ليس "حيّ اللَّجَا" مجرد حيّ شعبي في قلب العاصمة بيروت، بل مساحة كثيفة بالذاكرة والتاريخ والانتماء. في المصيطبة كمنطقة، واللَّجَا كهوية، تتقاطع الحكايات الشخصية مع التحوّلات الاجتماعية والسياسية، لتشكّل سردية مكان عاش النزوح، والتنوع، والصمود، وبقي اسماً على مسمّاه. في هذا النص، قراءة وجدانية–تاريخية في حيٍّ صنعه أهلُه كما صنعهم.
طبعاً، "حي اللَّجَا" بالنسبة إلى قاطنيه يختلف عنه بالنسبة للمتأمّل فيه من الخارج.
فقاطنو الأمكنةِ عادة ما يألفونها صوراً وأبنية، وجداناً وذكريات. لذا لا يستغربنّ أحدٌ الدفاع المستميت عن سمعة الحي من قبل سكّانه، وهم صادقون في ذلك، لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الآخرون، أولًا لقربهم من المكان، وثانياً لانتمائهم إليه.
طاقة خفية
يصعب الحديث عن "حي اللَّجَا" من دون التطرّق إلى منطقة المصيطبة. أمّا أنا، فمولود بين ظهرانيها وما زلت عاجزاً عن معرفة كيف حصّلت تلك المنطقة جاذبيتها الطاغية على أبنائها. فهل ترانا نحن من يتحمّل مسؤولية خداع أنفسنا، أم ثمّة طاقة خفية تمارس على أبناء الحي سحرها وتأثيرها؟
إن مصطلح "إبداعية المكان" أكثر ما ينطبق على المصيطبة وأحيائها. هي تقع في قلب العاصمة بيروت، وقد تحوّلت مع الزمن لتصبح المنطقة ــ المدينة، كما وتصغر أحياناً لتصبح المنطقة ــ القرية، حيث الجميع يعرف الجميع أباً عن جدّ. التاريخ له مكان دافئ في أزقّتها.
في القِدم استخدم المماليك المصيطبة مخبأً ومصيفاً نظراً لارتفاعها النسبي، حيث يلعب فيها الهواء لعباً، كما يحلو أن يردّد أبناؤها. ويُقال أيضًا إن المنطقة (سليم سلام حالياً) اقتُرحت لتكون المكان الأنسب لبناء صرح الجامعة الأميركية في بيروت، بيد أن الاختيار قد استُقرّ على موقعها الحالي لقربه من البحر، وهذا اختيار استراتيجي. أمّا في التاريخ المعاصر للمصيطبة، فيلعب الحي اللَّجَا" في سمعتها دوراً حاسماً، كونه الحي الأشهر في العاصمة.
اشتهرت المصيطبة باعتبارها مسكناً لعدد من الزعماء السياسيين التاريخيين، كصائب سلام وكمال جنبلاط ثم وليد جنبلاط، قبل أن يغادرها إلى سكنه الحالي في منطقة كليمنصو. كذلك سكنها عدد من النواب والصحافيين البارزين، كالراحل فريد أبو شهلا، صاحب مجلة "الجمهور" الشهيرة التي توقّفت عن الصدور بعد وفاته. وعلى مدخل أحد قصورها تجد عبارة: "هنا سكن شارل ديغول". وأثناء الاجتياح الإسرائيلي لجأ إليها ياسر عرفات برفقة الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
لطالما لعبت تلك المنطقة دوراً سياسياً بارزاً، وتفاعلت مع غالبية الأحداث التي تشكّل جزءاً من تاريخ لبنان السياسي، بدءاً من الاستقلال، مرورًا بثورة 1958 والحرب اللبنانية، وصولاً إلى الحروب المختلفة وحتى وقتنا الراهن.
ربما لا يعرف أبناء هذه المنطقة جلّ هذه الوقائع أو بعضها. ومع ذلك، يبرز فيهم الاعتداد بالنفس والتشاوُف، لإحساسهم بالانتماء إلى هذا المكان التاريخي الوجداني. يمكن وصف الحي بأنه حيّ مَلِك بين الأحياء داخل المصيطبة. كان هناك الحي الذي يُعرف سابقًا بـ"كرم جنحو"، المملوك لعائلات سريانية، ليصبح مع الزمن حيّ البستان الشهير، في إشارة إلى أنّه كان مزروعاً بأشجار مثمرة ونباتات متنوّعة. فيه البيوت الأرضية الكبيرة التي كانت تسكنها أكثر من عائلة. هناك أيضًا أحياء أو شوارع مثل "الدبش" و"الكورة".
حي اللجوء واللاجئين
نتيجة الأحداث السياسية والأمنية التي رافقت لبنان منذ تأسيسه، بدأت هجرة الجنوبيين إلى بيروت. إما بدافع طلب الأمن والأمان هرباً من الاعتداءات الإسرائيلية منذ العام 1948، أو بدافع طلب الرزق بعد إغلاق الحدود مع فلسطين. هكذا وصلت أعدادٌ من هؤلاء إلى منطقة المصيطبة التي التجأوا إليها، إمّا عند أقارب لهم أو عند أرباب عملهم. ومن لم يجد مسكناً، استأجر غرفة في مجموعة منازل متلاصقة عُرفت بـ"الحوش"، حيث المنتفعات مشتركة للجميع. ومنهم من بدأ العمل بائعًا متجولاً، أو حمّالاً في المرفأ، أو في متاجر متنوّعة الاختصاصات.
مع الوقت، اشتهرت قرى جنوبية بتجارة أو صنعة تختصّ بها، ليستمر النزوح إلى المصيطبة، تحديدًا إلى حي "كرم جنحو" (البستان راهناً).
الأحياء الأخرى، كشارع "الضناوي" و"شارع علي بن أبي طالب"، أو "شارع الميقاتي" و"شارع أبو بكر الصدّيق"... كلّ هذه الشوارع استقبلت النزوح الجنوبي في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، فشكّلت البعد الجغرافي لـ"حي اللَّجَا"، الذي سُمّي بداية "حي اللجوء" أو "اللاجئين"، ليستقرّ لاحقاً على مسمّى "حي اللَّجَا" لسهولة النطق.
وقد نزح الآباءُ والأجدادُ كمناصرين للعائلات التقليدية، ثم ما لبث أن انخرط الأبناء والأحفاد في منظومة الأحزاب اليسارية والقومية، قبل بروز الإمام موسى الصدر كملهم لهؤلاء، عندما أيّده الكثير منهم، كونه عبّر عن معاناتهم تجاه عمليات المقاومة الفلسطينية المنطلقة من أراضيهم، التي تلتها اعتداءات إسرائيلية على قراهم. واكب الأبناء العمل السياسي لموسى الصدر، فيما بقي الكثير من الآباء والأجداد على ولائهم للعائلات التقليدية، مثل آل الأسعد.
خصائص مستعصية
الحي كبعد اجتماعي هو حي شعبي، والأحياء الشعبية غالباً ما تكون شوارع مغلقة.
يلعب المكان تأثيره المباشر في سمعة هذه الأحياء، كأماكن يقطنها الأكثر حرماناً وتهميشاً، أو التي تقع في دائرة "الاستبعاد الاجتماعي" فمن شأن هذا الحرمان والتفاوت الطبقي أن يؤدي إلى عواقب وخيمة اجتماعية، تربوية وغيرها. أما الدراسات المتخصّصة فتؤكّد أن الأحياء الشعبية لها خصائص فطرية أو جوهرية تستعصي على التغيير، أهمها: موقع الحي، السكن، النقل، المقوّمات الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية.
كلّ هذه المعطيات تخلق هوية الحي، حيث يستغلُّ البعض هذا الواقع في الأنشطة الإجرامية الضارّة، أو النزاعات، أو الضوضاء، أو البطالة والعزلة. ربما يكون حي اللَّجَا مغلقاً جزئياً، إلا أنّ وجوده في المصيطبة، حيث التنوّع الطائفي والمناطقي والثقافي، أعطاه بعض المناعة والتوازن. كما أن وجود عدد كبير من المدارس الرسمية والخاصة ساهم في جعله حياً مفتوحاً نسبياً، مع علاقة وجدانية خاصة مع قاطنيه.
ويمكن القول، وبكل تجرد، إن "حي اللَّجَا" لا ينطبق عليه مصطلح "قاع المدينة"، وإن وُجدت فيه بعض الظواهر المخالفة للقانون، فإن التنوّع الاجتماعي والمحيط المحميّ من العوامل الخارجية ساعد على الانفتاح.
بُتر التراث وازدادت المذهبية
وجود دور العبادة كالكنائس والجوامع، أثر أيضًا في التعايش، حيث الزيجات المختلطة ظاهرة ملموسة. ومشكلة عدم التفاعل مع الآخر كانت محدودة قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من أحداث، والتي أدّت إلى انقسامات عمودية، لكنها بقيت أقلّ من باقي الأحياء. حتى إن "القضية الشيعية" ببعدها السياسي والطائفي، لم تُمارس إلا ضمن السياسة الرسمية، حيث ركّز الاهتمام على مواجهة سعي "حزب الله" لمد نفوذه عبر إمكاناته المادية. وقد بدأت الكفّة تميل باتجاهه، وزاد منسوب المذهبية أكثر من ذي قبل في هذه المنطقة المتنوّعة.
وبالمعنى الاجتماعي للنزوح، فقد نزح أبناء الحي مرتين: مرّة من سكنهم الأصلي قبل الحرب، ومرّة ثانية كان نزوحاً داخل المنطقة نفسها إلى الأحياء الصغيرة. قبل الحرب، كان المصيطبة تحتوي على قصور جميلة تراثية، معظمها لعائلات سنّية، مثل آل سلام، أو مسيحية أرثوذكسية مثل آل الرئيس أو ناصيف أو مجدلاني أو البتلوني. هذا أدى إلى نزوح طبقي داخل الأحياء، ولم يُحافظ على القصور القديمة، فبُتر الطابع التراثي عنها.
منذ ذلك الوقت، تركّز الاستقطاب في الشارع ليشكّل ملاذاً آمناً لكل النازحين إليه.
فبدا الحي اسماً على مسمّى "حي اللَّجَا"، وبذلك بدأ اسمُ هذا المكان الغريب والمستفز يلمع، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.

