسعه. خلف النازحون في الريف الأرض تبور فيها الزارعة وتنحسر وظيفتها الإنتاجية لصالح الوظيفة السكنية - الاستهلاكية. خلال تلك العملية، ولد الفولكلور بمعناه الحديث، بما هو عملية إحياء للثقافة الشعبية على المستوى الوطني العام. فانتقلت الدبكة من الحقل والبيدر إلى المسرح ومن ساحة القرية إلى استوديوهات الإذاعة والتلفزة والملاهي الليلية. لم تعد الدبكة رقصة أبناء الأرياف وحدهم، يؤدونها بالسليقة أباً عن جد، صار يؤديها راقصون محترفون درسوها في المعاهد. و"تدريجاً، صارت لازمة من لازمات الاحتفالات الوطنية" وهي في سياقها التلفزيوني أخذت منحى مناطقي متنوع ومتعدد.

unnamed-1210.jpg
دبكة كردية

يروي الباحث اللبناني كمال ديب في كتابه "بيروت والحداثة" (صدر عن دار "النهار") أن في عام 1956، دعت اللجنة الوطنية اللبنانية للآونيسكو الخبير الروسي (السوفياتي السابق) في الرقص الشعبي إيغور موزاييف وفرقته إلى بيروت لتقديم عرض راقص. وأعجبت زلفا شمعون كثيراً بالعرض إلى درجة أنها كلفت موزاييف وفرقته بزيارة المناطق اللبنانية، خصوصاً الريفية منها، فقدم تقريراً للجنة في بيروت كشف انحداراً كبيراً في الفولكلور اللبناني وأن الناس خارج بيروت وفي الأرياف بدأوا "يتمدنون" ويتركون الملابس التقليدية ويرتدون ملابس المدينة، ويستمعون إلى الراديو الذي يبث الموسيقى العصرية والأغاني المصرية ويهملون أغانيهم القروية من الزجل والأناشيد ويتركون الإيقاع الراقص. وأكد الخبير الروسي على أن الدبكة، شأنها شأن سائر الرقصات البدائية، بطيئة ورتيبة وتكرارية فقد حذر، في عملية تطويرها، من مغادرة التقاليد، معتبراً أن التجديد لا يمكن أن ينجح إلا إذا كانت التقاليد قاعدته الراسخة. 

 

وأولى موزاييف أهمية خاصة للالتزام بارتداء الثياب الفلولكورية خلال أداء الرقصات، لأنها تعزز من الوظيفة الإغرائية التي تمارسها الألوان في الرقص. كانت نصيحة موزاييف أنّ على لبنان تأسيس فرقة محترفة للرقص الشعبي تقدّم الرقص بأسلوب راق ومتطور وفني، على أن تحفظ الحركات والخطوات الأصلية الريفية كافة في أعمالها، وأن يرى الجمهور اللبناني أنها حافظت على الخطوات التقليدية، وأن تكون أعمالها انعكاساً للأصالة الريفية التي هي منطلق ثقافة الشعب وتراثه. أخذت اللجنة الفرعية للفلكلور اللبناني، المنبثقة عن لجنة مهرجانات بعلبك، تقرير موزاييف بمنتهى الجدية وأوفدت الراقصين مروان ووديعة جرار إلى مدرسة موزاييف في روسيا. وعاد الراقصان بعد فترة يحملان مهارات رقص انتشرت في لبنان وأدت الى تأسيس فرق الرقص الشعبي وفتحت مجالات لم تكن متوافرة سابقاً لنبش وتطوير الدبكة وغيرها من فنون الرقص.

لبناني.jpg
دبكة في محطة بنزين

وما يمكن قوله إنه قبل مجيء الأخوين رحباني وفيروز، لم تكن "دبكة لبنان" موجودة، بل كانت كل منطقة تمارس أشكالاً متنوعة من هذا النوع من الرقص بحسب المناسبة، وهذا ما يشير إليه فواز طرابلسي في دراسته "رقصة الدبكة، طقوس وتحولات". ولا يعني ذلك أن منطقة أو بلدة معينة لم ولن تتعلم رقصات منطقة أخرى، لكن ببساطة لم تكن فكرة دبكة لبنانية قياسية أو نموذجية معروفة آنذاك. وهو بالضبط ما خلقه في ما بعد الأخوان رحباني. بالتعاون مع عائلة جرّار، قدّم الأخوان رحباني نسخاً لبنانيّة مختلفة من الدبكة في أعمالهم القليلة الأولى. كتب الباحث جان الكسان: أصبح الفولكلور بين أيدي الرحابنة شيئًا آخر، ذلك أنهم تجاوزوا الفولكلور اللبناني وابتكروا فولكلوراً أكثر تطوراً... غسلوه، طوّروه، نمّوه، وجعلوه رحبانيّاً خالصاً. أخذوا عطايا الفولكلور من مصادره الأوليّة: أنغامه وإيقاعاته، وأحيوه مجدداً. أو يمكن القول إنهم أدركوا الوجدان الفولكلوريّ العميق، قبضوا على الوجدان الشعبيّ، الجمعيّ والتاريخيّ، وأطلقوه إلى فضاء جديد، فضاء مفتوح على الإمكانات الإبداعيّّة كافة. 

 

لم يبقَ الفولكلور مع الرحابنة، خصوصاً عاصي، مادة ثابتة وببغائية، بل تحوّل إلى كائن حيّ ينمو ويتطور، يتفرّع ويرتفع. وبينما كان الرحابنة مأخوذين بعفوية الدبكة بين "الفلاحين"، كانوا أيضاً واعين بحدّة لضرورة صقلها. وكانت الدبكة حاضرة في الكثير من المسرحيات الرحبانية، ويذكر كريستوف ستون في كتابه "الثقافة الشعبية والوطنية في لبنان: وطن فيروز والرحابنة" (2007)، أنه في الوقت الذي كان فيه الأخوان رحباني يصلان ذروتهما الفولكلورية، كانت ثمة علامات على أن هذه الموضة (أي الفولكلور)، التي ساعدا في زيادة شعبيتها، بدأت تتراجع.

4.jpg
دبكة في الجامعة الأميركية في بيروت

ورغم أن الدبكة هي الرقصة المشتركة لأرياف المشرق العربي وشرق أوروبا، إلا أنه يصعب الحديث عن دبكة لبنانية أو سورية أو فلسطينية أو أردنية أو عراقية، فالدبكة لها مشهدية مشتركة عموماً وفي الخصوص لكل منطقة أو عشيرة أو اثنية رقصتها وطقوسها، بدءاً بعشيرة آل دندش في البقاع مروراً مروا بآل الصلح والشمالي في بعلبك وأهل حوران في سورية وصولاً إلى الأكراد في القامشلي. ولا ننسى رقصات أبناء البترون في جبل لبنان، وقد أحصي أكثر من 10 أشكال منها.  

 

وتختلف التأويلات حوله اصول مثل هذه الأغاني، فالفنان زكي ناصيف (وهو من بلدة مشغرة البقاعية مثلا) يرى ان أم رقصات الدبكة هي الدلعونا وان تسميتها ليست مستمدة من الدلع، كما هو شائع، بل ان أصل الكلمة سرياني "دلعونا" بمعنى "العونة" فدبكة الدلعونا بحسب هذا التفسير، هي دعوى إلى العونة، وما يرتبط بها من تقاليد النخوة والتضامن بين أبناء الجماعة الريفية. على أن الباحث الفلسطيني عوض عوض ينفي أن تكون لفظة دلعونا مشتقة من الدلاعة، ويقول: إنها مكونة من كلمتين هما "دل" "عنان" اسم إلهة الخصب والحب والحرب عند أجدادنا الكنعانيين، وهي تصغير محبب لهاتين الكلمتين في كلمة واحدة قابل لافتتاح الفناء بها.


والدبكة خلاصة الأنوثة والرجولة وذوبان الفرد في الحلقة الدائرية، نساء ورجال يتماسكون بالأيدي او الاكتاف، بحسب نوع الرقصة لتأدية خطوات عنيفة وناعمة فيها الكثير من الاعتزاز بقيادة مايسترو او "سنده" يتفنن في اظهار خبطات القدم والتماسك في خطواته على رأس الحلقة غير المتكملة متعاليا على الذين الى جانبه حتى لتعود الادوار فتنقلب باصطفاف جديد. بالتالي الدبكة، تلك الهويات الضيقة المنبعثة من "خبطة قدمكُن عالأرض هدّارة/ إنتو الأحبّة وإلكُن الصدارة"، كما تقول الأغنية الفيروزية الرحبانية.
    
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث