تأتي بترا الجميل من عالم الطب الذي يعرفها طبيبة متخصصة في تصوير الأشعة إلى عالم الأدب، بإصدارها ثلاث قصص للأطفال في إطار سلسلة "من تراثنا". القصص هي "جدتي ومربى التين" و"حكاية ابريق المي" و"زيتون وصابون".
في هذه الثلاثية القصصية، تقدم الجميّل نفسها حارسة للذاكرة الجمالية، مستخدمةً أدوات الطبيبة في "تشخيص" الفجوة بين الجيل الجديد وجذوره، ومعالجتها بجرعات أدبية مدروسة. لا تسعى إلى تقديم مادة تاريخية جافة، بل تستحضر "روح الضيعة" بذكاء لغوي يدمج بين الفصحى السلسة والمفردات العامية الأصيلة. فكلمات مثل "الخضير"، و"الفاخورة"، و"الجفت" ليست مجرد تسميات، بل مفاتيح لهوية تكاد تندثر خلف شاشات الهواتف الذكية.
في قصة "جدتي ومربى التين" تحول الجميّل عملية صناعة المربى من مجرد تحضير طعام إلى طقس اجتماعي. يقوم الأسلوب على "تشويق" يلامس الحواس، فيشعر القارئ الصغير بحرارة الموقد ورائحة التين الناضج. إنها دعوة إلى التمسك بـ"البركة" التي تمثلها الجدة، والتي هي في جوهرها رمز للوطن والأرض.
وفي "حكاية إبريق المي" تذهب الكاتبة أبعد في الغوص في التراث المادي. "إبريق الماء" ليس جماداً في يدها، بل بطلاً يروي قصة العطش والارتواء. اختيار هذا الرمز تحديداً يحمل دلالة على "البساطة" التي تفتقدها حياتنا المعاصرة، بأسلوب شيق يبتعد عن الوعظ المباشر ليترك الحكاية تنساب مثل الماء من فوهة الإبريق..
أما قصة "زيتون وصابون"، الثالثة في السلسلة، فطالعة من الواقع المعيوش، كون الزيتون في لبنان لا يزال "الذهب الأخضر". ترصد الجميّل ببراعة تحول الثمرة من الشجرة إلى المعصرة ثم إلى "صفيحة الصابون" التي تفوح منها رائحة الانتماء والأصالة.
نجحت الدكتورة بترا الجميّل في موازنة المعادلة الصعبة: الإمتاع والتعليم. واتسم أسلوبها بإيقاع سريع يناسب الطفل المعاصر الذي يميل إلى الاختصار، والتكثيف الصوري. فكونها طبيبة أشعة، يبدو أنها تدرك أهمية "الصورة" في إيصال الفكرة، وهذا ما جعل نصوصها قابلة للتخيل البصري العالي. واتسم كذلك بالأنسنة إذ أعطت الأدوات التراثية صوتاً وروحاً، وهذا ما يجعل الطفل يرتبط عاطفياً بمهن أجداده وتراثهم.
لا يمكن قراءة هذه القصص بمعزل عن المبادرة الإنسانية التي ترافقها. فقرار الكاتبة تخصيص ريع توقيعها القصص الثلاث في "معرض أنطلياس للكتاب" (مساء 6 آذار المقبل) لدعم أطفال مصابين بمرض السرطان، يمنح هذه القصص "بُعداً رابعاً". إنها كتابة من أجل الحياة، وتوظيف للأدب في خدمة الإنسان، وهذا امتداد طبيعي لرسالتها كطبيبة.
بترا الجميّل في بواكيرها هذه، لم تكتب قصصاً للأطفال فحسب، بل زرعت "شتولاً" ثقافية في وعي الجيل الجديد. إنها دعوة إلى المقاومة بالجمال، وإلى الحفاظ على الهوية في زمن العولمة الزاحفة. قصصها جسر آمن يربط "التابلت" بـ "الجرّة"، وتثبت أن الحكاية هي الطريق الأقصر إلى قلب الطفل وعقله.
