معرض دمشق للكتاب:ذاكرة مفرحة تنتعش..لكن الـ25 ألف ليرة موجعة

زيد قطريبالسبت 2026/02/07
Image-1770444930
ترى لماذا يغادر الزائرون غير محملين بـ"شوالاتٍ" من الكتب
حجم الخط
مشاركة عبر

عاد معرض دمشق الدولي للكتاب، بفرحه ومفارقاته وأيضاً عثراته. صحيح أن عشاق "خير جليس"، سيتزاحمون ويتدافعون في ساحة باب توما، من أجل حجز مكان في الباص، لأن الحافلات التي خصصت لنقلهم قليلة.. لكن عودة المعرض تستحق التضحية، لأنها تعني استعادة الذاكرة بالنسبة للكثيرين، كما أنها تشكل علامة تعاف وانتعاش طال انتظارها في البلد.


سيفاجأ القادم بالأعداد الهائلة من الزوّار، ويعتقد أن أمة "إقرأ"، عادت للقراءة فعلاً، وبالتأكيد سيشعر بالبهجة، وهو يرى الضيوف العرب وقد جاؤوا ليشاركوه هذه المناسبة العزيزة على قلبه. فآخر دورة من هذه الفعالية، كانت العام 2019، ثم خلع المعرض رداءه العربي والدولي، ليكتفي بالمحلي العام 2021، ثم يتوقف بعدها حتى اليوم.

Image-1770444664
في السابق كانت الكتب الدينية مستبعدة تقريباً، أما في هذا المعرض، فهي تحضر بنسبة 50%


سيغفر الزائر للمنظمين، عدم وجود "آرمة" على كل جناح، تحمل اسم دار النشر العارضة في هذا المكان، وعندما يتعثر بـ"الموكيت" الأحمر الممدود على الأرض كيفما اتفق. سيعذرهم ويقول إن الوقت لم يسعفهم في ترتيب الأرضيات، كما سيتقبل برحابة صدر، غياب دليل مطبوع للمعرض يتضمن أسماء الدور المشاركة وأماكن تواجدها، لهذا سيقضي وقتاً طويلاً، وهو يدور من دون أن يعثر على مبتغاه.


البحث عن دار "نينوى" و"ورد" أو "التكوين" أو "رياض الريس"، لن يكون سهلاً، فيقرر المشي بلا وجهة، ويختار الزائر أن يختبر الأسعار، فيدخل إحدى الدور العربية، ليسأل عن سعر كتاب صغير مختصص في قواعد اللغة العربية، ثم يمضي وهو يهز رأسه، لأن مبلغ 6 دولارات، بالنسبة للسوري الذي يتقاضى أقل من 100 دولار في الشهر، يعتبر باهظاً، إذا ما قرر شراء أكثر من كتاب.


الأمر نفسه يتكرر في باقي الأجنحة، لكن جناحاً واسعاً يحمل عنوان: "قسم الكتب المخفضة"، وضع إعلانات تقول: "أي كتاب بـ250 ليرة"، يشد انتباهه، ويعتقد أنها دار نشر خيرية خفضت الأسعار، مراعاة للوضع الاقتصادي السوري، فيهرع كي يحصد "شوالاً" من الكتب دفعة واحدة، ليُفاجأ بأن المقصود بـ250 ليرة، هو الليرة من العملة الجديدة، أي أنها تساوي 25000، فيتابع الطريق.


يتذكر فجأة جناح الهيئة العامة السورية للكتاب، بأسعار مطبوعاتها الرخيصة، فيقرر تكبد العناء والبحث عنها، وعندما يصل، لا يرى سوى بضعة كتب موزعة هنا وهناك، وبقية الرفوف فارغة، فيسأل الموظف: أين المطبوعات، هل نفدت كلها؟ يقول: "لا، هذا هو الموجود، نحن نشارك بكتب طبعت في العامين 2025 و2026 فقط". لكن أين الكتب قبل هذا التاريخ؟ يقول إنه لا يعلم، أو ربما يفتتحون لها معرضاً خاصاً في المستقبل. وماذا عن سعر هذا الكتاب؟ "سعره 25000 ليرة بعد التخفيض".


نسأل صاحب إحدى الدور العربية، عن انطباعه الأوّلي عن المعرض، وإذا ما كان متفائلاً بنسبة مبيعات جيدة، فيجيب: "القارئ السوري نهم ومثقف، ونحن نحلم بالوصول إليه ليقتني كتبنا.. الساعات الأولى تؤكد أن الأمور بخير، فالزحام كما ترى يملأ المكان". لكن هل يعرف الشقيق الكويتي، صاحب الدار، "البير وغطاه" فعلاً؟

Image-1770444567
سيشعر المرء بالفرح، وهو يستمع للأشقاء العرب ورهانهم على الثقافة والقارىء السوري

لكن صاحب دار "الفنون" المصرية، يرفع نسبة التفاؤل، عندما يسهب في الحديث عن ضرورة تقوية الثقافة العربية، وتوطيد علاقات المثقفين العرب وتفاعلهم.. لكنه لا يستطيع تقديم أي عرض مغر في الأسعار.


مدير دائرة المكتبات في وزارة الثقافة القطرية، جاسم أحمد البوعينين، يستفيض في الحديث عن أهمية الثقافة، والعلاقات الثقافية الوطيدة بين سوريا وقطر، ثم يقول إن الوزارة تطمح لإيصال المنهج الفكري القطري، وما أنجزته الوزارة على صعيد الذكاء الاصطناعي في الشعر، والشاشات التفاعلية للألعاب الشعبية، وتشجيع القراءة عند الأطفال، وغيرها مما يعد تجربة ثقافية متكاملة.


سيشعر المرء بالفرح، وهو يستمع للأشقاء العرب ورهانهم على الثقافة والقارىء السوري، ويقول في نفسه، إن معرضاً تمكن، بعد انقطاع لسنوات، من إشراك 35 دولة، و500 دار نشر قدمت 100 ألف عنوان، يعتبر إنجازاً رغم كل شيء. عدا عن أنه يضم في برنامجه أكثر من 650 فعالية ثقافية، تشمل ندوات وأمسيات وجلسات حوارية وفعاليات فنية وموسيقية، إلى جانب إطلاق سبع جوائز ثقافية، هي: الإبداع للناشر السوري، والإبداع الدولي، والإبداع في نشر كتاب الطفل للناشر السوري، وجائزة دور النشر الدولية، والإبداع للكاتب السوري، والإبداع للشباب، إضافة إلى اختيار "شخصية العام".


ولتلمّس انطباعات القراء زائري المعرض، نسأل شاباً اشترى مجموعة للشاعر سليم بركات من إحدى الدور، فيقول: "الدور العربية تضع أسعاراً لا تناسب الوضع الاقتصادي في سوريا، وهذه أهم ملاحظة. يضاف إليها غياب بعض الدور عن المعرض، وعدم مشاركة بعض الدور بجميع مطبوعاتها أيضاً". ولا ينسى أن يشير إلى ارتفاع نسبة حضور الكتب الدينية بشكل لافت، ويقول: "هذا ليس سلبياً، بل بالعكس، يجب على الجميع الحضور، وفي السابق كانت الكتب الدينية مستبعدة تقريباً، أما في هذا المعرض، فهي تحضر بنسبة 50 بالمئة من مجموع الدور والكتب".


زائر آخر، تحدث عن هامش الحرية الكبير المتاح في المعرض، وقال: "كل التيارات حاضرة بكتبها، وهذا يبعث الراحة لدى القراء، ثم يبدي سعادته لتوافر الكتب الدينية من كل الأنواع، ويقول إن هذا لم يكن متاحاً في السابق.


أما الصبية اليافعة التي حملت كيس كتبها الجديد بفرح، فتقول: "حصلت على كل الكتب التي لم تكن متوافرة في سوريا، وهذا أمر عظيم بالنسبة إلي". وما هي هذه الكتب؟ تجيب بأنها متنوعة بين الدين والفكر والتاريخ.


زوار آخرون، رأوا في حضور العديد من الكتّاب العرب للمعرض، الحدث الأهم. فهم حتى وإن لم يشتروا كتباً بسبب غلاء ثمنها، فإن الندوات والمحاضرات والحوارات مع الكتاب "غير مأجورة والحمد لله".

Image-1770444274
تحضر في المعرض مبادرات ومنظمات تطوعية، مثل "هذه حياتي" التي تعنى بالأطفال

من أبرز ضيوف المعرض الذين أُعلنت مشاركتهم: عبد الكريم بكار، وياسين علوش، وعبد الرحمن الحاج، وأمجد النور، وهو صانع أفلام سينمائية من السودان، إضافة إلى الكاتب الأردني أيمن العتوم، والكاتب الفلسطيني أدهم الشرقاوي، وياسين أقطاي من تركيا.


تحضر في المعرض مبادرات ومنظمات تطوعية، مثل "هذه حياتي" التي تعنى بالأطفال، وشبابية هدفها نشر الوعي عند الشباب، كما تحضر جمعيات دعوية، مثل "الهدى"، عدا عن أن وزارات الحكومة خُصصت بأجنحة عرضت فيها مشاريعها وإنجازاتها على الجمهور. وكان لافتاً، وجود جناح باسم "الجناح الكردي" تابع لوزارة الثقافة.


بالعودة إلى التاريخ، فإن الدورة الأولى لمعرض دمشق الدولي للكتاب، كانت العام 1985، وقد أقيمت في المكتبة الوطنية، لكن المعرض انتقل إلى مدينة المعارض العام 2008، ثم عاد إلى المكتبة، ثم توقف، كأنه تعب من كثرة التنقل والبحث عن مستقر.


نجرّ الخطى، ونتجه لمغادرة المعرض الذي يصعب إنجازه في يوم واحد. يبدو مفرحاً أن إحدى شركات البن توزع أكواب قهوة مجانية ساخنة على الزوار. نتناول واحداً ونخرج بصعوبة بسبب الزحام...ترى لماذا يغادر الزائرون غير محمّلين بـ"شوالاتٍ" من الكتب؟

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث