"زيّاح" منير الحايك: مار الياس مُنقذاً أوحدَ بعد هيمنة العجز

سلمان زين الدينالخميس 2026/02/12
Image-1770878493
بالعودة إلى المقارنة بين وقائع السلكين، يتبين لنا أن جانيت الثانية هي الوجه الآخر لجانيت الأولى
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة سلكان سرديان اثنان ينظمان الأحداث في رواية "زيّاح" للروائي اللبناني منير الحايك، الصادرة مؤخّرًا عن دار الرافدين، في بيروت. الأوّل، يعود إلى العام 1916، وتجري أحداثه في بلدة قب الياس البقاعية. والثاني، يعود إلى العام 2014، وتجري أحداثه في البلدة نفسها. ورغم قُرابة قرن يفصل من الزمان بين السلكين، فإنّهما يتقاطعان في نقاط كثيرة، ويفترقان في أخرى. أمّا نقاط التقاطع، فتتمظهر في المكان الروائي (قب الياس)، واسم الشخصية المحورية (جانيت)، والمناسبة الدينية (الزيّاح)، ووظيفة بعض الشخوص (الأبونا)، وبعض الأحداث (المسيرة الدينية المشتركة)، وغيرها. وأمّا نقاط الافتراق، فتتمظهر في الزمن الروائي، والسلطة الحاكمة، والغاية من الزيّاح، والنتائج المترتّبة عليه، وغيرها.

 

زيّاح قب الياس

في الشكل، تقع الرواية في 55 وحدة سردية، يتراوح طول الواحدة منها بين نصف صفحة، في الحدّ الأدنى، وست صفحات، في الحدّ الأقصى. يشغل السلك الأوّل منها 27 وحدة، ومثله السلك الثاني، ويتناوب السلكان، على الحضور النصّي، في الوحدات المختلفة، ويلتقيان في الوحدة السردية الأخيرة. وإذا كانت العلاقة الموضعية بين السلكين تقوم على التناوب، فإنّ العلاقة الزمنية، بين وحدات السلك الواحد، تقوم على التسلسل الزمني. على أنّ عددًا من الوحدات ينتهي بجمل تفتح على وحدات لاحقة، وتثير فضول القارئ لمتابعة القراءة.

 

وفي المضمون، تطرح الرواية كيفية مواجهة الكوارث، من أوبئة وحروب، في العالم المرجعي المختص. وهو ما يتمّ غالبًا بأدوات غيبية، تبرز الدور المحوري الذي يلعبه الإيمان في هذا العالم. والمفارق أنّ هذه الأدوات تحقّق الغاية المتوخّاة منها. وهو ما تتمخّض عنه الأحداث في السلكين السرديّين. وبالدخول إلى الرواية من عتبة العنوان، يمكن الإشارة إلى أن الزيّاح طقس ديني مسيحي تمارسه بلدة قب الياس في 20 تموز من كلّ عام، أي في عيد مار الياس، ويتمظهر بمسيرة دينية، تنطلق من الكنيسة وتعود إليها، ويتمّ خلالها تزيين المزارات التي تمرّ بها، وترفع الأدعية والصلوات، على نيّة تحقيق أمرٍ معيّن، وكثيرًا ما يشترك فيها مؤمنون من الديانات الأخرى.

 

البيك والمخفر

يتناول السلك الأوّل حياة أهل البلدة الذين تتواطأ عليهم السلطة السياسية الموزّعة بين البيك الإقطاعي والمخفر العثملّي، وما تتمخّض عنه من ظلم ومجاعة، من جهة. والسلطة الطبيعية الممثّلة بالهواء الأصفر، وما يترتّب عليه من وفيات تضيق بها القبور، من جهة ثانية. وإزاء هذا الظلم المزدوج، يكون على الناس أن يخضعوا للسلطتين، وأن يختاروا بين الموت جوعًا أو مرضًا أو تعذيبًا. ذلك أنّه حين يتجرّأ الأستاذ فؤاد الحوّاري على الاعتراض ورفع الصوت، يُعتقل، ويموت تحت التعذيب، ويُدفن في حفرة. وحين يرفض عوّاد الخضوع، يُطارَد من قبل رجال البيك والدرك، ويُضطرّ إلى العيش في مغارة، ويلقى حتفه متسمّمًا بأعشاب اضطرّه الجوع إلى تناولها. وإذا كانت السلطة تستهدف حالات التمرّد الفردية في الرواية، فإنّ الوباء الأصفر لم يكن ليميّز بين خاضع ومتمرّد، ويحصد الأرواح بلا تمييز.

 

جانيت الأولى ترى المستقبل

وفي مواجهة هذا الخطر الجماعي، تؤدي جانيت دورًا محوريًّا، وهي الخمسينية التي نشأت في كنف جدّها أبي جورج، بعد موت والدتها طفلةً وسفر أبيها إلى اليونان، فتعكف على الاهتمام بالجَدّ، وتثابر على ممارسة الشعائر الدينية، وتنجذب إلى الشاب المتمرّد عواد المختلف عنها دينيًّا، فلا يحول الاختلاف الديني دون الاتفاق العاطفي. وهي تمتلك قدرة خارقة في رؤية المستقبل، فتراودها أحلام غريبة؛ ترى أطفالًا بثياب حمراء يُطلقون النار على رجال معصوبي العيون في العام 2013. ترى رجلًا ملتحيًا ومعمّمًا بعمامة بشعة يقطع رأس أحد أقاربها. وترى آخرين يخرجون إلى النهر الذي استُبدِلت قناطره بدرابزين حديدي أسود، ويحملون ما يشبه قطعة خشب بحجم الكف، ويضعونها على آذانهم كمن يتحدّث مع أحد. وهذه المشاهد تحيل إلى ما يحدث، بعد قرن، من عنف داعشي، وتقدّم تقني، ونهضة إنمائية. 

 

مار الياس يرفع الوباء

على أنّ محورية دورها تبلغ الذروة، حين تحلم أنّ مار الياس قد ظهر عليها، "وطلب منها أن يخرجوا ليلًا، مسيحيين ومسلمين، في زيّاح من الكنيسة إلى السوق ومن ثمّ إلى الكنيسة، وأن يكثروا من الصلاة، وأن يفتحوا قلوبهم إلى القدّيسين وإلى العذراء مريم، علّها تشفع لهم عند الرب، فيشفيهم من بلواهم" (ص 123). وهنا يختلط الواقعي بالغرائبي، والدنيوي بالديني، والمادّي بالغيبي. وإذ تخبر جانيت الأبونا مطانيوس بما طُلِب منها، وتقنعه بتلبية الطلب، يتولّى الأخير الاتصال بالشيخ رغم أنّ الود بينهما مفقود، ويتفقان على القيام بزيّاح مشترك، وهو ما يحدث بالفعل، ويترتّب عليه زوال الوباء عن القرية. وهكذا، تصدّر الرواية منظوراً غيبياً، يُقدّم السحري على الواقعي، والغرائبي على الوقائعي. وهو ما يتناسب مع عالم مرجعي شعبي يتمسّك بحبال الهواء في مواجهة الظواهر الخارقة.

 

جانيت الثانية ترى الماضي وتلوذ به

في المقابل، يتناول السلك السردي الثاني حياة أهل البلدة في العام 2014، في ظلّ تداعيات الحرب الأهلية، ومضاعفات حرب تموز 2006، وارتدادات الحرب السورية، ومحاولات رتق الثقوب التي أحدثتها الحروب المتعاقبة في النسيج الاجتماعي. وفي هذا السياق، تؤدي جانيت نسخة 2014 أيضاً دورًا محوريًّا، من خلال تواصلها مع الجارات المسلمات، وعلاقات الصداقة التي تنسجها مع بعضهن، والاحتفالات المشترَكة في المناسبات الدينية، والعلاقة مع الأبونا حبيب وغيره. والمفارق أنّ هذه النسخة من جانيت تمتلك بدورها قدرات خارقة، لكن في الاتجاه المعاكس للنسخة الأولى منها، تستعيد وقائع حصلت، منذ قرن، من الظلم العثملّي؛ فتزعم بأنها تعرف الجندي التركي في المسلسل التلفزيوني، وأنّها شاهدته مع جنود آخرين أمام دكان أبي عفش، وأنّها رأت رجلًا يجرّ الصخرة إلى جانب الدكان، وأنّها تظنّ أنّ الأستاذ فؤاد مات تحت التعذيب، وأنّ شقيقه سعيد لم يفارق الصخرة منذ احتجازه، وأنّ جدّها أبا جورج مات بنوبة قلبية جرّاء عقوق ابنه جورج، وأنّ حبيبها عواد تعرّض لمكروه ما، وأنّ "السوق لم يكن كما تعرفه، فلا سيارات على الجوانب ولا سباب يتوسّدون الدرابزين فوق النهر، ولا هواتف نقاّلة تنير فلاشاتها وهي تصوّر مقاطع فيديو لينشروها على مواقع التواصل" (ص 190). وهكذا، في كلّ مرّة، كانت تفرّ من الحاضر ووقائعه إلى الماضي وذكرياته، وتتلفّظ بأمور غير معروفة، كان يزداد قلق زوجها وابنها عليها، وبدأ الناس يشكّون في قدراتها العقلية، حتى إذا ما لجأ الزوج إلى أستاذ التاريخ في البلدة، وسأله عن الوقائع التي ترد على لسان الزوجة، يؤكّد الأخير حصولها، فيتغيّر تقييمه لها. 

 

على أنّ وضع جانيت النفسي لم يحل دون مشاركتها في الإعداد للزياح المشترك في البلدة، بالتعاون مع الجارات والصديقات، ويكون أن تسوء حالتها خلال المشاركة في المسيرة، لا ترى ملامح الوجوه، ولا تسمع أصوات المشاركين، فيتمّ أخذها إلى البيت لتدخل في إغفاءة بسيطة، حتى إذا ما صحت منها، تستعيد قدرتها على الرؤية والسمع وتمييز الوجوه والأصوات والروائح، فتشكر مار الياس الحي على شفاعته وتبكي. وهكذا، يتمخّض الزيّاح عن شفاء جانيت، واشتراك المؤمنين في الشعائر الدينية، وتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية، ما يعني أنّ الرواية، في السلك الثاني، أيضًا تصدّر عن منظور ديني/وطني. ولعلّ ما يعزّز هذا الاستنتاج هو أنّ السلكين السرديين يتّحدان، في نهاية الرواية، في سلك واحد

 

 تقمّص سحريّ

بالعودة إلى المقارنة بين وقائع السلكين، يتبيّن لنا أنّ جانيت الثانية هي الوجه الآخر لجانيت الأولى، بدليل حلم الأولى بالثانية، وتذكّر الثانية الأولى، وهو ما تؤكده السلوكيات الصادرة عن كلٍّ منهما. ولعل الثانية تقمّصت الأولى، على حدّ ما تذهب بعض الفرق الدينية المؤمنة بالتقمّص. وعلى غرابة هذا التفسير، فإنّ له ما يبرّره في بعض المعتقدات الدينية. أمّا أن تتمكّن شخصية من استشراف وقائع، ستحدث بعد مائة عام، فهذا لعمري من أغرب الغرائب. ويتبيّن لنا أن الزيّاح المشترك في السلك الأوّل كان كفيلًا بزوال الوباء، وأنّه في السلك الثاني كان كفيلًا بشفاء جانيت وتعزيز الشعور المشترك بين المؤمنين، ما يحيل روائيًّا إلى أهمّّية الشراكة الوطنية في مواجهة الأوبئة والحروب.

 

هذه الأحداث، الواقعية والسحرية، يضعها منير الحايك في 55 وحدة سردية قصيرة، ويضع كلاً منها في الموقع الذي يخدم روائيته. ويصوغها بلغة رشيقة، تتكّئ على كثير من التراكيب الشعبية المحكية، وتستخدم الكثير من المفردات العامية والتقنية، ما يمنح السرد حركيته، ويحرّره من التكلّس اللغوي. وإذا كانت الرواية يغلب فيها السرد على الحوار، فإن الكاتب يكسر نمطية السرد بأنماط لغوية أخرى، مقتبسة من بحث تاريخي أو مقال صحافي أو قصة شخصية أو نص ديني، ما يضفي على النص التنوّع الأجناسي. وهو، من خلال التقنيات المذكورة أعلاه، استطاع أن يقدّم نصًّا روائيًّا معافى، يستحق القراءة.

                    

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث