نشر المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة قبل أيام دراسة "حيادية الدولة تجاه العقائد الدينية للسوريين". وتناقش "المدن" في حوار معمق مع مؤلفها الدكتور حمزة الرستناوي هذا المبدأ الحيوي في هذه اللحظة السورية الحساسة جداً.
ويكشف د.رستناوي المقيم حاليا في كندا، لـ"المدن" أن المبدأ يواجه رفضاً عملياً من كل القوى السياسية الرئيسية في سوريا، نظاماً ومعارضة، بسبب تعارضه مع آليات ممارسة السلطة القائمة. ويؤكد رستناوي أن اعتماد الحيادية الدينية يكاد يكون ضرورة حيوية لبناء سوريا الجديدة والمستقرة والعادلة، تقوم على المواطنة المتساوية، ويشير رستناوي إلى ضرورة اتخاذ خطوات دستورية لتحقيق هذا الهدف، رغم كل التحديات الخطيرة التي تواجه السوريين مع استمرار الصراع والانقسام وتأجيل العدالة الانتقالية. في واقع الأمر يأتي هذا النقاش مع غياب الإطار القانوني والمؤسسي الواضح لطريق بناء الدولة بعد عقود من الحكم البعثي.
- ما التعريف العملي لحيادية الدولة تجاه العقائد الدينية" كما تقدمه الدراسة، وهل يختلف هذا المفهوم عن مفاهيم أخرى شائعة مثل "فصل الدين عن الدولة"؟
المقصود بحيادية الدولة تجاه العقائد الدينية، هو أن لا تقوم الدولة بممارسات تمييزية ضد مواطنين بسبب انتماءاتهم الدينية – وخلفياتهم الطائفية. إن تطبيق مبدأ المواطنة المتساوية يقتضي الالتزام بمبدأ حيادية الدولة تجاه العقائد الدينية لمُواطنيها. مصطلح حيادية الدولة يختلف عن العلمانية التي يتم تفسيرها كموقف إيديولوجي مناهض للدين في السياق العربي الإسلامي، وهو يختلف عن مقولة الفصل ما بين السلطة السياسية والدين، فهذا غير ممكن، حيث أن الدين هو بعد مُهيمن في ثقافة المجتمعات والشعب السوري، ومن الطبيعي أن تتأثر السياسة بالدين. السؤال ليس حول وجود التأثير بل حول اتجاه وطبيعة ونتائج هذا التأثير؟! وبالتالي ينبغي الحديث عن تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والدين وليس عن علاقة فصل بين الاثنين.
- في مقدمة البحث هناك إشارة أن "الانحياز لا بد منه... والمهم هو وعي الانحياز". كيف يمكن أن ينعكس هذا الموقف على مصداقية تحليل مواقف الأطراف المُتعارضة في السياق السوري؟
لنميّز هنا ما بين نمطين من الانحياز، انحياز لا شعوري- غير مقصود حيث إن الباحث في العلوم الاجتماعية لا يستطيع التحرر تماماً من التأثيرات الجينية والتربوية والثقافية، التي بلورت شخصيته، وشكّلت معارفه، منذ مرحلة الطفولة. وهذا النمط من الانحياز قد يكون مفيداً حيث أنه يساعدنا على إنتاج مقاربات مُتعددة للظواهر الاجتماعية-السياسية، مقاربات يمكن المقارنة بينها وتتحاور مع بعضها البعض. بالمقابل ثمّة أنماط من الانحياز تُعيب البحث، والباحث، وتكون خطيرة الأثر، والمقصود بها كل انحياز ينبني عليه ازدواجية معايير أو سلوكيات عنصرية.
- تتساءَل هذه الدراسة عن مدى شمولية الحيادية: هل يعني ذلك أن يكون حياد الدولة تجاه العقائد غير الدينية (في الفلسفة أو السياسة) بالمستوى نفسه لحيادها تجاه العقائد الدينية؟ وما التحدي هنا الذي يمكن مواجهته؟
لطالما تسلك العقائد اللا-دينية (السياسية والفلسفية) سلوك العقائد الدينية نفسه، حيث تم قتل وتهجير الملايين من الأبرياء في الاتحاد السوفياتي السابق باسم العقيدة الماركسية بنسختها الستالينية، على سبيل المثال. كذلك فإن التكفير في العقائد الدينية يقابله التخوين في العقائد اللادينية. في الحالة السورية قامت داعش بعمليات انتحارية، وتفجير مفخخات راح ضحيتها مدنيين أبرياء، كذلك قام تنظيم قسد بعمليات انتحارية وتفجير مفخخات أيضاً. التمييز بين المواطنين على أساس انتمائهم الديني يجب أن يكون مرفوضاً، وكذلك التمييز ضد المواطنين المُتدينين يجب أن يكون مرفوضاً أيضاً.
- قدمت دراستكم عرضاً عن تعامل النظام السوري قبل العام 2024 مع مسألة الدين والطائفية، فهل يمكن وصف تلك السياسة بالحيادية؟
لم يكن النظام السوري خلال الحقبة الأسدية مُحايداً في ما يخص هوية الدولة وكذلك من جهة التعامل مع السوريين. لم يعتمد النظام السوري السابق على الولاء الأيديولوجي البعثي فقط، بل ميّز بين السوريين على أساس الولاء الشخصي والطائفي، وبذلك انتقل النظام السوري من نموذج الاستبداد الشمولي. إلى نموذج الدولة السلطانية التي تستند إلى عصبية عائلية- طائفية (أسدية- علوية) كقاعدة وحامل اجتماعي-سياسي.
- نسأل هنا عن أبرز نقاط الاختلاف التي رصدتها الدراسة في مواقف القوى السياسية السورية (سواء النظام السابق أو فصائل المعارضة) تجاه دور الدين في الدولة؟
تشترك القوى السياسية السورية (في السلطة الأسدية والطيف الإسلامي المُعارض) في رفضها لمبدأ حياد الدولة تجاه عقائد السوريين، لكون هذا المبدأ سوف يُقيد امكانيتها في ممارسة السلطة، وكذلك سوف يضعهم في صراع مع الحاضنة الشعبية الخاصة بهم. الطيف الإسلامي عربيا -وضمناً المعارض للسلطة الأسدية- لا يقيم اعتباراً لمبدأ المساواة، بل يؤكد على مبدأ العدل في التعامل مع غير المسلمين. أما بالنسبة الى الطيف القومي العربي والكردي فلا تشكل قضية حيادية الدولة تجاه العقائد الدينية إشكالية لديه، لكنه يعرض خطاباً يميز بين السوريين على أساس القومية. أما بالنسبة للأحزاب والشخصيات الليبرالية، فهي في غالبيتها تدعم مبدأ حيادية الدولة، لكن هناك غموضاً في كيفية تحويل ذلك إلى خطاب سياسي-عملي.
- هل يمكن أن تشرحوا لنا المقولة في دراستكم، أن انقسام السوريين حول علاقة الدين بالدولة شكّل "أرضية خصبة لشحن الصراع السياسي والطائفي".
الصراع السياسي السوري، وفي كل بلدان المشرق العربي، ذو بعد طائفي واضح، ليست المشكلة في وجود فئويات دينية طائفية مُختلفة، بل المشكلة هي في طريقة إدارة هذا الصراع والاستثمار فيه عند الانتقال من مستوى المُجتمع الأهلي إلى مستوى المجتمع السياسي.
هل يمكن تطبيق مبدأ حيادية الدولة في مجتمع متعدد المذاهب والأديان مثل سوريا، وما هي أبرز العقبات المُجتمعية والسياسية التي قد تواجه هذه الحيادية؟
نعم يمكن، لا بل هو ضرورة لتحقيق دولة مستقرة عادلة تحتكم لمبدأ المواطنة المتساوية بين السوريين. من المهم هنا تقديم مبدأ حيادية الدولة تجاه العقائد الدينية بطريقة سلسة غير صدامية، وضمن حزمة خيارات تحترم سياقات المجتمعات السورية المختلفة، وتحترم البعد العربي- الإسلامي المحافظ في ثقافة السوريين.
- هل يمكن أن تؤدي "حيادية الدولة" دوراً مؤثرا في عملية إعادة بناء المجتمع السوري الهش والمصالحة الوطنية خصوصاً في مسارات العدالة الانتقالية في سوريا التي لم تجد حتى اللحظة طريقها الى النور؟
بالتأكيد، إن غياب العدالة الانتقالية، وتأجيل محاكمة كبار مُجرمي الحرب في الحقبة الاسدية وما بعدها سوف يؤدي الى استمرار وتفاقم الانقسام الديني- الطائفي بين السوريين.. وبما سوف يُضعف من حجج القائلين بحيادية الدولة تجاه العقائد الدينية. وذلك لسبب بسيط، حيث أن شدة الشعور الهوياتي- الطائفي تتناسب طرداً مع حجم الظلم _ الحقيقي أو المُفترض_ الذي تعرّض له الشخص والجماعة التي ينتمي إليها.
- تحاول الدراسة الربط بين حيادية الدولة وبناء "دولة القانون والحقوق والمؤسسات" حيث يتساوى المواطنون جميعاً. ما هي الخطوات الدستورية والتشريعية الأولية التي من الضرورة أن تقوم بها حكومة دمشق لتحقيق هذا الهدف في سوريا الجديدة؟
حاولنا في هذه الدراسة الابتعاد عن صيغة "توصيات عامة عمومية" وارتأينا تقديم رؤية قانونية ودستورية لصناع القرار في سوريا، ولأي مؤتمر وطني مقبل، حيث تكون تلك الرؤية بمثابة توجيه يتم الاستعانة به لترجمة مبدأ الحياد الديني إلى نصوص دستورية، حيث يتوجب صياغة بنود واضحة وشاملة تتناول كافة الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية المُرتبطة بالحياد الديني. هذه البنود يجب أن تُراعي التنوع الديني والطائفي في سوريا وتضمن كذلك المُساواة بين جميع المواطنين، وتوصي بتضمين مبدأ حيادية الدولة تجاه عقائد السوريين ضمن المبادئ الأساسية (مبادئ فوق دستورية) في أي دستور سوري قادم.
- إذا كانت "الحيادية" هي عدم انحياز الدولة لأي عقيدة دينية بالذات، فما هو الدور الذي ستقوم به لحماية حرية أي معتقد وممارسة الشعائر لجميع السوريين؟
حرية الاعتقاد والتعبير عن هذا الاعتقاد، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، يجب أن تكون مشمولة في النصوص الدستورية والتشريعية، وهنا ينبغي أن تؤكد القوانين وممارسات أجهزة إنفاذ القانون على مفهوم "حرية الاعتقاد" ومفهوم "حرية الشعائر الدينية " بغض النظر عن نسبتهما لاعتقاد ديني مخصوص بعينه.
- كيف يمكن للدولة المُحايدة أن تتعامل مع قضايا الأحوال الشخصية (كالزواج والميراث) في مجتمع تعددي، وما النماذج المُمكنة (قانون مدني موحد، محاكم دينية موحدة مثلاً وغير ذلك)؟
في ما يخص قانون الأحوال الشخصية نقترح حرية الاختيار ما بين تطبيق قانون أحوال شخصية فئوي ديني، أو تطبيق قانون أحوال شخصية مدني عام للسوريين، وسبب هذه التوصية احترام قيمة الحرية الفردية للإنسان.
-على ضوء رؤيتك للأفكار في هذه الورشة، هل يمكن لك أن تكشف لنا أهم الانتقادات أو المخاوف، إذا صح التعبير، التي ربما واجهتموها ضد نموذج "الدولة المحايدة" في السياق السوري، وهل يمكنكم طرح تفنيد للرد على تلك الانتقادات؟
سؤال جيد، واجهنا العديد من الصعوبات والانتقادات منها:
1- تحفظ أو عدم استجابة الكيانات السياسية، لا سيما ضمن الطيف الإسلامي، للإجابة على أسئلة الاستبيان التفصيلية المُرفق بالدراسة، مما اضطرنا الى البحث في أدبيات وبيانات هذه الكيانات او التواصل مع شخصيات خبيرة او مقربة منهم.
2- توجس وتخوف رجال دين من الإجابة على أسئلة استبيان الدراسة، خصوصاً في حالة الطوائف الدينية من غير المسلمين السنّة (كالطائفة العلوية وطائفة الموحدين الدروز).
3- التشكيك في نوايا ودوافع الدراسة وكونها "تستهدف" الاعتقاد الديني للمسلمين.
4- الاحساس بعدم الجدوى أو عدم أهمية طرح هذا الموضوع في ظروف حرب وصراعات وواقع معيشي بائس يعيشه السوريون في المخيمات ودول اللجوء.
وفي النهاية لا يسعني سوى تقديم شكر خاص لأحمد مولود طيار، شريكي في هذه الدراسة، ونادر جبلي منسق برنامج حوارات السوريين، وكذلك د.سمير سعيفان.. لمساهماتهم في تيسير وتسهيل إنجاز هذه الدراسة.




