ملفات إبستين: الفضيحة كبُنية للسلطة

علي سفرالثلاثاء 2026/02/03
Image-1770099630
ابستين مع المخرج وودي ألن
حجم الخط
مشاركة عبر

رغم أن انتهاك الأطفال والمراهقات جنسياً جريمة لا يمكن التعاطي معها بخفة إعلامياً، إلا أن المسار الذي مضت فيه عملية نشر وثائق إبستين، وكذلك ردود الأفعال عليها، يحيلنا كمتابعين إلى حالة "ترند" يجري تداول تفاصيلها بلا هدي، ومن دون احترام للضحايا، أكثر مما يكرّس الرهبة من كارثة وقعت على بشر بصمت وتواطؤ طيلة عشرات السنين

 

كما أن الأشد فداحة في ما يجري حالياً إنما هو ذلك الخلط بين الشرائح التي ينتمي إليها المتورطون مع إبستين. فهنا، في المشهد، ثمة آلة تخلط الجميع بالجميع، فيظهر أن الفساد الذي صنع هذا القبح يتوزعه مثقفون وفنانون بالقدر نفسه الذي يشترك فيه سياسيون فاسدون، وتجار بشر، ومهربو مخدرات، وسماسرة صفقات دولية، فضلاً عن حكام دول عالمثالثية.


العالم، في المشهد المتاح حالياً، أشبه بحلبات تجري فيها حفلات ماجنة، تقوم على الفحش بالجسد البشري رغماً عن أصحابه، والذين هم أطفال يتوجب ألا يخضعوا لغرائز المنحرفين. 


لكن لو أبعدنا المكبّر قليلاً عن الجزئيات، فهل سيختلف الوضع فيما لو نظرنا إلى أمكنة أخرى حول العالم، جرت فيها انتهاكات مماثلة تحت ذريعة الحروب المنفلتة، والصراعات التي يخوضها قتلة لا يوفرون، في سبيل إطاحة كينونة أعدائهم، إصابة السلالات البشرية بآفات تبيدها، أو تحطيم ذوات أفرادها بما يحوّلهم إلى هلام هش، بعدما كانوا على هيئة البشر؟


في نقد هذا التداول الفج لوثائق الفضيحة، يتضح أن المشكلة الواقعة راهناً في المجتمعات الغربية، أو الصدمة الكبرى، ليست في وقوع جرائم كهذه، بل في أنها وقعت بين ظهراني النخبة، بمفهومها الواسع، لا أكثر ولا أقل. وأن ما ظنه البعض جزءاً من الترفيه والتسلية في الأفلام السينمائية التي عالجت ظواهر الانتهاكات الجماعية، لم يكن مجرد قدح في عالم الخيال، بل هو واقع حال، حدث، وربما ما زال يحدث. 

Image-1770099717
تشومسكي يستمع لأبستين

لكن الفرق أن إبستين وجزيرته وشبكته قد سقطوا في أسر "العدالة"، بينما ينجو الآخرون من السقوط بسبب الدقة والحرص، وربما صِغر امتداد شبكة اللذات الإجرامية. بينما لا بأس، في نظر كثيرين، أن يحصل هذا الذي يثير الصخب بعيداً من العين، وبعيداً من حدود الحضارة التي يتوزع المدافعون عنها أوسمتها، فيدّعون أن ما جرى إنما هو لطخة في صفحتها البيضاء، أو حالة شاذة، رغم أن كل الحروب التي تقع في البلاد المهملة، والمرمية في آخر نشرات الأخبار، تُنتج أفعالاً تشبه ما فعله إبستين.


أسوأ ما يمكن أن تأخذنا إليه الأفكار، ونحن نقرأ عن هذه الممارسات، هو الاعتقاد بأن ثمة من يحاول محاكاة الأبشع في تاريخ السلوك البشري، بعد أن يجري تجميل المسألة من باب فرادتها، لا من زاوية كونها جريمة. 


فهنا، وعلى سبيل التداعي الذهني، لا اليقين والجزم، يمكن أن نتصور شخصاً قد استرعاه كتاب الماركيز دو ساد الشهير "أيام سدوم المئة والعشرون أو مدرسة الفجور"، التي يقوم فيها أربعة أشخاص: دوق، وأسقف، ومصرفي، وقاضي، بأسر أكثر من أربعين إنسان في قلعة، ليمارسوا فيهم أشد أنواع الفحش والتعذيب الجنسي. ثم قرر هذا القارئ أن يصنع تجربته في قلعته الخاصة! وبدلاً من أن يحصر المتعة الشاذة بأربعة مهووسين، توسّع في القصة وجعلها تفيض على شرائح متعددة من مجموعة النخبة المجتمعية. ولا يضير، في هذا المنطق، أن تختفي الفروق بين المعارف والمشتركين الفعليين في الجريمة الشائنة، طالما أن تعميم البذاءة على الجميع قد يعقّد كشفها، ويشتت المسؤولية بين الفاعلين فيها.


إذا جرى النظر إلى سلوك إبستين خارج إطار الإثارة الأخلاقية والفضائحية، فإن معناه الأعمق يتبدّى ممارسة سلطوية خالصة، مضافة إلى الانحراف الجنسي. فالجسد المنتهك ميدان اختبار للقوة، وإخضاع للإرادة، وإعادة تمثيل فجّة لهرمية عالم يعتقد فيه الأقوياء أن كل من يعجز عن الدفاع عن نفسه، أو يفتقر إلى وسائل الردع والحماية، يصبح متاحاً، قابلاً للاستخدام، وخارج نطاق الحرمة الإنسانية. 


بهذا المعنى، تصبح جزيرة إبستين مختبراً مصغراً لمنطق السلطة حين تفلت من العقاب، وحيث تتحول الامتيازات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية إلى ترخيص ضمني لانتهاك الآخر. وهذا ما يفسّر حضور أسماء من حقول متباينة في المشهد، إذ أن منطق القوة ذاته يسعى إلى تعميم الظل الأخلاقي، وتذويب الفروق بين الفاعل ومن يجاوره، بما يخفف وطأة الجريمة، ويوقف المساءلة عند حدود الفضيحة، بدلاً من دفعها إلى سؤالٍ جوهري: كيف تفكّر السلطة حين تشعر أنها مطلقة؟ وكيف يتصرّف أصحابها حين يطمئنون إلى أنهم خارج دائرة الاشتباه، وأن صورتهم العامة تضعهم دائماً في موقع القوة لا المساءلة؟


فضيحة إبستين لا تهدد الضمير العام. ما يهدده فعلياً هو الاطمئنان الذي سبقها، والصمت الذي أحاط بها، والاستعداد الدائم لإعادة إنتاجها بأشكال أكثر حذراً وذكاءً. فحين تحوز القوة الحصانة، لا تعود الجريمة خرقاً للنظام، بل أحد أشكاله المستقرة. هنا لا تُختبر الأخلاق في لحظة السقوط، بل في السنوات التي سبقت الانكشاف، حين كان العنف ممكناً لأنه غير مرئي، ومباحاً لأنه محميّ. وما لم يُفكَّك هذا التلاقي بين السلطة والإفلات من المساءلة، ستظل كل فضيحة لاحقة مجرد استعراض عابر، لا مساس فيه بجوهر البنية التي أنتجتها.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث