"لا تكن رجلاً عادياً، فتتوه وسط الزحام، كن مختلفاً وجريئاً حدّ التمرّد، قادراً على التعبير عن وجهة نظرك والدفاع عنها إلى المنتهى، وإذا لم تستطع فالزم بيتك ولا تدّعِ أنك ناجح".
هذه باختصار كانت فلسفة المخرج يوسف شاهين (25 كانون الثاني 1926-27 تموز 2008) التي سمعته يلقنها لممثل كان شاباً حديث العهد بالتمثيل وقت تصوير فيلمه "اسكندرية كمان وكمان" سنة 1990، وإذا تأملنا اليوم هذه العبارات البسيطة فيما نحتفل بمئوية ميلاد شاهين، ندرك من دون عناء لماذا نجح الرجل في مشواره الفني الطويل الذي أخذ من سنوات عمره قرابة الستين عاماً، ولماذا بقيت أفلامه النموذج الذي يتم تدريسه حتى اليوم.. نعم كان يوسف شاهين مختلفاً وجريئاً ذا روح متمرّدة لا يحدّها حد، ولا تقبل أي صد، لا يحيد عن وجهة نظره حتى لو وقف في وجهه الجميع، ولهذا بقي شاهين، وحافظ على اسمه منذ فيلمه الأول "بابا أمين" العام 1950، وحتى فيلمه الأخير "هي فوضى" العام 2007.
ولئن كان الرجل قد اصطحب معه الجدل في حله وترحاله، وحرك بكل عمل من أعماله مياهاً كانت راكدة وصلت أحياناً إلى حد الزوابع والأعاصير، فإن ذروة هذا الجدل كان في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي حين قاده فيلم "المهاجر" إلى الوقوف في ساحات القضاء المصري - وكان على مشارف السبعين من عمره - بغية وقف عرض الفيلم الشهير. صحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي خضع فيها لجهات التحقيق، فقد استدعته النيابة العامة ذات يوم في العام 1958 للتحقيق في بلاغ تقدمت به نقابة الممثلين لأنه تجرأ ومارس مهنة التمثيل في فيلم "محطة مصر" الذي حمل لاحقاً اسم "باب الحديد" من دون أن يكون عضواً عاملاً في تلك النقابة، لكن الأمر تمت تسويته ومنحت النقابة في النهاية لشاهين تصريحاً بمزاولة مهنة التمثيل، ما شجعه على تكرار التجربة في أكثر من فيلم بعد ذلك، وإن بمساحة دور أقل من دوره في "باب الحديد" وكاد يصل به إلى منصة التتويج في مهرجان "كان" سنة 1958. وصحيح أيضاً أنه واجه كثيراً جهات المنح والمنع في مصر وأشهرها ما تعلق بفيلم "العصفور" الذي منعته الرقابة لمدة عامين قبل السماح له بالعرض سنة 1974، لكن الأمر كان مختلفاً بشأن فيلم "المهاجر" الذي صدر بحقه للمرة الأولى في مشوار شاهين حكم قضائي بمصادرة نسخه ومنعه من العرض وعدم السماح بتصديره لأن شاهين (المتمرّد) أراد تقديم قصة النبي يوسف في شاشة السينما.
وبدأت تفاصيل هذا الملف الشائك في الرابع والعشرين من آب 1992 حينما تقدّم شاهين إلى الأزهر للمرة الأولى بسيناريو فيلم يحمل عنوان "يوسف الصديق" بغرض الفحص والمراجعة، والسماح له بمباشرة التصوير بعد العرض على الرقابة، ومع استشعار الحساسية الدينية التي تصاحب تجسيد الأنبياء في الشاشة، ارتأى الأزهر تشكيل لجنة من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية للبت في هذا الأمر، فجاء رد هذه اللجنة في 7 تشرين الثاني من العام نفسه برفض السيناريو لأسباب حددها تقرير شامل أُرسل إلى 35 شارع شامبليون مقر شركة أفلام مصر العالمية، لصاحبها يوسف شاهين. ومنذ ذلك التاريخ لم تهدأ الدنيا في معركة شهيرة وصل مداها إلى أعتاب رئاسة الجمهورية. فأعاد شاهين أعاد السيناريو إلى الأزهر تحت اسم "يوسف وأخوته" بعدما أجرى تعديلات خففت من ملحوظات المؤسسة الدينية، لكن الرفض كان أيضاً مصير هذه المحاولة، ولم ييأس الرجل وقرّر تجاوز الأزهر واللجوء مباشرة إلى جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وقدم له فيلماً بعنوان "المهاجر".
وحكت لي السيدة سوسن طلعت إحدى الرقيبات التي عرض عليها سيناريو الفيلم، أنها حينما قرأته، وجدت أنها أمام فيلم عادي تدور أحداثه في زمن الفراعنة يتحدث عن الزراعة والتحنيط، والبطولة فيه لشاب أتى إلى مصر من قوم كانوا يرعون الغنم من أجل العلم، فرأت أنه ليس هناك ما يمنع من التصريح له بالتصوير من دون الالتفات إلى الضجة المثارة في تلك الفترة حول موقف الأزهر من العمل، لأن جهاز الرقابة ينظر إلى الورق من دون النظر إلى اسم مؤلفه. وبعد انتهاء شاهين من التصوير، أجيز عرض الفيلم مع بعض الملحوظات لأن الرقابة لا تملك منع عرض فيلم بعدما أجازت السيناريو الخاص به، وما دام أصحابه التزموا بما أجيز على الورق، ثم أضافت أنها في النهاية لم تعطِ الموافقة على فيلم ديني، وإلا كانت أوصت بعرضه على الأزهر، وإنما أجازت فيلماً استوحى شاهين قصته من التاريخ الفرعوني.
وعُرض الفيلم في مهرجان "كان" في أيار 1994، ثم عُرض جماهيرياً في 26 أيلول من العام نفسه، وبعد قليل من عرضه تقدّم محام اسمه محمود أبو الفيض، بدعوى "حسبة" إلى قاضي الأمور المستعجلة في محكمة عابدين بالقاهرة، يطالب بوقف عرض الفيلم ومصادرة نسخه بحجة الإساءة إلى أنبياء الله، وذلك في ذروة انتشار ظاهرة تلك الدعاوى وسيطرة التطرف الديني على كثير من مفاصل الحياة في مصر، فصدر في كانون الأول 1994 حكم بما أراده محامي التيار الديني. لكن شاهين استأنف على حكم أول درجة بدعم من جميع مثقفي مصر، وعلى رأسهم فاروق حسني وزير الثقافة في ذلك الوقت، ونجح في آذار من العام التالي، في الحصول على حكم يجيز له عرض الفيلم وتصديره مرة أخرى، ما اعتبره المثقفون في مصر انتصاراً لحق أصيل في حرية التعبير. وبعد أشهر، جاء محام آخر اسمه عبد الحليم رمضان وقدّم استشكالاً على الحكم الجديد، لكن المحكمة رفضته، ما عنى حكماً باتاً يؤكد حق شاهين في عرض "المهاجر" وتصديره، لينتهي الجانب القانوني في تلك المعركة التي خاضها صاحب المئوية بقوة وكثير من التحدي.
رغم ذلك بقي المنع ذاتياً أو اختيارياً لدى العديد من الفضائيات العربية على خلفية قناعة مسؤوليها بتعرض الفيلم لسيرة النبي يوسف، رغم تحايل شاهين على الأمر بناء على تعليمات الرقابة بأن وضع عبارة في بدايته تقول إن أحداث هذا الفيلم لا تمت بصلة إلى أي قصة أو حادثة في التاريخ، وأنها رؤية سينمائية خاصة مستوحاة من تراث الإنسانية.




