فرناندو بيسوا عاشق الأدب البوليسي: فضاء لاختبار العقل

ريتا باروتاالأربعاء 2026/02/04
Image-1770187735
ينتمي بيسوا إلى التقليد الكلاسيكي للأدب البوليسي، حيث المحقق هو عقل متفوق
حجم الخط
مشاركة عبر

من بين المتع الفكرية النادرة التي وثّقها الباحثون في كتابات فرناندو بيسوا حول القراءة، يحتلّ استمتاعه بالروايات البوليسية مكانًا خاصًا. في تقديم L’Affaire Vargas et autres enquêtes  الصادر حديثًا بالفرنسية عن دار كريستيان بورجوا (2025)، يُستشهد ببيسوا وهو يعتبر قراءة مؤلفات كونان دويل وآرثر موريسون من أطيب ساعات السعادة، ليكتب: "إنّ أحد المتع الفكرية النادرة التي لا تزال باقية في ما تبقّى من إنسانيّة الفكر، هو قراءة الروايات البوليسية. ومن بين العدد القليل أصلًا من الساعات السعيدة التي تتيحها لي الحياة، أعدّ من أطيبها تلك التي جعلتني فيها قراءة كونان دويل أو آرثر موريسون أركع بوعيّي على ركبتيه.

كتابٌ لأحد هؤلاء الكتّاب، سيجارة ثمن علبتها خمسة وأربعون ريسًا، فكرة فنجان قهوة، ثالوثٌ تعود وحدته، بالنسبة إليّ، إلى معنى السعادة. هكذا، ربّما، يختصر هذا كلّ ما أسمّيه سعادتي. قد يبدو ذلك ضئيلاً، نعم، لكنه مع ذلك صادق. فالكائن الذي يحمل مشاعر فكرية وجمالية لا يمكنه، في الوسط الأوروبي الراهن، أن يطمح إلى أكثر من ذلك بكثير.

وربما يثير هذا لديكم نوعًا من الدهشة، لا لأنني أبدي ميلًا خاصًا لهؤلاء الكتّاب وهم، في الواقع، رفقائي على منضدة السرير، بل لأنني أعترف بذلك صراحة".

 

وثمة متعة خاصة بنا أيضا، نحن قراء ومحبي بيسوا، وقراء ومحبي الأدب البوليسي على حد سواء، في العثور على ما لم نفكر يوماً في البحث عنه، لا كنص مفقود، ولا كقصيدة منسية، بل كنوع أدبي كامل ظلّ على هامش القراءة النقدية. 

هكذا جاء اكتشافي لمجموعة "قضية فارغاس وقصص تحقيق أخرى"، والتي تكشف جانبًا قلّما أُخذ على محمل الجدّ في مشروع بيسوا: بيسوا كاتب الأدب البوليسي.

 

اعتدنا أن نقرأ بيسوا شاعر القلق الميتافيزيقي، ومخترع الذوات المتعدّدة، ومسرحيّ الانقسام الداخلي. لكن قلّما التفت النقد إلى كونه كاتبًا انشغل، وباستمرار، بالأدب البوليسي باعتباره مشروعًا ذهنيًا متماسكًا أُقصي طويلًا بفعل تراتبية أدبية ترى في بعض الأنواع الأدبية قيمة عليا، وفي غيرها أدبًا أدنى.

 

فالأدب البوليسي في المخيال النقدي ظلّ أدب الجماهير لا أدب النخب، أدب التسلية لا أدب الفكر. غير أن ما يكشفه بيسوا هنا هو العكس تمامًا: الأدب البوليسي بوصفه فضاءً لاختبار العقل، ولعله أحد أكثر الفضاءات البيسوية اكتمالًا

Image-1770187827
 صندوق المسودات في غرفة الشاعر. تحتفظ مؤسسة "كازا فرناندو بيسوا" بجزء من ممتلكاته لحفظ إرثه

المُفكِّر الذي لا يتحرّك: القناع الآخر للذات

في قلب هذا العالم الجديد على محبي بيسوا، والمغري جداً لمحبي أدب الجريمة، يقف بطل قصص بيسوا البوليسية، أبيليو كواريسما، طبيب لشبونة ومحلّل الألغاز، الذي نادرًا ما يغادر مقعده. كواريسما ليس بطلًا ميدانيًا، ولا محقّقًا يطارد المجرمين في الأزقّة. هو ببساطة عقل محض وجهاز تفكير يعمل بلا هوادة.

"أنا، قبل كل شيء، مفكّر، والأسوأ من ذلك، مفكّر تحليلي"، يكتب بيسوا في توصيف يكاد يكون بيانًا ذاتيًا.

 

يُجسّد كواريسما هذه العبارة إلى أقصاها: فهو يحلّ القضايا عبر الاستدلال المنطقي الخالص، اعتمادًا على الشهادات والروايات غير المباشرة، وعلى معرفة دقيقة بأنماط الذهنيات البشرية. الجريمة، هنا، ليست فعلًا جسديًا بقدر ما هي تركيب ذهني، واختلال في بنية التفكير.

 

من هذا المنظور، ينتمي بيسوا إلى التقليد الكلاسيكي للأدب البوليسي، حيث المحقّق هو عقل متفوّق، غير أن كواريسما يختلف جذريًا عن نماذجه المعروفة وذلك بكونه شخصية شبه ساكنة، وعيٌ أكثر منه جسد، تفكيرٌ منفصل عن التجربة المعاشة.

من هو الطبيب كواريسما؟

 

أبيليو فرنانديش كواريسما طبيب لا يمارس الطب، لأن لا مرضى يزورونه أو يزورهم. يسكن غرفة صغيرة في الطابق الثالث من شارع Rua dos Fanqueiros  في لشبونة. أشياؤه مبعثرة داخل غرفة تطل نافذتها على السطوح، يدخل منها ضوء المدينة، كما لو أنّ لشبونة نفسها تراقب هذا الرجل الذي يعيش على هامش الحياة اليومية.

 

لا شيء في حياته يوحي بالفعل أو الحركة: فهو لا يعمل، غير مرتبط أو متزوج، لا يرى لنفسه أي مسار اجتماعي ممكن. هو في الظاهر شخص غير صالح للحياة.

لكن هذا العجز الظاهري هو شرط لدى بيسوا. فـكواريسما لا يعيش ليختبر العالم، بل ليحلّله. يعرّف نفسه كـ "مفكّك ألغاز" يعيش في حالة من شبه مرض دائم وهو ملفوفًا بغطاء، قارئًا، مراقبًا، وكأن جسده مجرّد وعاء هشّ لعقل لا يستكين.

 

انفصال عقل كواريسما عن جسده يولّد ارتعاشاً خفيفاً، أصابع صفراء من أثر التبغ، سعال جافّ، وإدمان مزدوج على الكحول والسجائر الرخيصة لأن حياته بأكملها تقوم على الاكتفاء بالحدّ الأدنى. يرى الطبيب جسده متروكا، مُهمَلا، بينما عقله هو ما يستحق العناية.

 

كواريسما يشبه بيسوا نفسه، كما يشبه عددًا من شخصياته: رجل يبدو عاديًا، بل حتى باهتًا، لكنه يمتلك قدرة نادرة على التحوّل عبر التفكير.

 

في رسالة مؤرّخة في 13 كانون الثاني/ يناير، يعترف بيسوا بأن كتابة بعض مقاطع كواريسما كانت تجربة مؤثّرة إلى حدّ البكاء. هذا الاعتراف يكشف أن كواريسما هو إسقاط عميق لقلقه.

 

شكل جبهته، لون بدلته، سقوط رماد السيجارة على السجادة، كل تلك الزخرفًة الوصفيًة هي جزء من بناء شخصية عقلية. كل تفصيل يخدم صورة الرجل الذي اختزل نفسه في وظيفة واحدة: التفكير. وهكذا، يصبح كواريسما أحد أكثر شخصيات بيسوا اكتمالًا. إنه المحقّق ال anti-héro (اللا-بطل) العبقري بلا اعتراف. وفي هذا التناقض، تحديدًا، تكمن قوّته. 

 

لكن، لا يمكن قراءة نصوص بيسوا البوليسية بوصفها تجربة جانبية، من دون العودة إلى أحد أهم أقنعته النثرية: برناردو سواريس، كاتب كتاب اللاطمأنينة.
فالعلاقة بين سواريس والمحقّق أبيليو كواريسما هي علاقة توازٍ مضاد، تكشف عن انقسام بنيوي في عقل بيسوا نفسه.

 

برناردو سواريس هو ما سمّاه بيسوا بـ"شبه-اسم"، أي انه ليس ذاتًا متخيّلة مكتملة كما هي حال الأسماء-الأشباه الأخرى، بل صورة قريبة، منزوعة الحدة، من المؤلّف ذاته. فهو بيسوا نفسه، وقد خسر شيئًا من عقله، أو لعلّه خسر القدرة على تنظيمه. يعيش سواريس أيضاً في لشبونة حياة رتيبة كموظف بسيط، يراقب العالم من دون ان يشارك فيه إلا بوصفه مادة للتأمّل. كتاباته لا تبحث عن معنى، بل تسجل بطريقة دقيقة "اللائطمئنان"، وثقل الوجود حين يُفكَّر فيه.

 

يحاول سواريس توصيف العطب الوجودي، من دون ايجاد اي حل له، وذلك عبر لغةٍ دائرية ومفككة، مشبعة بالملل والقلق، وكأن كل فكرة تولد، تعي مسبقًا أنها لن تقود إلى شيء. 

 

في الجهة المقابلة، يقف المحقق أبيليو كواريسما، بعقل صارم، يكاد يخلو من العاطفة. هو أيضًا منعزل، لكنه يحوّل انعزاله الى أداة تحليل. حيث يرى سواريس الفوضى، يرى كواريسما نمطًا؛ وحيث يتوقّف الأول عند الإحساس، يمضي الثاني نحو الاستدلال.

 

لم يأت هذا التوازي بين الشخصيتين صدفة، بل يكشف عن انقسام عميق في مشروع بيسوا: في حين يمثّل سواريس وعيًا فائضًا عن الاحتمال، يمثّل كواريسما حلم السيطرة العقلية، والاعتقاد بأن التفكير المنهجي قادر، ولو نظريًا، على إنقاذ العالم من عبثه.

 

كلاهما، في العمق، فاشل بطريقته: سواريس يفشل لأنه يرى أكثر مما يحتمل، وكواريسما يفشل لأنه يثق بالعقل أكثر مما ينبغي. غير أن هذا الفشل المزدوج هو ما يمنح نصوص بيسوا قوتها: فالأدب البوليسي لا يعد بالخلاص، بل يحاول، بعقلانية يائسة، ترميم عالم متصدّع.

Image-1770187911
 L’Affaire Vargas et autres enquêtes ، دار كريستيان بورجوا (2025) 

الأرشيف بوصفه مسرح جريمة

لا يمكن قراءة النصوص البوليسية لفرناندو بيسوا بمعزل عن مادّيتها، أي عن الطريقة التي وصلت إلينا بها، وعن حالتها غير المكتملة والمتشظية.

فهذه القصص، عشر قصص في هذه المجموعة، لم تُكتب في زمن واحد، ولا ضمن مشروع مغلق، بل امتدّ إنجازها على سنوات طويلة. وقد كتبت بأكثر من لغة، وفي صيغ متعددة، تركها بيسوا مبعثرة في صندوقه الشهير، بين أوراق غير مرقّمة، ومسودات متداخلة، ونصوص تتوقف فجأة.

 

ما نقرأه اليوم في مجموعة "قضية فارغاس وقصص تحقيق أخرى" ليس متنًا مستقرًا، بل أرشيفًا قلقًا. نجد ان لكل قصة أكثر من نسخة، وأحيانًا أكثر من بداية أو نهاية محتملة. احيانا، في القصة نفسها، تتبدّل أسماء الشخصيات، كما يتزعزع تسلسل الأحداث، وتتداخل الهوامش مع المتن. 

 

أمام هذا الكم من التناقضات، يتحول دور المحرّر من مجرّد مدقق تقني، إلى مدقق تأويلي، أقرب ما يكون إلى محقق بوليسي. ولان مسؤولية اختيار بين روايات متعارضة تقع على عاتق على هذا المحرر، كما ترجيح فرضية على أخرى، وملء فجوات لا يمكن سدّها إلا بالحدس، يمكننا التأكيد بأن هذه المجوعة الفرنسية الصادرة حديثا، هي الاكثر دقة ووفاء لمنطق بيسوا نفسه. 

 

من جانب آخر، يدخل القارئ إلى عالم متشظٍّ، رغم المحاولات الدؤوبة للناشر. فهو يقرأ ملفا مفتوحا، حيث لا نهاية تروي ظمأه، ولكن التجربة تحثّه على ان ان يصبح، هو الآخر، محققا يعيد تركيب الوقائع.

 

المفارقة هنا بالغة الدلالة: فرناندو بيسوا، سيّد التشظّي واللااكتمال، يكتب نوعا أدبيًا مهووسًا بالإغلاق ويحوّله إلى مساحة تُختبر فيها استحالة هذا الوعد. وكأن الكتابة البوليسية تمثّل لديه رغبة عقلانية في السيطرة على الفوضى وإيمانا مؤقتًا بأن كل شيء قابل للتفسير.

Image-1770188035

ضد تراتبية الأنواع: المتعة، الذائقة، والسلطة الثقافية

إن الإصرار على الفصل الصارم بين الانواع الأدبية وعلى تصنيف بعضها بوصفه "رفيعًا" وبعضها الآخر "جماهيريًا" يعكس تاريخًا طويلًا من التراتبية الثقافية. 

فالأدب البوليسي لم يُهمَّش لأنه يفتقر إلى الجمالية والبلاغة، أو لانه ساذج فكريًا، بل لأنه قابل للتداول. ولأنه، ببساطة، ممتع للعامّة!

 

يشن رولان بارت في "لذة النص" هجومًا صريحًا على قداسة الأدب الرفيع حين يُختزل إلى معيار أخلاقي أو ثقافي يُقصي القارئ بدلاً من أن يُشركه. فالأدب لا يُقاس بدرجة سموّه المفترض، بل بقدرته على إنتاج لذّة: لذّة ذهنية، وحسّية، وفكرية، ناتجة عن اللعب بالنص، وعن التوتر بين ما يُفهم وما يُفلت.

 

ما يقترحه بارت هو تحرير للمتعة من الشبهة. فاللذّة، في تصوّره، هي شرط للفكر. فالنص الذي يفرض نفسه بوصفه "عظيمًا" لأنه جادّ، متعالٍ، أو عصيّ على القراءة، يفقد شيئًا من حيويته. في المقابل، النص الذي يفتح المجال أمام القارئ، ويشركه في لعبة الاستدلال والتوقّع والانكشاف، ينتج علاقة أكثر تعقيدًا مع المعنى.

غير أن شرعية المتعة وحدها لا تفسّر ازدراء هذا النوع الأدبي. يقدّم بيار بورديو إطارًا أكثر جذرية في التمييز، حيث يبيّن كيف تُبنى الذائقة الثقافية اجتماعيًا، وكيف تُربط أنماط القراءة والتفضيل الأدبي بالطبقات المهيمنة. ما يُسمّى "أدبًا رفيعًا" هو نتيجة سلطة رمزية تحدّد ما يجب الإعجاب به، وما ينبغي ازدراؤه.

وعليه، يُحتقر الأدب الجماهيري لأنه متاح، يُقرأ خارج المؤسسات، ويُتداول بلا وساطة نخبوية، ويهدّد احتكار المعنى. الأدب البوليسي، تحديدًا، يدفع ثمن شعبيته لأنه يرفض أن يكون حكرًا على فئة بعينها.

 

هذا ما يسمح لنا باعتبار الأدب البوليسي ضحية تراتبية طبقية: من يملك الحق في تعريف الأدب؟ ومن يقرّر ما يستحق القراءة الجادّة؟

 

وعليه، لا يبدو اختيار فرناندو بيسوا للكتابة البوليسية خروجًا عن مشروعه. فالعقل الذي كتب شعرًا ميتافيزيقيًا معقّدًا، هو نفسه الذي وجد في الأدب البوليسي فضاءً يسمح للمنطق بأن يعمل، وللمتعة بأن تكون مشروعة. يمكن للكاتب أن يكتب شعرًا عظيمًا، وأن يكتب في الوقت نفسه أدبًا بوليسيًا متينًا. فلا شيء يُلغي شيئًا لا بل يضيء.

 

لا تضيف "قضية فارغاس" لبيسوا جديدًا، وهو ليس بيسوا آخر، لكنها تعقّده، إن كان ذلك ممكنا. فهي تكشف كاتبًا لم يخشَ الأنواع التي تعتبر دنيوية. 

 

أن تحب الأدب البوليسي غالبًا ما يكون فعلًا دفاعيًا. وأن تجد بيسوا هناك، هادئًا، صارمًا، غير معتذر، هو نوع من الإنصاف المتأخّر. لأعترف دون تردّد: أحبّ فرناندو بيسوا أكثر اليوم، لأنه وثق في العقل إلى حدّ جعله أدبًا، وثق في المتعة التي تتاح للعامة، وثق في البساطة التي تخرج كحيلة، كجريمة مفتوحة على ألف تأويل، وأعاد للأدب البوليسي شيئاً مما فقده على أيدي نُخب الأدب، معترفاً بأن السعادة، تأتي أيضاً على شكل رواية بوليسية، قدمها لها، غير مكتملة. علنا نملأ فراغ النص، وفراغ صاحبه. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث