يوميات السجن في مدينة ديك الجن الحمصي

عبد الله ونوسالأربعاء 2026/02/04
Image-1770071912
عبدالله ونوس
حجم الخط
مشاركة عبر

عصر الأربعاء المتأخر 10 ـ 8 ـ 2011 استيقظت على رؤياي الغريبة. عاجلتُ مازن ابن أختي حين التقيته أقصّ عليه منامي الغريب. 

على مساحة قيلولتي كنت أرى هذا البيت من الشعر يتراقص في رأسي ولكلماته ضجيج ما حمل من معنى . 
ـ أهو للسياب يا مازن؟
نبهني أنني لم أقرأه له. ابتسمتُ وأردفت:
حديد لمن كل هذا الحديد / لقيدٍ سيلوى على معصمٍ / ونصلٍ على حلمة أو وريد  
قال:
ـ هل كان السياب معك في الحلم؟ 
ـ لم يكن معي أحد. كانت كلمات البيت تتردد في رأسي، ثمّة أبواب تُغلق بقوة وأخرى يُضرب عليها بالعصي، وفي خلفية اللوحة ثمة صراخُ بشري مكتوم.
ـ يا خال هذا كابوس وليس حلماً!
تركته متوجهاً إلى الدكان، وشمس ذاك اليوم تبدو من المغيب حمراء كالحة، وصوت قرآن ما قبل الإفطار ينوس مبحوحاً من مئذنة قريبة.


حماه - المطار العسكري

كتب أحد ملوك حماه الأيوبيين على سورها الجملة التالية: "سور حماه بربها محروس"، والجملة تُقرأ من الاتجاهين يميناً ويساراً بالطريقة نفسها. ذلك النمط من البلاغة انتشر بكثرة في عهد ما يُسمّى عصور الانحطاط، واجتاح الشعر والأدب والمراسلات. هو شكلٌ من أشكال الكلمات المتقاطعة، ابتسم في هذه اللحظة، "سوريا الله حاميها".. شعار مرحلة المعتوه.


حماه التي افتتح "البعث" عهد إجرامه بقصفها بالمدافع في نيسان 1964، وارتكبَ الأسد الأب فيها واحدة من أكبر الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث، في شباط 1982. ما بين سعيد العاص والحاضر، مروراً بساحتها ـ العاصية، بأمَّ عيني وعلى المحمدية، أم نواعيرها وأكبرها، كانت هناك لوحة مكتوبة تقول:
"طلبنا أن نُعامل كبشر.. فقتلونا"! المهم أننا وصلنا حماه، مروراً بحواجز لا نهائية للمخابرات والجيش... على مدخل المدينة، لازمةٌ نسمعها لملقّنٍ واحدٍ على كُلَّ حاجز نعبرهُ، أسئلةٌ متكررة، لا تنتظرُ اجابات:
" مرحبا يا حبيب! كم ابن شرمـ(...)طة معاك، كُلّن من السلميّة، الله معك"!!


التوقّفُ الثاني في رحلتنا، والأوّل في حماه، كان محطّة السكك الحديدية غربي المدينة، لقد أصبحت جميعُ مؤسسات الدولة معتقلات وأماكن تنكيل، تمّ صفّنا نحنُ الأربعة على رصيفٍ أمام جدارٍ لبناء المحطّة، جاثين على ركبنا، أعيدت قمصاننا الصيفية التي رُفِعت لتغطي وجوهنا إلى أمكنتها، واستبدلت بـ"طميشات" سوداء على عيوننا تطوّق رؤؤسنا بمطاطات عريضة، وشُدّت أيدينا إلى الخلف بتلك الحابسات البلاستيكية اللعينة، والتي تزدادُ اطباقاً أمام أتفه منعكسٍ للتحررِ منها، لتلك القيود أفواهٌ فاغرة تأكلُ من لحمِ المعاصم، ويغدو الدمُ الواصلُ للأكفَّ والأصابع، كما الرمل المُنسرب من خانقِ زجاج ساعةٍ رملية، الشتائمُ والركلات تُنسيكَ ألم يديك، الأخيرُ يغدو تفصيلاً أمام هذه الاستباحة الكلامية.

 
سأكررُ كثيراً في ما سيأتي، الكلام عن الخذلان في تقدير الوقت، طولهُ يتناسبُ ـ طرداً ـ وفي علاقةٍ رياضية، مع حجمِ الامتهان! لذلك لا أدري بعد كم حُشِرنا في حافلةٍ جديدة، كانت هذه المرّة بمقاعد "سرفيس"، وأضيف إلينا أشخاص جدد، ربّما تجاوزنا العشرة. بجانبي وعلى صفَّ المقاعد الثلاثي الأخير، وحيثُ لا تستطيع آلةُ العماء المشدودة على عيوننا بإحكام أن تحجب الرؤية تماماً، كان هناكَ رجلٌ أشيب، نحيل، وبشاربين بيضاوين، ولهُ ضعفُ عُمري من السنوات، لكن لم يكن لهُ صمتنا الملبّد بالخوف. كان يتذمر ويعرّف عن نفسهِ بأنّهُ شيوعي، وهو في حزب من أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، تلك الجبهة التي نال حافظ الأسد حين أنشأها في بداية حكمه ـ براءة اختراع في تحويل العمل السياسي إلى شكل من أشكال العهر! والرجل عضو مجلس محافظة، ولهُ وبسببِ منصبهِ حصانةً تمَّ المساس بها إذ أن محافظ المدينة هو الوحيد المخوّل محاسبته، وبسبب هذه اللازمة كان "ب. ح" وقد عرفتُ اسمه في ما بعد، تُكالُ لهُ شتائم أشدّ، ولا ينسى الشاتم طبعاً، السيّد المحافظ، من تخصيصه ببعض العبارات المسجلة بين معترضتين:

ـ "خرى عليك وعَ المحافظ.. أصلاً لولاه ما كانت وصلت الأمور لهون"!!
ومحافظ حماه كان حينها د. أحمد عبد العزيز المُقال بسبب اتهامه بالتعاطف مع المتظاهرين، والمستبدل بـ د.أنس الناعم الذي قتُلَ في ظروف غامضة لأسبابٍ مشابهة.


المسافة قريبة ما بين "سكّة حماه"-واستخدم هذا التعبير لِما لهُ من دلالات سيئة في الموروث الشعبي السوري- وما بين مطار حماه العسكري، والذي لا يعلم إلّا الله عدد من دخلوه ولم يخرجوا منه حتّى جثثاً مسجّاه.


لم يكن ما جرى استقبالاً، ولا "تشريفة" كما كان يسميها سجناء الرأي في ثمانينيات عهد الأب. شيء ما يعيدكَ لأوّل انتقالٍ لأشباه البشر، ما بين الحيوانية المحضة والأدنى منها رتبة قليلاً! بعمائي كنتُ أشعرُ أن لكلِّ جندي على الباب الرئيسي للمطار، عشرةُ أقدامٍ يركلُ بها كلها في الوقت ذاته. صراخٌ وسُبابٌ وعصي وقيود، أمهاتٌ وأخوات على منصّة شتمٍ يتفننُ أصحابها في التنويعِ على مقاماتها البذيئة. بدايات شهر آب، أصابني بردٌ لهُ علاقةٌ بحمّى نزلت عليَّ فجأةً، وراحَت تدكُّ أنابيبَ عظامي، عقبولٌ يحيطُ بشفاهي ويفترسها.


في غرفة كالحة لسجنٍ وحشي، أقمنا ليلتنا الأولى، والتي كنتُ على يقين أنّها الأخيرة حتماً. كانت رائحة الموت الذي لا يأتي طازجاً أبداً، تملأ المكان، مكورين على جدران وسخة، ننتظر تبدل الأقدام الصاعدة والهابطة على أجسادنا، والشتائم المجانية.


كان معي في تلك الغرفة الرهيبة نزيلان من مدينتي، وقد اعتقلا قبلنا بيوم، علي حمود ومصطفى الدعاس. انزاحت عُصبات العيون السوداء بشكلٍ جزئي، فعرفتُ الشخصين المكورين على الجدار المقابل، ومن عينيهما نبهانا ألا نتكلّم ولو همساً، لأنَّ الكلفة ستكون باهظة جدّاً. بدا عليهما أثرُ ليلةٍ مرعبةٍ قد انقضت، ووجهاهما يقطران حبرة وخوفاً، ولربما سأظن أن عشر سنواتٍ انقضت عليهما، وهما يسندان ذاك الجدار! 
وبعد وقتٍ ليس بالطويل، امتلأ المكانُ عن آخرهِ بأشخاصٍ جُدد، كانوا جميعاً من حماه، ومعظمهم من عائلة العرعور. الطريف. وعلى ذكر الكنية، فخلال الأيام الـ75 التي قضيتها متنقلاً بين هذه المسالخ البشرية، أنا وجميع من ألتقيتهم، وكان من بينهم شخصان مسيحيان من مدينة اللاذقية، جميعنا كُنّا نُنعت بالعرعوريين! 


نهار الجمعة 12 ـ 8 ـ2011. وكان قد مرَّ عليّ وعلى دفعتي أكثر من ثلاثين ساعة، بلا طعام أو شراب أو حتّى خروجٍ للحمام، لأن الطالب لهذه الرفاهية الأخيرة، سينفذ طلبهُ، وسيعود مدمّى من شدة السياط والعصي خلال رحلته القصيرة هذه!
حضرت ابنتي بيسان بقوة ليلتها.
ماذا ستفعل لو ترى هذا المشهد، وبماذا ستفكر، وعن أي جنون ستخبر صديقاتها؟ 
تذكرت ملك حماه الحالم. لماذا سنقرأ تعويذتك من اتجاهين حيث تختفي الآلهة وتغيب، وتعلن أن لا طاقة لها بحماية سور حماه ولا المتكورين خلفه بعيونٍ معصوبةٍ، وأيدٍ مشدودةٍ خلف الظهر، ينتظرون حتفهم نهار يوم غامض.

 

أين أنتِ الآن يا أمّي

كذَكَر الحمام المستوحش أقف على قدمٍ واحدة. الذاكرة مسدلة الستارة على الجارح من الوجوه، والمؤلم من الأسماء، والحارق من الفرح. 
كفرسان عصور الهباء ستطردُ من تُحِب.
عصر جمعة 12 ـ 8 ـ 2011، فُتحَ الباب الرهيب وتُليت ستّة أسماء: "السلامنة فقط"! نحنُ الأربعة واثنان سبقانا قبلَ يومِ وليلة.
حمص أم الحجار السود والأحلام الكالحة ولابسات الموت، بعيدة ما شاءت أقدامهم من الركل وما شاءت أيديهم من السياط، وشاءت أجسادنا وأرواحنا من الاحتمال وأيّامنا المقبلات من المرارة.
كم كان الطريق بين حامات وأميسا مروراً بأرتوزا (*) طويلاً؟!


قلت لفياض بعد أسبوعين عندما اجتمعت وإياه في الجماعية الأولى: نحن سلكنا طريق حماه ـ حمص عبر سلمية. رأيت بأمّ عيني المعصوبتين ويديّ المشدودتين خلف ظهري، أشجارَ جبل عين الزرقاء المتوجة بالغبار، رغم أننا لم نكن نجلس على مقاعد الميكرو باص الأبيض والمستورد حديثاً من الصين، بل كنا مكبوبين نحن الستّة على وجوهنا بطريقةٍ عجيبة. لم يقتنع صديقي بكلامي، وأكد أنّنا سلكنا طريق حماه ـ حمص عبر الرستن وتلبيسة مباشرةً، فهو يعرف الطريق من حُفرهِ، فلطالما سار عليه.

 

حُشرنا.. ومسجّل الحافلة يصدح بصوت مطربٍ من آل الديك. ولم يكن علي الديك، ذائع الصيت حتّماً، بل كانت حفلة مُسجّلة في مقصف، أو في عرسٍ، تقطعُ أغانيها بين الحين والآخر تحيات لسيّد الوطن وضباط من الصف الأول، ومساعدين وشبيحة، ثم صدحت أغنية من النوع الملتزم، كلماتها مكتوبة خصيصاً لتمجيد بشار الأسد، فصاح الجندي الجالس في مؤخرة الباص بالسائق، والذي كان بوطه العسكري على ظهري تماماً:
ـ افلتا خيي أبو شادي. افلتا للأخير. وخلي ولاد هل الشرمـ(...)طة ينبسطوا!


فاحت رائحة حمص، أحب المدن إلى قلبي، فأيقنت أننا وصلنا. الله وحده يعلم عدد كاسات العرق التي شربتها في هذه المدينة العزيزة. الذاكرة تتدرب سريعاً من خلال التعرف على الأشياء بواسطة حاسة الشم، والتي لطالما وصفتُها بالأكثر نبلاً، الأندر خذلاناً للمرء وخصوصاً لشخصٍ في وضعي الذي يرثى له. 
فرعُ المخابرات الجوية بحمص يصعب وصفه، فيه بدأتُ الاعتياد على حياة الجحيم.
أعرفُ هذا المكان، فخلال خدمتي العسكرية في هذه المدينة، كانت سيارة المبيت الخضراء، الذاهبة إلى منطقة القصير، تمرُّ من أمامه. رُبّما كان مشروعاً قديماً لمسجد، لأنّ لهُ قبّة غير مكتملة، ومن الواضح أنه تمَّ الاستيلاء عليه فترة أحداث 1982 فحوّلوه لفرعٍ للجوية يخص مدينتَي حمص وحماه.  
في غرفة تسليم الأمانات، الجندي الذي صفعني عشرات الصفعات على وجهي حتّى سقطت الطمّيشة عن عيني، استذأب عندما تقابلت عينانا، فأعاد الطميشة إلى مكانها بحركةٍ هستيرية وقال لي:
ـ يا ابن الـ... ستراني حتى تقتلني.. 
بمسيحيةٍ لا تنفع حتى صاحب الصليب في هذا المكان الجهنمي أجبته:
ـ نحنُ لا نقتل إخوتنا بل نسامحهم.. 
يخرج من فمه: عم تتفلسف يا عرص!

في قلبي يخرج صوتٌ له شكلُ سلك هاتفٍ مخفيٍ في التراب. يقول:
ـ أين أنتِ الآن يا أمّي؟


في الفرع.. كانت هناك أجواء احتفالية، شيءٌ يشبه "هالووين القديسين"، في كل لحظةٍ يأتي وافدون جُدد، قد تُركت حافلة آتية من الحولة أو حماه أو الخالدية أو بابا عمرو في الساحة، لأكثر من ساعة، حتى يأتي دورها في تفريغ حمولتها من البشر.


ربما مرَّت عشر ساعات وأنا أقفُ مقابل ذلك الجدار، كنت أسمع خطواً ثقيلاً يروح ويجئ خلفي، تذكرتُ شيئاً كنتُ قرأتهُ عن تفاصيل الاعتقال، عصرتُ ذاكرتي التي كانت سلواي في هذا المطهر. أين ومتى مرّت عليَّ تلك التفاصيل؟ إنها قصص "رائحة الخطو الثقيل" المُحببّة إلى قلبي، وبالتداعي حضر وجه كاتبها الصديق العزيز إبراهيم صموئيل وحضرت ضحكته، فشعرت بسعادةٍ خفية. قطع التداعي صوتٌ همسَ في أذني وكأنّه جاء من السماء السابعة بعد المئة، ومن المؤكد أن هذا الكائن الهامس، والذي عرفني بالتأكيد، قد انتظر طويلاً، وحتّى يفرغ المكان تماماً من زملائه الجلادين، ليقول لي:
ـ بدّك شي؟
تذكّرت عطشي وتذكرت أنني لم أذق منذ صباح اليوم المنصرم نقطة ماء.
ـ ماء لو سمحت. 
غابَ مدّة طويلة، ولم أتوقع عودته. فجأةً ظهرت أمام وجهي مشربية حمراء رأيتها من أسفل (الطميشة)، تتسع لليتر ونصف الليترمن الماء، أعرف مقاسها جيّداً، فقد كنت أبيع في ما يشبهها الحليب في الدكان. وضعها صاحب الصوت الهامس على فمي الجاف والمالح من طعم نزيفٍ. شربت حتّى القطرة الأخيرة، فنظر إلى قعرها الخالي تماماً وهمس في أذني:
ـ هشششششش!!!
صوتُ أذانٍ بعيدٍ جعلني أعرف أن ليلاً دامياً وكالحاً قد انقضى، ويوماً ثالثاً لي، في متاهة الجنون، قد بدأ!

____________________________________________________________________
(*) الأسماء الواردة هي الأسماء الآرامية لحماه وحمص والرستن.

Image-1770071943

ثلاثون يوماً في حمص 
حمص الشعر، حمص الكؤوس المرفوعة أبداً كقامة المصلوب، حمص الأصدقاء اليتامى وحوارات السياسة التي سريعاً ما كانت تُثير ضجري فأهرب من تلك المماحكات نحو القصيدة.. نديانةً وغبشة ومقدودة من ربطة شعر امرأة، حمص نسيب عريضة الذي دائماً كان عوني حين أقلب الطاولة ـ معنوياً ـ وأبدأ به حين أقف وأقول: "خذني إلى حمص ولو حشو الكفن".


يضحكُ الأصدقاء الذين كانت أصواتهم قبل قليل أعلى من ضجري.. ويبدأ عشب الكلام ينبت يانعاً على أكفّهم. الصراخ يغدو فرحاً، والفوضى تُشدُّ أوتارها وتدوزن الدقائق والساعات، كأنًّ إلهاً صغيراً يرفرف بجناحيه بين الكاسات والقناني المبعثرة هنا وهناك، ويقولُ قائلٌ منهم: "بصحّة الشعر"

خذني إلى حمص ولو حشو الكفن

 عصر الجمعة 12 ـ 8 ـ 2011 نعم كنتُ حشو كفن، لكن ليس كما اشتهى نسيب عريضة قبل سنين، لم يكن أبيض ووثيراً كما هو معروف، كان كفناً مؤلماً وأسود، منسوجاً من السباب والتعذيب المشغول بعناية زبانية الجحيم، ملطّخاً بالركلات وآثار الأحذية والسياط. من وراء حلكته رأيت عبد السلام بن رغبان (ديك الجن) صامتاً وحزيناً، ولم يكن مخموراً كما كنت أراه في ذاكرتي. ورأيت عبد الباسط الصوفي ممدداً على سرير الموت في بلدٍ غريب وبعينين خائفتين ومفتوحتين، وهو ما أعادني إلى كتاب النصوص الأدبية للصف السابع.. تذكرتُ نصّه الذي استُبدل في ما بعد بإحدى القصائد العصماء لأحد شعراء المَدجَنَة الأسدية.


نص عبد الباسط في كتاب الأول الإعدادي والذي ظننتُ أنني نسيته تماماً، حضر كما لو كُنتُ أنا من أكتبه في هذه اللحظة:
"بأقدام أطفالنا العارية / يميناً وبالخبز والعافية / إذا لم نُعفّر جباه الطغاة / على هذه الأرجل الحافية" ..
ـ خذهُ إلى الانفرادية الأولى! 
صوت جهنمي قطعَ تداعياتي، وأعادني إلى المكان دفعةً واحدة مع قبضة آدمية هرست خاصرتي بعنف، لدرجةٍ ظننتُ معها أن أصابع دخلت في لحمي.
 ـ إلى اليمين يا حيوان. 
"حيوان"، أكثر النعوت ألفةً خلال رحلة العبث هذه، وسرعان ما تروّض روحك عليها.


كلمة "انفرادية" تشعركَ بأنّك إسكوبار، أو أحد مجرمي التاريخ العتاة، رحتُ أفكّر. لو كل داخلٍ جديد خُصّصَ بانفرادية، فلن تكفي مساحة البلاد، ولو عمّرت سجوناً لاستيعاب هذه القوافل التي لا تتوقف من المعتقلين.
فُتِح بابان من الحديد، كانا يفصلان أقساماً تتوزّع فيها الزنازين، ثم سرنا في ممرٍ طويل، حتّى صرنا في آخره.
لم أُرفس بقدمٍ بشرية حينما دفعتُ إلى تلك الزنزانة، الكلام في مكانٍ كهذا أشدُّ وطأة على الروح من الرفس، وما ظننته انفرادية، كان علبة سردين محشوّة بالأسماك الهزيلة، الجميعُ كان واقفاً ووجهه نحو الجدار المعاكس للباب، عددهم لا يتناسب أبداً مع ضيق المكان.
فور إغلاق الباب، وغياب السجان، كان أوّل من استقبلني بالترحاب، ممدوح الجاجة، النزيل الحموي، الوديع والجميل كسهلٍ من الغيم: 
ـ أنت من "سلمية"؟ أهلين بلد.


بنهمٍ سألني عن أخبار حماه، وهل ما زالت مظاهراتها كما تركها، فقد مرَّ عليه شهر في هذا الفرع. غيّر الحديث عن قصد، لشدّة الإنهاك الذي أنا فيه، وراح يضحك كطفل، أفردَ لي صدر الزنزانة، وصاح بالنزلاء العشرة المحشورين في مكانٍ سعته القصوى مخصصٌة لاستقبال ثلاثة نزلاء، أن يجلسوا حتّى أنام من دون أن "أسيّف"، لا أدري من أين أتى ببيضة مسلوقة ورغيف من الخبز، بعدما سألني إن كنت نويت صياماً لليوم الذي بان خيطه الأسود من خيطه الأسود، فأجبته بالنفي. ابتسم وقال: 
ـ ممتاز، تناول فطورك، فربما الساعة الآن هي السادسة صباحاً أو تزيد. 
ورغم ما أنا فيه، وعدم النوم ليومين متتاليين بقيتُ مستيقظاً أحدّق في جدران الزنزانة.. أقرأ ما ترك النزلاء السابقين عليها من ذكريات محفورة بالأظافر.
"رضاك يا أمّي، محمد من درعا البلد، أبو صطيف من الحولة، حسبنا الله ونعم الوكيل، يا ظالم إلك يوم، العريف نايف من دير الزور، أحلى شباب معرة النعمان".


نظراً لحلكة المكان بذلتُ جهداً في قراءة هذه المنشورات الجدارية الأليفة. الضوء ينوس من فتحةٍ متطاولة وضيّقة أعلى الزنزانة، مصباح النيون في الخارج لا يتبدل أبداً، ولولا مواعيد الوجبات ونوعيتها لما عرفنا الليل من النهار. الزيتون يرشدنا إلى الصباح، والبرغل إلى الظهيرة، والبطاطا المسلوقة إلى المساء، وكانت سبباً لتفاؤلي، إذ تجعلني أعرف أن يوماً قد انقضى. 


بعد أيام نُقلت إلى تجمعٍ ثانٍ، فرحت كثيراً لرؤية الطبيب مولود محفوض، ابن دفعة "الفان الأزرق"، والذي كنتُ أقطع وإياه الليل في الحديث عن سلمية والأصدقاء، أخبرته أني عرفته في سيارة الاعتقال عندما رموني ممدداً بجانبه من رائحة محببة خاصة بأطباء الأسنان، ربما زيت القرنفل، المادة المستخدمة في التخدير. قال لي أن نوار ياغي كان في جلسة علاج عنده في العيادة...فاقتيدا سوية. ضحكتُ وطلبت منه أن يبدّل طاقمه في الاعتقال المقبل. ففي المرة السابقة، كلَّفَت نوار دعوتُك له إلى زيارة أصدقاءٍ في مدينة الرقة، ما يقارب الشهر بينها وبين دير الزور وحمص وحماه. 


مرّت جلسات التحقيق في حمص بلا خسائر تذكر، لولا بعض الشتائم والركلات والأكبال من هنا وهناك أثناء السَّوق من الزنزانة إلى غرفة التحقيق وبالعكس.
بعد عشرة أيّام، نحنُ الستّة الذين اقتادونا من سلمية، جمّعونا على عجلٍ في كاريدور الفرع، طلبوا منا أن نكتب سيرة ذاتيةً عنّا، وتركونا مصلوبين مواجهة الجدار لساعات. سمعنا حينها كلاماً لمحققين وسجانين من هنا وهناك، منبعثةً من غُرفٍ مفتوحة الأبواب، عبر مكالماتٍ هاتفية، فحواها:
ـ هؤلاء ليسوا مطلوبين لفرعنا / سنطلق سراحهم / تكرم سيدي / ننتظرُ منكم تعليمات!
قلوبنا صارت طبولاً لقبائل إفريقيةٍ في غابة، تسمعها في صحراءٍ. كنّا نرقصُ.
هاتفٌ من بعيدٍ سمعنا رنينه، أمر بإعادتنا إلى حيثُ كنّا، ومن دون تفاصيل!


ليلة عيد الفطر عشنا أمل الإفراج. في الوقت القليل الذي نمته ليلتها، رأيت ابني ناصر في منامي، يرفل بسنته الوحيدة وشهوره الثمانية، أسأله في المنام: أين أنفك؟ فيدس سبابته الصغيرة في أرنبة أنفه تماماً ويضحك! 
مرّت أيام العيد السلحفاتية ثقيلةً ومؤلمة، نُقلت بعدها إلى تجمع آخر، فرأيتُ نوار وفياض.. كان نوار ياغي يجدد تفاؤله بالإفراج كل يوم.. ويزيد على ذلك بأن يقول: 
ـ سنخرج، وسنشرب العرق غداً في "درج الياسمين".
يحدد الحاضرين ورقم الطاولة والمأكولات وحتى نوعية العرق:
ـ الريّان في هذه الأيام مضروب. سنشرب ميماس معدّاً للتصدير فهو سلس ولا يترك ألماً في الرأس في اليوم التالي!
فياض كان على النقيض تماماً.. كان تشاؤمه يزيد مع كل يومٍ يمر، وكان يكرر دائماً: 
ـ الجويّة لا تستطيع أن تتنبأ بقراراتها.


خلال تلك الفترة، ضاع منّي اسمي.. لم يعد أحدٌ يناديني به، "المتحسّسّ" هو الاسم الجديد الذي صار السجانون يخاطبوني بهِ. هجمةً من الحساسية والحكة داهمتني وتمددت على كامل جسدي. أخبرني الشبان القدامى بألا أقلق. ظننته جرباً أوّل الأمر، لكنه شيء له علاقة بقذارة المكان وغياب الصابون والنظافة الدائمين.
بعد أسبوع من طلبي مقابلة الطبيب، جاء الفرج، اقتُدت معصوب العينين، بعدما خلعتُ كامل ملابسي، وخلال ثوانٍ غرس حقنته في جنبي الأيسر ولم أسمع منه في ما بعد سوى كلمة: انقلع!!


في السجن تغدو مثل حي بن يقظان، حيث كل شيء اكتشاف، تُدير عجلة الحياة بيديك، حيث لا موطئ قدمٍ لملاك تطلب منه المساعدة. الظلمة والسقوف الواطئة والفصام الجميل يداهمك بين هذه الجدران الرهيبة. يشتغل العقل بالأداء الأقصى لابتكار آلياتٍ دائمةٍ للتكيّف. أما في التعاطي اليومي مع هذه القبيلة من الجلادين والمحققين والشتّامين، فالصيغة مختلفة. تذكرتُ حينها كلمة لعلي بن أبي طالب يقول فيها: "كُن كابن اللبون: لا ظهر فيُركب، ولا ضرع فيُحلب". يجب أن تكون الإجابات أقصرُ من الأسئلة. سلّة المفردات التي ستتداولها ستضجر جلادك، لكنه سيعتاد عليها في النهاية. لا أسماء ولا أمكنة ولا أزمنة.. قالها لي المحقق في دمشق: 
ـ هل ستقنعني أنّك كنتَ تتظاهر وحدك؟!

 

مسبحة الجمر                                                                       
العيد الصغير، كما كنّا نسمّيه في طفولتنا، كزهرةٍ عطشى متفتحة في آخر الصيف.
على مدى يومين أفًرِغت زنزانتان من ساكنيها، وكذلك الزنازين القريبة منّا. كل ساعةٍ يفتح أبو يوسف الباب ويقرأ أسماء جديدة. جميع الحماصنة وأهل الحولة والقصير خرجوا ليلة العيد، ولم يبقَ سوى شباب حماه وسلمية وعسكريين موقوفين لأسباب متنوعة. في ما بعد عرفنا أنّهم نُقلوا إلى "السجن البولوني" سيْ الصيت، وأعيد التحقيق معهم من جديد، حيث تم تشكيل لجنة أمنية مشتركة، من الجوية وأمن الدولة والسياسي والمخابرات العسكرية، وتم التنكيل بهم هناك بشكلٍ رهيب، ويقيني أنهم لم يعودوا أحياء. سألتُ بعد خروجي عمن أتذكّر أسماءهم لم يكن هناك أي خبر عنهم.
 

حتّى ساعة متأخرة من تلك الليلة.. كانت مسبحة جمر الأمل بالإفراج، تكرُّ حباتها دورةً بعد دورة، في إحدى الليالي الأسوأ خلال الأيام العشرين المنقضية، لازمت ابنتي بيسان أحلام يقظتي. الليلة الأولى التي مرّت من دون تناوب بالنوم والوقوف، فقد كانت الزنزانة بحد نزلائها الأدنى، الجميع له مكان والجميع نام من دون أن يُسيّف.
في الصباح قال لي مولود الممدد بجانبي:  
ـ شغلتنا طايلة على ما يبدو. 
لم أعلّق.. ثياب بيسان وناصر ودموع عبير وأبي المتروك بين الحياة والموت، وغيابي هذا الصباح عن وضع الورد على قبر أمّي، كانت كافية أن تجعلني مثل غيمة تائهة.  


حشرنا بعد يومين مرّة أخرى في زنزانة جديدة حيث أفرغت بعض الزنازين لاستقبال نزلاء جدد: شباب حماه كانت لهم الغلبة. نوار ياغي الأقدم في الزنزانة الكبيرة كشيخ طريقة، الجميع يخاطبه بلقب الأستاذ، له ما له من الكلمة المسموعة بين النزلاء الألداء، يطيّب الخواطر، ويفصل في النزاعات، ويحدثهم في الرياضة والطب والسياسة والدين، يحاول جاهداً ألا يطيل. أبو يوسف كبير السجانين كان يذكّره دائماً بأنه هو المسؤول عن مساجين الزنزانة:
ـ ستعاقب يا ياغي إن علا الصوت في زنزانتكم. في فجر مبكّر من أحد الأيام أكلنا جميعاً دولاباً من العيار الثقيل، ومعنا شيخ الطريقة.  


في الليلة التاسعة والعشرين من الاعتقال، وبعد محادثة من الشراقة بينه وبين أبو يوسف السجان، زفَّ لنا نوار بصخبٍ مكتوم، الخبر العظيم: الجميع سيكون في بيته غداً! لم ننم ليلتها. كان الليل يمشي كحصانٍ حرون. سرر الأحلام كانت شاسعة.. فجر السبت 10 ـ 9 ـ 2011 يبدو بعيداً، وبعيداً جدّاً...
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث