"البنت الشلبيّة" الرحبانية: "استلهام" عراقي حلبي مصري

أسعد قطّانالأحد 2026/02/08
7f7fd606-501f-47da-94d5-7bf99b44b19c.jpg
عاصي ومنصور وفيروز
حجم الخط
مشاركة عبر
يعود تسجيل أغنية «البنت الشلبيّة» بصوت فيروز، وفق الصديق والباحث الموسيقيّ أكرم الريّس، إلى أواسط خمسينيات القرن الماضي. حين أعدّ الأخوان رحبانيّ هذا اللحن البديع للؤلؤة المحارة فيروز، اكتفيا بالقول إنّه حلبيّ الأصل. ويؤكّد هذه الفرضيّة أنّ صاحب الصوت الجلموديّ صباح فخري كان يعرّج على هذا اللحن في حفلاته الكثيرة، وذلك بصيغة تختلف عن الصيغة الفيروزيّة من حيث النصّ الشعريّ: «العزوبيّة/طالت عليّا/قومي اخطبيلي يا ماما/وحدة صبيّة». هذا يتعارض والنظريّة التي تزعم أنّ هذا اللحن ذو أصول هنديّة، إذ يبدو أنّ النسخة الهنديّة لم تبصر النور قبل أواخر الخمسينيات. وليس مستبعداً أن يكون أحد الهنود قد اقتبس اللحن عن صيغته الحلبيّة. 
 
ينسب أهل العراق «البنت الشلبيّة» إلى المقرئ والموسيقيّ الملّا عثمان الموصليّ (1854-1923)، كما ينسبون إليه ألحاناً أخرى مثل «زوروني كلّ سنة مرّة» و«طلعت يا محلا نورها» و«فوق إلنا خلّ» (فوق النخل). ويحسبون أنّ الثلاثة الأخيرة في الأصل مدائح تتغنّى بنبيّ الإسلام وآل البيت. وقد وُضعت لها، في ما بعد، كلمات ذات طابع عشقيّ غير دينيّ، وتمّ ترويجها على يد آخرين، ولا سيّما الشيخ العبقريّ سيّد درويش (1892-1923) بالنسبة إلى اللحنين الأوّلين. مشكلة هذه النظريّة أنّنا لا نمتلك تسجيلات بصوت الملّا عثمان ولا نصوصاً موسيقيّةً تحمل توقيعه. على الرغم من ذلك، ليس ثمّة أسباب كافية للتشكيك في هذه النظريّة ما دام معاصرو المقرئ العراقيّ اتّفقوا على نسبة الألحان إليه، ولا سيّما أنّ الشيخ سيّد، وفق ما هو معروف، لم ينسب إلى نفسه صراحةً لحني «زوروني» و«طلعت يا محلا نورها».
بيد أنّ المسألة مختلفة بالنسبة إلى «البنت الشلبيّة». فاللحن، كما نعرفه من التراث الحلبيّ الذي بنى عليه الرحبانيّان، لم يكن شائعاً في العراق. ثمّة أغنية بعنوان «بنت الشلبيّة» أدّتها المطربة المصريّة منيرة المهديّة (1885-1965)، وقد تمّ تسجيلها على أسطوانة «بيضافون» مطلع القرن العشرين: «بنت الشلبيّة/حلوة صبيّة/يحلالي وصالك/يا نور عينيّا». لكنّها، بصرف النظر عن التشابه في المطلع، تختلف اختلافاً تامّاً من حيث اللحن عن النسخة الحلبيّة-الرحبانيّة. فهي تتبع مقاماً آخر من مقامات الموسيقى الشرقيّة (الهزّام عوضاً عن النهوند)، وتفتقر إلى الغنج والرشاقة. هل اللحن الذي غنّته المهديّة هو الذي ألّفه الملّا عثمان الموصليّ؟ سؤال يبقى معلّقاً في انتظار مزيد من المعطيات. 
لا يُستبعد أن يكون الأخوان رحبانيّ استقيا مطلع «البنت الشلبيّة» من أسطوانة المهديّة، ولا سيّما أنّ عبارة «عيونها لوزيّة» ترد في الأسطوانة أيضاً كبديل عن «حلوة صبيّة»، ثمّ نسجا على النواة الحلبيّة كي يُخرجا النسخة الفيروزيّة. لكنّ الأهمّ في الموضوع أنّهما أضافا، على الأرجح، اللازمة الموسيقيّة الجميلة التي تفتتح الأغنية، فضلاً عن الكوبليه «بتطلّ بتلوح/والقلب مجروح/وأيّام عالبال/بتعنّ وتروح». فهذه المادّة الموسيقيّة الدسمة لا أثر لها في التراث الحلبيّ ولا المصريّ ولا العراقيّ. مثل هذه الزيادات ليست ظاهرةً غريبةً عن الرحبانيَّين. فهما كانا يبنيان على الفولكلور ولا ينسخانه، ويعيدان «قراءة» أنغام سبقتهما عبر التوليف والتوزيع والإضافة. ولعلّ أحد أجمل الأمثلة ما قاما به من استعادة للحن الوارثين، الذي وضعه سيّد درويش. الثابت أنّ «البنت الشلبيّة»، كما راجت في تركيا وأذربيجان وإيران، تستند إلى النسخة الفيروزيّة حصراً، وتتمثّل الإضافات التي قام بها الرحبانيّان على النواة الأصليّة. هذا كلّه يضاعف أرجحيّة أن يكون اللحن عربيّاً. فالأتراك والآذريّون والفرس اكتشفوه من طريق لبنان، لا من طريق الهند (رغم أنف كولومبوس).
لفظ «شلبيّ» معروف في مصر وبلاد الشام. وتعرف العامّيّة في سوريا ولبنان وفلسطين فعل «شلبن»، الذي يعني: جمّل وزيّن وحسّن. لكنّ الكلمة ليست عربيّة، إذ لم ترد في «اللسان» ولا في معجم «متن اللغة» لصاحبه العلّامة الشيخ أحمد رضا. يرصد أنيس فريحة وجودها في «معجم الألفاظ العاميّة»، لكنّه لا ينكبّ على إيضاح أصلها. تعرف العثمانيّة لفظ «تشيليبي» (celebi) بوصفه اسم عائلة يشير إلى رفعة المقام الاجتماعيّ، وتالياً إلى الحسن والجمال. 
 
بعضهم يعيد الصفة إلى «شلب»، وهي بلد غربيّ الأندلس، أي ما يعرف اليوم بالبرتغال. لكنّ هذا الأصل يبدو مستبعداً. والأرجح أنّ اللفظ جذر تركمانيّ قديم دخل العربيّة من طريق العثمانيّة، وهو اسم من أسماء الله، وبات يشير تالياً إلى الرفعة والحسن. 
 
لقد حوّل الأخوان رحبانيّ وفيروز «البنت الشلبيّة» من مقطوعة موسيقيّة شعبيّة هامشيّة إلى «أغنية» غزت البحر الأبيض المتوسّط وصولاً إلى أذربيجان وإيران (والهند؟). وهي تُعدّ اليوم من أكثر الألحان العربيّة شيوعاً في العالم، ونغم يطلّ ويلوح على ملايين البشر حتّى أقاصي المعمورة.
جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث