من ضفائر الكرديّات إلى معسكرات الأبد

علي جازوالجمعة 2026/02/06
Image-1770276133
ضفائر الكرديات
حجم الخط
مشاركة عبر

نضفرُ الكلماتِ، إذا ما بقيت لنا قوة على التضافر ورغبة في الجمع لغةً وحياةً، وقدرة على التذكّر وتدبّر السياسة متاهةً وعراكاً، نضفرُها من النوائب والملمّات، إذ ليس لنا سواها مذ غدت بلادُنا بلاد حكام - غزاة ومحررين هم نسخة ركيكة عن الغزاة.


نضفرُ الكلمات مما نرى وممّا نتخيل، مما لم نعد نقوى على رؤيته ولا تحمّله، فنوكل الأمر للأحلام التي يتساوى الجميع في تلقينها دروس العقل قامع الأهواء وساجن الرغبات. 


ضفيرتُنا هذه حقيقية ورمزية، متينة واهية، إذ لطالما ضُربت بنا الأمثالُ والنقائض، واشتقت من لحم تاريخنا الرموز ثأراً وفخراً بانا كما لو كانا هجاءً وقبراً، إذ الأمثال أصلح من الأحوال الوحْلِ، بها ترفع النقائض عن النفايات. 


لكننا ربما نهرب مما هو فعلي منفي وماثل أمام العين وتحت القدمين، نراه كما تُرى الشمس من غربال الماء، نهرب إلى ما هو خيالي وراغب في إحلال الحلم المثالي الطوباوي محل الواقع الضحل، الواقع الوحل، وتشييد الرمز مكان الحقيقة المؤلمة والمؤسفة، هذا إذا كان للأحلام محل ترقد فيه جنب عظام الموتى، جنب المقتولين في "زمن القتلة" الحر الممدوح المديد. 


نتعلم من أحبائنا الموتى، من الشهداء الأرقام والشهداء التحف والشهداء الضغائن والشهداء الأغاني والشهداء الغدر، والشهداء البراءة والسذاجة ما لم ننتبه إلى أن نتعلمه من ريشة طائر! أو نصف طائر، ديكٍ مثلاً، ديكَين، أحدهما يُدعى رَشْ (أسود بالكردية) والثاني يدعى بَلَكْ (ملون منقط أو أبلق بالكردية). ديكان بديلان عن الإثم الأصل عن الاستباحة الجذر، ديكان هما القربان الموعود في حلبة الصراع الهائج.

 

أحلام وحشود

تأتي الأحلام وتطير من الضيق مثلما يأتي التصفيق من الحشود، حشود الطاعة الواجبة الخرساء. لكن أحلام الحشود المصفقة ما هي إلا كوابيس زاحفة زحف الطغاة إلى مصائر الحبر كلماتٍ تمجد القتل على الهوية على الاسم على الضفيرة. 
سواء كانت حشوداً عربية سورية أم كردية، كل حشد مخيف، كل حشد عمىً قائدٌ. 
نضفر الكلمات من الخوف والأمل مريضين، نضفرها من سموم المآسي ونبثها نفخاً داخل الأرحام الأرواح، في كنف الكوابيس الوطنية، حتى لا يبقى من دلالة على الضفيرة سوى المقص ومن الحقيقة سوى الصورة تتداول في بورصات العرض وحمّى الهذيان.


الرمز الخفيف والحقيقة الثقيلة

السلاح زينة الرجال والضفيرة زينة النساء، والخراب الرجالي النسائي أسمى الزينتين.
الضفيرة بلا سلاح أجمل من الضفيرة بسلاح. كل سلاح قبيح، حتى العدل إذا تسلح حمل في داخله ما يحمله السلاح من قوة إخافة وترهيب، إخضاع وإذلال، من لمعان وجه المنتصر لمعان الدهن على وجه الضحية المغمورة بدمع الخزي.

حلم الكردي أثقل وأعلى من جبل، أخف وأبسط من صندوق بويَجي. الحلم المقابل حلم الكردي أيضاً ثقيل، ولئن نزل على جبل لتهدَّم الجبل بكل ما فيه. جبلان متهدّمان يتصارعان على حلم - صندوق، ريش منتوف.

تحمل الأغنية جبال الأكراد وجبال أعدائهم وتجوب بها الأقاصي. يصل الصوت الى منتهاه، ولا يبقى من الغناء سوى الصدى الخاشع المرتجف. الصدى العقاب، صدى البرد والوحدة، صدى العراء السيد الحاكم!

الحقيقة بالنسبة للكردي ليست سوى المنع والصد. أنت مريض بالأحلام شقيقي الكردي يا ابن بلدي وأخي في سوريا أمة المهانة والذل. هذا الغل وهذه القيود ستشفيك. قيود الحقيقة الثقيلة هي دواؤك، هي البراء والبراءة. ستشفى إذا ما راعيت القيود والموانع. نحن لا نقيدك ونربطك الى أوتاد الحقيقة العمودية، وركائز الحياة الدنيا إلا لنحفظ حقك في الحياة العليا الحرة الكريمة، حياة الآخرة. لا تيأس، لازمِ القيدَ ملازمة أمّ لرضيع. أنتم الأكراد شجعان أبطال مخلصون. ونحن لا نطلب منكم سوى ما يشبهكم: الإخلاص للحقيقة والوفاء بالعهد وعدم الإخلال بالمواثيق المبرمة المفتولة المضفورة بيننا. 


أليست جميلة هذه الوعود الضفائر بلا سلاح ولا كفاح ولا حقوق.

أنتم أهلنا، كرامتكم من كرامتنا. لكن لا تنسوا وتذكروا أننا قصصنا الشواربَ قصاصاً عدلاً، وقصّ الضفائر أسهلُ بما لا يقاس من قص الشوارب.

 

قبل الضفائر وبعدها

النساء كالرجال في معارك التحرير وتقرير المصير. أما الطريق إلى ذلك فنختاره نحن الحزب الواحد الأحد. لقد أنشأنا قرى مثالية للنساء الهاربات من أزواجهن أو أشقائهن المتخلفين المعنفين. نحن هنا لحماية المرأة وتثقيفها وتسليحها ومنع تعدد الزوجات بالقوة والقسر. سبق أن قضينا على تعدد الأحزاب والأفكار ومختلف الاتجاهات والوسائل الرجعية، وسنقضي في المستقبل معكن وبنضالكنّ الشجاع على تعدد الأزواج. لا بل ربما نَقضي على الزواج نفسه. نحن بانتظار رسائل مهمة جداً وحالما تصل سنعرف مضمونها الديمقراطي المتقدم ونقرأها لكنَّ ولكمْ، ثم تحفظونها مثلما تحفظ الكتب المقدسة، وتعيدون قراءتها عن ظهر قلب على الملأ أي في الراديو والتلفزيون، وهكذا تتضافر جهودنا ونكون ضفيرة عملاقة طويلة متينة، متحركة بألف اسم واسم حركي، ونخنق بها أعداء الأمة الديمقراطية أينما كانوا وأينما كنَّ!


معسكرات الأبد 
يتصارع الديكان "رش" و"بلك" طيلة فصول رواية سليم بركات "معسكرات الأبد". ثمة كائن غريب/ حقائب وخرائط جديدة وضيوف. يعود الديكان إلى التنازع والعراك العنيفين. بنات ملا موسى موزان تحت رحمة وظلال الغيوم ينقين العدس من البحص والشوفان. الضيوف والكائن الغريب ينهون المهام. لقد استأجروا غرفة من منزل بنات موسى اللاتي لا يعرفن ماذا يعقب رسم الخرائط وما هي الاوراق داخل اللفافات والحقائب. بنات عزلة يتجادلن مع أشباح موتاهنّ. لا يقرأن، لسن بحاجة إلى القراءة. على مقربة من هضبة الهلالية في القامشلي وعلى الحدود الكردية السورية والكردية التركية أسلاك شائكة وألغام، وخط القطار، وفي عامودا ثورة وطنية! لقد أنهى الفرنسيون ثورة عامودا (1936 ـ1937) وقصفوها بالطائرات والمدفعية والحدود رُسمت والأقلام رفعت والصحف جفت. البنات هدلة وأخواتها، بنات موسى موزان لا يعرفن شيئاً عن الحدود. حسبهنّ الغيوم الملقية ظلالها على ساحة الدار والشجيرات والديكان المتقاتلان رش وبلك وكلب وثلاث إوزّات، ما أن يهدأ الديكان من صراع حتى يبدآن جولة جديدة أعنف وأشد، و"كأن وجودهما في ارتطام أعمى منذور للعراك وحده". ديكان يرسمان القدر ويتدحرجان معاً إلى أن يختفيا متعبين لاهثين خلف الشجيرات.

 

ليس للكردي، خارج الأحزاب الكراتين الأحزاب الدكاكين، والأعداء الخاسرين الأعداء الطواحين، ذنب سوى أنه كردي، "مخلوق ناري غريب لا يهدأ إلا بالماء"، لا يريد أن يبقى أسير الريح، ولا ملاذ من المتاهة التراب المتاهة الأرض سوى الغور في تيه أبعد وأشد، تيه هو الحق بعدما غدا الحق بلا صاحب وبلا ميزان، بلا مرشد ولا دليل، وليس من حبل نجاة، حبل شنق، سوى تلك الضفيرة الصغيرة ـ الصورة، رسالة الحياة أو ما تبقى منها إلى آباء الانتحار الذاتي وأرباب الإعدام الوطني. 
مباركٌ عرس الدم المشترك المندمج، في حلبات الديكة متأهبة المناقير مفتوحة، منفوخة الصدر بثمنٍ بخسٍ للفرجة والنهش!

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث