المعرض الذي يقيمه الفنان اللبناني سليم معوّض، بدءاً من يوم الثلاثاء 10 شباط، في "دار النمر للفن والثقافة"(بيروت – كليمنصو)، اتّخذ عنوان "ح دّ ق غزة – جثث ومفاهيم غير مدفونة". ويترافق هذا المعرض مع كتاب للفنان يحمل العنوان نفسه، الذي يصبح بالإنكليزية LOOK closely- Gaza. يتضمن الكتاب أعمالاً فنية توثق يوميات أهل غزّة ومعاناتهم منذ 7 تشرين الأول- أكتوبر 2023 وما جرى بعده من حوادث إستثنائية.
ما يمكن ملاحظته، بداية، هو أن المعرض والكتاب يبدوان متلازمين إلى حد بعيد، وأن الكتاب يتألف من جزئين: جزء فني وجزء قانوني. لا فروقات كبيرة بين الكتاب والمعرض سوى في المعاينة المباشرة، وبأن الكتاب، عدا عن تضمنه صور الأعمال التشكيلية الخاصة بالفنان، يتضمن كتابات وخواطر تعود إليه، إضافة إلى ملاحضات وأقوال لأطراف فلسطينية فاعلة في المجال السياسي النضالي. فالمؤلف يستند إلى أحد أقوال مروان البرغوتي، على سبيل المثال، الذي يشير إلى مسلّمات تتعلّق بالشعب الذي اغتصبت أرضه، كالقول إن المقاومة حق مقدّس للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأن هذا الشعب تفاوض لعشر سنوات قبل الوصول إلى اتفاقيات صعبة ومهينة، ولم يحصل على أي سلطة فعلية على الأرض.
يسرد سليم معوّض في الكتاب مقاطع من سيرته الذاتية، وهي التي يبيّن من خلالها علاقته، المتناقضة في بدايتها، بالقضية الفلسطينية، من خلال مشاهداته الأولى المتأثرة بوالده، إلى حين وصوله إلى اقتناع نهائي بأحقية القضية المذكورة. هذا الاقتناع لم يأتِ إلاّ بنتيجة مراجعة لمفاهيمه السياسية والإنسانية. كان هذا في البداية ومن ناحية المبدأ، لكن الأمور تطوّرت مع مرور الوقت، إلى حين ظهور المستجدّات الحاصلة بعد 7 أكتوبر، وما تعرّض له الشعب الفلسطيني من مجازر على يد الإسرائيلي "الذي لا يشبع"، ليضيف المؤلّف: ".. راعني هول ما يحصل، فصرت أفتش عن الإنسانية في كل مكان، حتى في صفحات الأخبار ونشراته، علّني أجد صوتاً لمن بقي فيه ضمير إنسان. كان صراخ أهل غزّة أعلى من أي صوت، ما خلا قنابل إسرائيل الثقيلة الأميركية الصنع الممنوحة من الغرب".
هذا الشعور الذي راود معوّض كان راودنا جميعاً، نظراً لفداحة الحدث وهمجيته، وتفاوتت ردود أفعالنا بين الحزن والألم والغضب. لقد قرر معوّض، الذي اجتمعت لديه جميع أنواع الشعور المذكورة، توثيق جرائم الصهيونية، واستعان بالرسم الإحتجاجي دعماً لفلسطين وشعبها، مع إظهار أحقية مقاوتها، من خلال هذا العمل الذي قام به، والذي هو عبارة عن تجربة إنسانية خالصة، تمثل فلسطين بوصلتها الأخلاقية.
تمثل هدف العمل ذو الطابع التوثيقي الذي قام به معوّض، والذي يصفه بكونه تجربة إنسانية، كما سبق ذكره، في السعي لإحقاق الحق، وقول الصدق على ما قرأه وشاهده. وقد استند فيه على قرارات أممية ودولية أصبحت سائبة، أما تصريحات المسؤولين التي تدين أفعال إسرائيل فتبدو بالية. يتوجه المؤلف إلى القارىء والمشاهد بالقول: "أيها البشري، وإن سعيت إلى الإنسانية، سجّل: بين يديك عمل متواضع، على أمل أن يجمعنا من شمال الأرض وجنوبها حول رفض أي انتهاك لأي إنسان في العلم".
عمل الفنان على متابعة الحوادث الجارية، والتعامل معها من خلال يوميات ذاتية، وذات وجه موضوعي في آن واحد، وذلك منذ السابع من تشرين الأول العام 2023. لقد كان يراقب ما يجري ويكتب ملاحظاته، لكن تلك الملاحظات – العبارات كانت تترافق مع رسوم تبدو سريعة ومباشرة في بعض الأحيان، ويغلب عليها الطابع الغرافيكي شبه المونوكرومي. أولى تلك العبارات كانت: "فلسطين تقاوم والمقاومة حق". هذه الإنطباعات تكون يومية أحياناً، ومن ثم تتراوح المسافة الزمنية فيما بينها بحسب المستجدّات، وأيضاً بحسب قوة الإنطباع والحالة النفسية للرسام. الكثير من التساؤلات الواردة إلى جانب الرسوم تبدو صادرة عن روح حسّاسة، كما ينبغي أن تكون عليه روح الرسام، لكنها لا تساوم. "أي أرض عربية محتلّة من قبل إسرائيل لن يستردها ويحميها إلاّ مقاوميها وليس دبلوماسييها". "يجب أن تتوقف الدعاية الإسرائيلية والغربية، فهي لا تؤدي إلاّ إلى المزيد من العنف".
لا ينسى الفنان شهداء الصحافة، وخصوصاً صديقه عصام عبد الله. "عصام أحب الحياة والفرح ولا يمكنني أن أنسى ابتسامته الدائمة. كما لا يتوانَ عن وصف حالته النفسية حيال الفظائع التي كانت تنقلها وسائل الإعلام: "قد أنهكني الرعب الإسرائيلي. لا أستطيع الرسم بعد الآن، فكيف بالفلسطينيين الذين يُذبحون؟". الناحية المأسوية في الملاحظات تبدة بديهية: "إن المواد الوحيدة التي لا تزال متاحة في غزّة، وليس بكميات كبيرة، هي دماء، عدد قليل من البشر الأحياء". "غزّة لم تكن وليست تحت مظلّة القانون الدولي. غزّة تتعرّض لتطهير عرقي". "لقد سئمت البحث عن الإنسانية، أو ما تبقّى منها، في ظلام هذه الحرب وصمت الكثيرين". أمّا آخر العبارات الواردة في الكتاب فتقول: "أصح وأصدق كلام قيل حتى اليوم هو ما قالته هذه الأم لطفلها الجائع المقتول: يا حبيبي استناني بدي أجيك. هكذا ينتهي الكلام وينتفي الفعل ويتربع الصمت. العار علينا نحن البشر".
وينبغي القول، نهاية، أن جميع عائدات بيع الكتاب والأعمال الفنية ستُخصص لتقديم منح دراسية لعدد مختار من الطلاّب الفلسطينيين المقيمين في لبنان لمتابعة وتعميق دراستهم الأكاديمية في القانون الدولي والصحافة الإستقصائية بما يتيح لهم المقاومة السلمية ومحاسبة إسرائيل على جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها.




