فيلم "الموجة الجديدة" (2025) من إخراج الأميركي ريتشارد لينكليتر، يقع في دائرة الميتا سينما بالمعنى الأكثر مباشرة للكلمة، وإن كانت هذه المباشرة لا تعني التقليل من قيمته. هو فيلم عن فيلم آخر، أو بالأحرى عن تصوير فيلم آخر وتحديداً "منقطع الأنفاس" (1960)، أول الأفلام الطويلة للمخرج الفرنسي - السويسري جان لوك غودار. عنوان فيلم "الموجة الجديدة" يشي بأنه ليس عن فيلم بعينه، بل عن الموجة الفرنسية التي كان "منقطع الأنفاس" أحد علاماتها الفارقة، بأسلوبه الارتجالي والتقطيع السريع للمشاهد وتقنية التصوير في الشوارع بكاميرا محمولة خفيفة.
يختار لينكليتر لفيلمه عنواناً بالفرنسية، ويجرى الحوار في معظم مشاهده باللغة نفسها، ومع هذا يصرح في حوار صحافي بأن الجمهور الفرنسي لن يشاهد فيمله بسبب جنسيته الأميركية، وبالفعل سجل شباك التذاكر في فرنسا حصيلة متواضعة للمبيعات. وإن كان الفيلم قبل أسبوع قد تصدر لائحة ترشيحات جائزة سيزار، المعادل الفرنسي لجائرة الأوسكار، وذلك بعد حصده عشرة ترشيحات، من بينها أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو وأفضل تصوير وأفضل مونتاج وأفضل صوت.
لينكليتر واحد من أكثر المخرجين الأميركيين فرنسية أو ميلاً للأسلوب الفرنسي، وفيلمه رسالة شغف سينمائية من مخرج أميركي للموجة الجديدة في فرنسا مطلع الستينيات، بإشارات أسلوبية وبصرية ذكية لأسلوب غودار. لكن ما يجدر ذكره أيضاً أن فيلم "منقطع الأنفاس" كان تحية سينمائية من غودار، لكن في الاتجاه المعاكس عبر المحيط تجاه ثقافة البوب الأميركية، بإشارات بصرية ونصية متكررة للنجم الهوليوودي، همفري بوغارت، وتلميح أسلوبي يحتفي بعدد من كبار المخرجين ممن عملوا في السينما الأميركية، هذا غير تضيمن إشارات إلى نصوص وليام فوكنر، وإسناد دور البطولة النسائية إلى الممثلة الأميركية، جين سيبرغ، لإضفاء مذاق أميركي على الفيلم.
ويعبّر "منقطع الأنفاس" عن هوس بأفلام العصابات الأميركية، ويحاكي حبكتها وبنيتها، مسدسات ونساء شقراوات فاتنات وسيارات كبيرة مسرعة، لكنه في الوقت نفسه يحطم قواعد الاستوديوهات الأميركية، وبالأخص في تركيزه على "مُضاد البطل"، خلافاً للسرديات الأخلاقية لهوليوود.
في أحد وجوهه، "الموجة الجديدة" هو فيلم تاريخي وفيلم حقبة. وبهذا المعنى، الفيلم المصور بالأبيض والأسود يسعى لنقل أجواء باريس الستينيات. كما أنه فيلم سينوفيليا عن الهوس بالسينما وعن مهووسي السينما من جيل التمرّد الفرنسي، هؤلاء الذين يظهرون في مشاهده وأسماؤهم الكاملة مكتوبة في الشاشة إلى جوارهم. البعض منهم ذائع الشهرة إلى اليوم، والبعض الآخر خفتت سيرتهم سريعاً.
لكن الفيلم يحشد كل تلك الشخصيات الحقيقية في خلفية مشاهده، وبعضهم يظهر ليقول كلمة واحدة أو لا يتكلم على الإطلاق، وكأنهم علامات أرشيفية تشهد على دقته التاريخية، أو بالعكس وكأن تلك المشاهد محاكاة لأسلوب غودار "غير الطبيعي" الذي استعاره من بريخت، ذلك الأسلوب الذي يكسر الإيهام واستغراق المشاهد في العمل، ليذكره كل حين وآخر بأنه عرض.
ينجح فيلم لينكليتر في تمثل أسلوب غودار في إيقاعه ونقل روح المرحلة الزمنية، بمشاهد مفعمة بالخفة والسرعة والانطلاق. ثمة ما هو بهيج وهوسيّ ومفعم بالسخرية ومثير للتأمل. هذا ما نراه في الشاشة أمامنا، لكن "الموجة الجديدة" ينقل لنا مستويين من السينما: ما يجرى وراء الكاميرا وما يجرى أمامها أثناء تصوير "منقطع الأنفاس"، ويدعونا للتفكير في ما يجرى وراء الشاشة. وهو، فيما يفعل ذلك، يصطنع تلك الارتجالية الغودارية باحترافية ودقة بارعة، ولا يكتفي بنسخ الديكورات وأزياء الحقبة الزمنية والبحث التاريخي التفصيلي، بل يضيف خربشات على الشريط الفيلمي لمحاكاة أفلام تلك المرحلة، ويلجأ إلى خدع بصرية لتجاوز التغيرات التي لحقت بالأماكن العامة لتبدو وكأنها على حالها لم تتغير.
المفارقة في "الموجة الجديدة" أنه فيلم ضد-غوداري بشكل كامل. أو يمكننا قول الشيء نفسه تقريباً بطريقة أخرى، أن جمالياته الفنية المدهشة تكمن في اقتناصها روح غودار بتقنيات هي النقيض لأسلوبه، أي إنه يفعل ما فعله فيلم "منقطع الأنفاس" لكن بشكل مقلوب، الاحتفاء بسينما ما، بأدوات سينما أخرى.




