شارل مالك vs إدوارد سعيد(2/2)

محمد حجيريالخميس 2026/02/05
Image-1770280316
بشير الجميل مع شارل مالك
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد الحلقة الأولى من مقالة "شارل مالك vs إدوارد سعيد" هنا الحلقة الثانية والأخيرة.

 

حتى بلوغهما الأربعين تقريبًا، لم يُبدِ شارل مالك أو إدوارد سعيد اهتمامًا كبيرًا بالسياسة، ولم يسعيا إلى أي شكلٍ من أشكال السلطة سوى سلطة الكلمات والأفكار. كانا مُكرَّسين للقراءة والكتابة، والفلسفة والأدب، وحياة العقل والروح. لم يتخيَّل أيٌّ منهما أنه سيصبح أكثر من أستاذٍ جامعي، أو أنه سيشارك يومًا في فعالية في شؤون الأمم. كان انخراطهما في السياسة والدبلوماسية محض صدفة، نتيجةً للظروف وشعورٍ قويٍّ بالواجب. دخل الرجلان عالم السياسة بوعيٍ تام، مُدركين تمامًا أنهما سيفقدان شيئًا - ربما الكثير - من استقلاليتهما المُعتزَّة. 


كافح كلاهما في دورهما كمستشارين سريين ومدافعين علنيين عن أصحاب السلطة الذين لم يكن في وسعهم إلا التشكيك في أفعالهما ومبادئهما كرجُلَي ضمير. طُلِبَ منهما أن يفعلا ويقولا أشياء لا يفخران بها من أجل القضية. ومع ذلك... "حكم التاريخ على سعيد بلطف أكثر من مالك"، ربما لأنه كان ناقدًا وليس خادمًا للقوة الاستعمارية للولايات المتحدة. لم يكتفِ سعيد بالكتابة والتحدث عن فلسطين، بل اضطلع بدور فاعل في رابطة خريجي الجامعات العربية الأميركية الجديدة، والتي التقى من خلالها بعلماء عرب بارزين مثل هشام شرابي وصادق جلال العظم - وكلاهما درس الفلسفة على يد شارل مالك في الجامعة الأميركية في بيروت - بالإضافة إلى راديكاليين مستقلين مثل نعوم تشومسكي وإقبال أحمد. وبدأ إدوارد سعيد دراسته المكثفة للغة العربية، والتقى شخصيات مختلفة في حركة المقاومة الفلسطينية - أبرزها صديقه القديم حنا ميخائيل، الذي أصبح مسؤولًا رفيع المستوى في منظمة فتح بزعامة الرئيس ياسر عرفات.

Image-1770280678

الفلسطيني وعدو الفلسطينيين

بدأت صحوة  سعيد السياسية في أواخر الستينيات، بدءًا من الانتصار الإسرائيلي المُهين على الجيوش العربية في حزيران 1967. في كانون الأول من العام نفسه، زار آل مالك في منزلهم ببيروت. وكما ذكر سعيد في كتابه "خارج المكان"، لم يكن متأكدًا تمامًا من مهمته، باستثناء طلبٍ غامضٍ من شارل أن يخرج، إن صح التعبير، ويساعد في إخراج العرب من هزيمتهم الساحقة. لكن ما لم يكن مستعدًا له هو إجابة شارل السلبية غير المعهودة: أن هذا ليس وقته، وأنه لم يعد يشعر بأن لديه دورًا ليلعبه، وأن وضعًا جديدًا يجب أن يطرأ ليعود إلى الساحة السياسية. "لقد صُدمتُ" بهذا..  لن تكون العلاقة بين شارل مالك وإدوارد سعيد كما كانت أبدًا. فنكسة 1967 هي التي حوّلت إدوارد إلى فلسطيني، وعواقبها هي التي حوّلت العم شارل إلى عدو للفلسطينيين. 

 

لكن تيموثي برينان يقول إنه في صيف 1958، اندلعتْ حرب أهلية صغيرة في لبنان، بين أنصار كميل شمعون، الرئيس الماروني غربي الهوى آنذاك والذي كان يرغب في تجديد ولايته (على نحو مناف للدستور)، وبين عناصر الأحزاب العروبية أو مناصريها، المسلمين في غالبيتهم. ويقول سعيد: "كان ذلك هو الصيف الوحيد منذ العام 1943 الذي لم نقصد فيه ضهور الشوير كالمعتاد. فالهضاب المشـرفة على البلدة تعجّ بالجنود الأميركيين، الذين أرسلهم جون فوستر دالس لتعزيز القوى الموالية للغرب من أنصار شمعون، على اعتبار أن خصومهم بحسب الخطاب التهييجي السائد آنذاك، هم عملاء موسكو من الماركسيين اللينينيين". يضيف سعيد: "عند هذا التقاطع القلق، والمزعج معظم الأحيان، من التيارات، سرعان ما اكتسبت أمّي موقع الناصرية المؤمنة الصادقة، على العكس تماماً من أبناء خؤولتها وأصدقائها من المنضوين في تنظيمات اليمين المتطرف والذي لا يقلّون عنها جموداً عقائدياً، كانت تقول دائماً: الذي يحسب لهم حساب هم البواب والسائق والعامل الذين غيرت إصلاحات عبد الناصر حياتهم ومنحتهم العزة والكرامة". 

 

يضيف سعيد: "لا شك أن السير عكس تربيتها تطلب مقداراً لا بأس به من الشجاعة. فبعد العام 1958، صارت الضهور تبدو لنا أكثر جفاء، وصار أصدقاؤنا أقلّ وثوقاً، والشروخ أوسع، وغربتنا أوضح. وبحلول العام 1962، جزئياً بسبب تعافي أبي البطيء، استأجر أهلي وشقيقاتي شقة في بيروت، تاركين القاهرة تتوارى مع الاضمحلال البطيء لعالم طفولتنا". ويسترسل قائلاً بأن شخصية شارل مالك الجذابة والكاريزمية ظهرت خلال تلك الفترة: "لم يكن السفير اللبناني السابق في الولايات المتحدة فحسب، ولا مجرد زوج ابنة خال أمي إيفا، وانما وزير الخارجية في عهد شمعون، وهو منصب جعله مسؤولاً مباشرة عن مناشدة دالس ارسال قوات أميركية الى لبنان"، و"مع حلول السبعينيات كان قد تحول إلى رمز وناطق فكري باسم كلّ ما هو متغرض وسجالي ومتنافر مع الشرق الأوسط العربي ذي الأكثرية الإسلامية. بدأ حياته العامة في أواخر الاربعينيات ناطقاً باسم العرب بصدد قضية فلسطين في الأمم المتحدة، وختمها مهندس السياسة المعادية للفلسطينيين في التحالف المسيحي مع اسرائيل خلال الحرب الأهلية اللبنانية". 

سة.jpg
حرب 1958

"التحوّل القبيح"

في الحوار الذي أجراه معه الناقد الاميركي فيليب لوبات، يقول سعيد: "كان مالك قدوتي أثناء نشأتي؛ شخص درس على يد هايدغر. بالطبع، لم أكن أعرف الكثير عن ماضي هايدغر، لذلك ربما لم يكن علي أن أفاجأ، لكنه مثّل التفتيش وراء معرفة الحقيقة. كان لديه حضور لا يصدق. كان فيلسوفًا سقراطيًا، تأمليًا، فذًا وساخرًا إلى حد ما. لكن مع مرور الوقت، في أواخر السبعينيات، كلما عرفت عن مالك أكثر كلما أصبحت الأمور أكثر بؤسًا. بعدما كان سفيرًا لبنانيًا في الولايات المتحدة، بات يرى أن الشيوعيين يجب أن يُقتلوا، والمسلمين هم هذا، أو ذاك، أو أي شيء آخر... لقد كان تحولاً قبيحًا لم أقدر على استيعابه أبدًا".


وبرغم القرابة والنسب بين سعيد ومالك، لكن السياسة انعكست على علاقتهما، خصوصاً عندما توفي والد سعيد ولم يذهب مالك الى الجنازة، متذرعًا بأنه "يتناول غداءً مهمًا للغاية مع المبعوث البابوي"، وبإزاء هذا قال سعيد "أنا لم أسامحه أبدًا على ذلك. كان والدي من أوائل من قدموا له الرعاية. أشعر أنه قام بشيء لم يكن يجب عليه القيام به. بعبارة أخرى، أعتقد أنه تحول من كونه مستشارًا روحيًا لكونه مستشارًا سياسيًا. وبالنسبة لنا، كفلسطينيين، كان من الصعب جدًا تقبُّل ذلك بسبب المجازر".


والحرب أو الحروب المتداخلة والكثيرة في الشرق الأوسط، أفضت إلى تصدّع في مواقف مالك واللجوء الى الهويات الضيقة والشوفينية المسيحية، وهذا ما يبينه سعيد في مذكراته التي نشرها بعنوان "خارج المكان"(ترجمة فواز طرابلسي-دار الآداب). 

من وجهة نظر سعيد، لم تكن المشكلة في أن مالك كان مسيحيًا متدينًا. بل كانت في أنه سمح لتديّنه بالتعدي على سياسته، محوّلًا الحفاظ على لبنان المسيحي إلى قضية مقدسة، وأميركا إلى أداة الله المختارة لإنقاذ العالم. كانت قوة قناعة مالك الدينية هي التي مكّنته من التمسك بإيمانه بأميركا في مواجهة خيبة الأمل المستمرة. والحقيقة هي أن أميركا قد خذلتْ مالك مرارًا وتكرارًا بامتناعها عن استخدام قوتها في الشرق الأوسط. 


يروي م.د.والهوت المرحلة الأخيرة من حياة شارل كعضو في الجبهة اللبنانية عقب اندلاع الحرب الأهلية العام 1975. يوثق الفصل جهود مالك الدؤوبة لإقناع إدارات فورد وكارتر وريغان بمساعدة مسيحيي لبنان، المهددين أولاً من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها الدروز، ثم من قبل الجيش السوري المحتل. بصفته زائرًا متكررًا لواشنطن في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حضر مالك إفطارات صلاة مع الرؤساء، والتقى بمسؤولي وزارة الخارجية والمشرعين، وتعاون مع اللوبي اللبناني الأميركي. كما وثق دور مالك في تشكيل التحالف بين الجبهة اللبنانية وإسرائيل، وهو تحالف بلغ ذروته في الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982، وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وانتخاب بشير الجميل - تلميذ مالك الشاب - رئيسًا للبنان.  


مرشد بشير الجميل

بعد كل شيء، أصبح شارل مرشد بشير الجميل الموثوق. في كانون الأول، زار بشير الجميل السفير باركر في مقر إقامته في اليرزة، جنوب شرقي وسط بيروت. كما يتذكر باركر: كان في لبنان، في هذه الأثناء، كان بشير الجميل يُعيد توحيد المسيحية بقوة السلاح. في 7 تموز/ يوليو 1980 - "يوم السكاكين الطويلة" – أرسل بشير قواته اللبنانية لسحق ميليشيا النمر التابعة لمنافسه الأخير في المعسكر الماروني، داني شمعون. في الشهر التالي، كتب شارل رسالة مفتوحة إلى الموارنة. وبدلاً من الخوض في الحروب الأخوية بين آل الجميل وآل شمعون وآل فرنجية، اختار تذكير الموارنة بما أُعطي لهم، بدءًا من جبل لبنان نفسه، "من بين أقوى الحصون في الشـرق الأدنى". بالإضافة إلى ذلك، مُنح الموارنة تراثًا آراميًا-سريانيًا، بما في ذلك اللغة الآرامية - لغة الطقوس المارونية، لغة يسوع نفسه، ومُنح الموارنة "حيوية كبيرة" في جميع مجالات الحياة. في مجال الشعر، تجسدت هذه الحيوية في أبيات سعيد عقل التي لا تُضاهى. وفي مجال السياسة، تجسدت في طول عمر حزب الكتائب، الذي أشار شارل إلى أنه "يبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا اليوم".


في 13 أيلول 1980، تحدث شارل في حفلة افتتاح مركز بيلي غراهام في كلية ويتون في ضواحي شيكاغو: "ما الذي يمكن أن يكون أروع من أن يسعى مركزٌ يحمل اسم أعظم مبشّر في عصرنا إلى تحقيق المعجزة المزدوجة المتمثلة في تبشير الجامعات العظيمة وتثقيف الحركة الإنجيلية العظيمة؟". ثم سارع عائدًا إلى لبنان لعقد اجتماع مهم مع بشير الجميل ومستشاريه في سيدة البير.

Edward-Said-Mural-Salman-Rushdie1.jpg

قبل عيد الميلاد مباشرة، حضر شارل اجتماعًا للجبهة اللبنانية في دير عوكر. وفي ختام الاجتماع، أيّد كبار قادة الجبهة، بمن فيهم كميل شمعون وبيار الجميل، وثيقة صاغها مالك بعنوان "لبنان الذي نريد أن نبنيه". وفيها دعوا إلى إعادة النظر في الميثاق الوطني للعام 1943، وهو ما قد يؤدي إلى "نوع من اللامركزية أو الفيدرالية أو الكونفدرالية" المصممة لمنع الصراع الطائفي في المستقبل. كما دعوا إلى "التحرر الكامل من الاحتلالين"، أي السوري والفلسطيني. ولمنع الفلسطينيين من الاستقرار في لبنان، اقترحت الجبهة إلغاء "جميع عمليات بيع أو نقل العقارات التي حدثت هنا وهناك بهدف تمكين الفلسطينيين ... من امتلاك الممتلكات اللبنانية". وكان القسم قبل الأخير من الوثيقة موجهًا إلى الديموقراطيات الغربية. وأصر القادة على أنهم "مقتنعون بأن جزءًا من المسؤولية عن الخراب الذي أصاب لبنان يقع على عاتقكم". 

 

في كانون الثاني 1981، حضر شارل حفلة تنصيب رونالد ريغان رئيسًا للولايات المتحدة. وقبل مغادرته بيروت، زار بشير الجميل، الذي أذن له بإجراء أكبر عدد ممكن من الاتصالات مع الإدارة الجديدة. عندما وصل إلى واشنطن، علم أن ريتشارد ألين، مستشار الأمن القومي الجديد، مستعدٌّ لمقابلته. وبينما بدأا الحديث، فوجئ شارل بمعرفة ألين بمشاكل لبنان، وعلى وجه الخصوص، بتطلعات مسيحيي لبنان، التي عزاها شارل إلى الوصاية الإسرائيلية. عندما سأل ألين: "ماذا تريد من الولايات المتحدة؟" أجاب شارل: "التخلص من الفلسطينيين والسوريين". ثم طلب ألين خطة عمل عملية - وهي إشارة، كما أدرك شارل، أن سياسة ريغان الخارجية ستُدار مباشرةً من البيت الأبيض، متجاوزةً وزارة الخارجية. وعند مغادرته، قال ألين إنه سيناقش الأمر مع الرئيس، واعدًا بإبقاء شارل على اطلاع. وعندما عاد شارل إلى بيروت في أواخر شباط، اتصل فورًا ببشير، الذي التقى به في منزله بالرابية برفقة اثنين من مستشاريه، زاهي بستاني وأنطوان نجم. كان شارل متحمسًا للغاية، واقترح خطة تضمن بموجبها الولايات المتحدة استقلال لبنان وتقرير مصير طوائفه. وفي المقابل، يطرد لبنان "الإرهابيين الدوليين" من أراضيه ويسمح ببناء قاعدة عسكرية أميركية.

 

لا شك أنّ شارل مالك كان ينظر إلى بشير أيضًا بعيني المعلم والمؤمن والمستشار، "كما نظر أرسطو ذات مرة إلى الإسكندر". يقول م.د.والهوت: يمكن للمرء أن يقارن بين علاقة مالك ببشير الجميل وعلاقة سعيد بياسر عرفات، لكن مالك المثقف كان مسحورًا ببشير الجميل، فيروي منظّر القوات اللبنانية، أنطوان نجم أنّ بشير الجميل كان يتردّد على منزل شارل مالك ويعقد معه جلسات طويلة كان يسميها دروساً على الرغم من مشاغله الكثيرة، وهذا "يدلّ على حسن التنظيم عنده وانضباطه وقدرته على تحديد الأولوية والتعلم الدائم". أما الدروس عند شارل مالك فلم تكن الوحيدة، فالبعض يقول إن بشير كان يتردّد على باحثين في الفقه الإسلامي أو ملمّين بالتاريخ. كل تلك الدروس تعبّر عن نظرة متقدمة وحديثة للقيادة وتطوير لفكره السياسي عن طريق الإرشاد. ويقول نجم، نقلاً عن شارل مالك في وصف بشير: "يده نظيفة، ونظافة اليد ليست عادة من الصفات التي يتميز بها السياسيون في لبنان وغير لبنان... الكلّ يؤمن بعفته، وهذا مصدر من مصادر شعبيته وتعلّق الناس به". بالنسبة إلى مالك، كان بطل وشهيد المقاومة المسيحية اللبنانية، هو بشير الجميل. 

 

"الدرس السلبي الأعظم"
هل لعب شارل مالك أي دور في قرار سعيد الانفصال عن عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد خمسة وعشرين عامًا؟ مثل سعيد، بدأ مالك حياته العامة مدافعًا عن العرب الفلسطينيين، لينهيها مدافعًا عن "القوات اللبنانية" الممزقة بالانقسامات الداخلية، والمقيدة بقطعة الأرض التي تركها لها الاحتلال السوري. ربما كانت أوجه التشابه مع ما أصبحت عليه منظمة التحرير الفلسطينية واضحة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها. ربما نظر سعيد إلى مستقبله المتدهور ورأى عمّاً آخر، رجلاً "سينساه التاريخ لأنه ارتبط برجال عنيفين ضيقي الأفق وقضايا طائفية ميؤوس منها". ربما رأى في حياة مالك "تحذيرًا للمثقفين الذين يضعون الكثير من الثقة في رجال السلطة، الذين يقايضون استقلالهم بمقعد على الطاولة". ربما كان هذا ما قصده عندما وصف مسار مالك بأنه "الدرس الفكري السلبي الأعظم في حياتي".

 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث