شارل مالك vs إدوارد سعيد (1/2)

محمد حجيريالثلاثاء 2026/02/03
Image-1770066112
كان مالك المثال الذي وجد سعيد نفسه على مدى عقود يتصارع معه ويعيشه ويحلله بالندم والحيرة وخيبة الأمل
حجم الخط
مشاركة عبر

في كتابه "المثقفون العرب والنفوذ الأميركي: إدوارد سعيد وشارل مالك وأميركا في الشرق الأوسط" يبين م.د.والهوت، الأستاذ المخضرم في جامعة سياتل باسيفيك الأميركية، أن المفكر الفلسطيني-الأميركي إدوارد سعيد نشر قبل وفاته ببضع سنوات، مذكراته عن بداياته بعنوان "خارج المكان" (1999). وفيها، استذكر علاقته بالدكتور شارل مالك، الفيلسوف ومنظّر الجبهة اللبنانية المسيحيّة اليمينيّة، الذي كان يعرفه باسم "العم شارل". (زوجة مالك، إيفا بدر، كانت ابنة عم والدة سعيد، هيلدا موسى).


في الوقت الراهن، أصبح مالك شخصية منسيّة إلى حد كبير خارج لبنان. ومع ذلك، بين العامين 1945 و1960، كان أشهر دبلوماسي عربي في أميركا وربّما في العالم. بصفته سفيرًا للبنان لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ولاحقًا كوزير خارجية لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون. كان مالك معروفًا بأنه حليف مخلص لأميركا، وناقد لاذع لإسرائيل، ومعارض قوي بل مناهض للشيوعية واليسار الدولي. كان لديه أصدقاء أميركيون في مناصب عليا، من إليانور روزفلت، التي خدم معها في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، إلى الأخوين دالاس – جون فوستر وألين ويلش - اللذين شغلا منصب وزير الخارجية ومدير المخابرات المركزية على التوالي في إدارة أيزنهاور. مثل نسيبه إدوارد، كان أستاذًا متدربًا في جامعة هارفرد قبل وقت طويل من صعوده إلى المسـرح العالمي. كطالب في الجامعة الأميركية في بيروت، تم تعريفه بدراسة الفلسفة ونما شغفه بالأفكار والمنطق والسعي الدؤوب "وراء الحقيقة". في هارفرد، درس على يد ألفريد نورث وايتهيد، عالم الرياضيات والفيلسوف الإنكليزي البارز. في جامعة فرايبورغ، درس مالك على يد مارتن هايدغر. ثم عاد إلى الجامعة الأميركية في بيروت لتدريس الفلسفة بالطريقة التي علمها الإغريق، مع دائرة صغيرة من التلاميذ ذوي التفكير المماثل، والعمل ببطء من خلال النصوص الكلاسيكية للفكر الغربي. بدلاً من أن يصبح أفلاطون أو مارتن هايدغر آخر، استجاب لنداء الخدمة العامة في أوج مسيرته الأكاديمية. 

Image-1770066540
أمام لافتاتٍ كُتب عليها شعار حزب الكتائب - "الله، الوطن، العائلة" - حثّ مالك المقاتلين على التضحية الكبرى و"الاعتراف بأنه لا يوجد ما يُضاهي لبنان في آسيا وأفريقيا"، أو حتّى "في العالم أجمع".

من كتاب "خارج المكان"، نعلم أن مالك لعب دورًا مهمًا في تطوّر إدوارد سعيد الفكري والسياسي. يتذكّر إدوارد، لقد "تعلمتُ من العم شارل جاذبية العقيدة، والبحث عن الحقيقة التي لا تقبل الشك، والسلطة التي لا تقبل الجدل. كما تعلمتُ منه أيضًا عن صراع الحضارات، والحرب بين الشـرق والغرب، والشيوعية والحرية، والمسيحية وجميع الديانات الأخرى الأقل شأناً". وفي كتابه "إدوارد سعيد/أماكن الفكر"(*) يقول المؤلف والأكاديمي الأميركي تيموثي برينان، أنّ حياة إدوارد سعيد الفكرية، تشكّلتْ على مدى ثماني سنوات أو يزيد قليلاً بالحضور الطاغي لأربع شخصيات أدّت دور المثال الذي يحتذى: الناقد ريتشارد بالمر بلاكمر والأكاديمي آرثر سوتماري في برنستون، ورائد الأدب المقارن هاري ليفن في هارفرد حيث أكمل رسالة للدكتوراه حول "جوزيف كونراد وروايته القصيرة"، وشارل مالك، وهذا الأخير كان وجوده مهماً للغاية بالنسبة إلى سعيد الشاب والطموح. هو أكثر من مجرد قريب بالنسبة إليه، ففي مواجهة آراء مالك الدينية "القاسية غير المقبولة"، وجد سعيد نفسه، على الرغم كل شيء، تلميذاً من تلامذته فكرياً، وأن اهتماماته تتشابه مع الموضوعات التي كان مالك يتناولها حينما كان سعيد يزور واشنطن وهو مراهق قابل للتأثر بمن حوله.


"مالك كان بمثابة الأب الروحي في حياة إدوارد الفكرية والسياسية - المعلم المحافظ الذي يجب أن يُقتل، رمزيًا، على يد الطالب المتطرف". ومن المفارقات أن الرجلين كانا متشابهين في جوانب عديدة. كلاهما كان مسيحيًا عربيًا، وُلد في مجتمعات أقلية في أراضٍ ذات غالبية مسلمة. تلقى كلاهما تعليمهما في مدارس أميركية، أولًا في الشـرق الأوسط، ثم في الولايات المتحدة، وحصلا في النهاية على درجة الدكتوراه من جامعة هارفرد. كان كلاهما يتقن لغات عديدة- الإنكليزية والفرنسية والعربية - ومخلصًا بشغف للثقافة الأوروبية. كان كلاهما معلماً كاريزمياً ألهم أتباعًا مخلصين بين الطلاب المذهولين. كان كلاهما مكرسًا لحياة العقل، لكن لم يستطع أي منهما المقاومة، عندما وصلت، صفارة الإنذار.

سع.jpg
"تعلمتُ من العم شارل جاذبية العقيدة، والبحث عن الحقيقة التي لا تقبل الشك، والسلطة التي لا تقبل الجدل. كما تعلمتُ منه أيضًا عن صراع الحضارات، والحرب بين الشـرق والغرب، والشيوعية والحرية، والمسيحية وجميع الديانات الأخرى الأقل شأناً"


 يقول م.د.والهوت، ازداد إخلاص كليهما لشعبهما، ولبقائهما كشعب - في حالة مالك، المسيحيون اللبنانيون؛ وفي حالة سعيد، الفلسطينيون. ندد كلاهما بالإرهاب، لكنهما كانا مستعدين لقبول العنف عندما اعتبراه ضروريًا للدفاع عن النفس الوطني أو الطائفي. في 29 أغسطس/آب 1976، ألقى شارل مالك، آخر خطاباته في سلسلة طويلة من خطابات التخرّج. إلا أن مالك لم يخاطب هذه المرة دفعةً من خريجي الجامعات، بل ثلاثة آلاف مقاتل جديد من الميليشيات، معلنين ولاءهم لحزب الكتائب اللبنانية وأهدافه في الحرب الأهلية الدولية الدائرة في لبنان. حضـر حوالي عشرين ألف مواطن الحفلة في الهواء الطلق، والذي كان أكبر حدث نظمته "جبهة الحرية والإنسان" في لبنان (FFML) منذ نيسان 1975، بداية "الأحداث" التي مزقت المجتمع في لبنان. بدأ مالك خطابه بعنوان "لماذا تقاتلون؟" قائلاً: "أمامكم يا محاربي وأبطال الكتائب، أقف وأنحني إعجابًا وإجلالًا". 

 

وصف مالك معركتهم بأنها دفاع عن النفس ضد مؤامرة ثورية خارجية عالمية. وأكد أن الهوية السياسية للبنان قد تمّ تحديدها من خلال نفورها من التخريب، والتي تشكلت في استمرارية عبر التاريخ من سفر التكوين إلى الوقت الحاضر. وأشاد بـ"سوريا الأسد" لتدخلها في ذلك الصيف - بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الأوروبية المتحالفة - لإنقاذ جبهة الحرية والإنسان من الهزيمة. أمام لافتاتٍ كُتب عليها شعار الكتائب - "الله، الوطن، العائلة" - حثّ المقاتلين على الاستعداد للتضحية الكبرى و"الاعتراف بأنه لا يوجد ما يُضاهي لبنان في آسيا وأفريقيا"، أو حتّى "في العالم أجمع". في الموعد المُحدَّد، ركعت صفوفٌ من الرجال ورفعوا تحية الذراع المُمدودة التي روّج لها الفاشيون الأوروبيون.


كان كلاهما (سعيد ومالك) فخورًا، يكره النقد، وكثيرًا ما لجأ إلى الترهيب اللفظي لمن تجرأ على التشكيك فيه أو معارضته. تشير أوجه التشابه هذه إلى أن سعيد ربما أصبح تلميذًا مدى الحياة للعم شارل. بدلاً من ذلك، أصبح الرجلان متناقضين أيديولوجيًا. ظل مالك مسيحيًا أرثوذكسيًا يونانيًا متدينًا إيمانياً، ملتزمًا بالمصالحة مع روما يلقب بـ"شارل السماوي"، وكان موضع إعجاب البروتستانت الإنجيليين"؟ شارل، المولود العام 1906 في قرية بطرام بالكورة، كان والده حبيب طبيبًا تدرب في الكلية السورية البروتستانتية في تسعينيات القرن التاسع عشر (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً)، عندما كان دانيال بلس ما زال رئيسًا لها. أما والدة شارل، ظريفة كرم، فكانت ابنة تاجر يوناني أرثوذكسي من طرابلس. كان خالها، فرح أنطون، مثقّفًا ومصلحًا انتقل إلى مصـر ليكسب رزقه من قلمه. ورغم أن شارل لم يلتقِ بأنطون، الذي توفي شابًا، إلا أنه تعرّف على شقيقته، روز أنطون حداد، التي حرّرت إحدى أوائل المجلات النسائية في مصـر. ولسنوات، التحق شارل بمدرسة في قرية بشمزّين المجاورة، حيث التقى بعفيف طنوس، زميل الدراسة وصديق العمر. لاحقًا، أُرسل كلٌّ من شارل وعفيف إلى مدرسة البعثة المشيخية للبنين في طرابلس، حيث بدآ يكتسبان الإيمان الأميركي الذي سيهتدي به بقية حياتهما. في مذكراته، تذكر طنوس أنه، وشارل، تأثرا بمعلم أميركي شاب كان يبشر بشهود يهوه. 

charle.jpg
ألهم الطلاب والزملاء على حد سواء برؤيته القوية لما سمّاه فانون "القاعدة اليونانية اللاتينية". كان له دور فعال في إنشاء قسم الفلسفة وبرنامج الدراسات الثقافية - وهو مسح للحضارة الغربية.

التحق شارل بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث درس الرياضيات والفيزياء وهاجر في خريف 1937، ثم عاد إلى لبنان تحت الانتداب الفرنسـي لتولي منصب الأستاذية في الجامعة نفسها. خلال فترة عمله من 1937 إلى 1945، ألهم الطلاب والزملاء على حد سواء برؤيته القوية لما سمّاه فرانز فانون "القاعدة اليونانية اللاتينية". كان له دور فعال في إنشاء قسم الفلسفة وبرنامج الدراسات الثقافية - وهو مسح للحضارة الغربية. قام مالك بتنمية جيل من التابعين العرب المؤثرين، بمن فيهم الصحافي والدبلوماسي غسان تويني؛ والشاعر الحداثي أحد مؤسسـي مجلة "شعر" يوسف الخال؛ ومؤسس مركز أبحاث فلسطين، فايز صايغ، وشقيقه يوسف، الخبير الاقتصادي وعضو سابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ والمؤرخ ألبرت حوراني وشقيقه سيسيل، عالم السياسة ومستشار الرئيس التونسـي الحبيب بورقيبة.  

 

ومع ذلك، لم تكن قدرة مالك على الإلهام إيجابية فحسب. وعلى الرغم من أنه كان معروفًا بأنه تلميذ مهتم به في ذلك الوقت، إلا أن المفكّر الفلسطيني هشام شرابي تذكّر تعاليم مالك في الأربعينيات من القرن الماضي باعتبارها قمّة الاستبداد. يقول شرابي: "تذكرت وأنا أستمع إليه أنواع الغطرسة وأساليب التهكم الفكري التي أخضعنا إليها خلال دراستنا في الجامعة. لم يعد يخيفني الآن، بل يثير في نفسـي الملل. أقواله وأفكاره دفاعية خالصة هدفها فرض نفسه على مستمعيه. ولم أنس حادثة، صغيرة بحد ذاتها لكنها في غاية الأهمية بمدلولها في تلك السنة، كان مكتبي في بلس هول مواجهاً لمكتبه، فجاء مرة وقال لي إنه يودّ أن يحدثني بأمر مهم. فذهبت إلى مكتبه وأغلق الباب خلفي وأجلسني في مقعد مقابل لمقعده وقال: سمعت أن مجلة "الصياد" تقول إنك ماركسي، صحيح هذه الكلام؟ ثم قال: أنا يهمني أمرك. يجب أن نتكلم في الموضوع بصراحة. الماركسي شيء غير معقول. وأنا لا أصدق أنك يمكن أن تسير في هذا الطريق". 

 

أضاف شرابي: "لم يزعجني تساؤله بقدر ما آلمني الاحتقار الذي انطوى عليه بإثارة الموضوع بهذا الشكل الأبوي المتعالي. كنت أعتقد أن علاقتنا تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، فتكشف لي أن العلاقة كانت وحيدة الجانب، تقوم من جانبه عل الاخضاع والسيطرة، ويتوقع أن تقوم من جانبي على التسليم والتبعية".(...) "في سنة 1945 غادرَنا الدكتور مالك ليصبح وزير لبنان المفوض في واشنطن. وأقمنا له قبل مغادرته حفلة... لم يخطر في بالنا آنذاك أن ما سيفعله مالك في الولايات المتحدة هو التخصص في مهاجمة الشيوعية ومدح المسيحية ودعم الحرب الباردة ليعود إلى لبنان ويصبح إيديولوجي اليمين المسيحي المتعصب".

23BOOKSAID-mobileMasterAt3x.jpg
رأي إدوارد سعيد في معلمه بدأ يتغير نتيجة لصحوته السياسية في أواخر الستينيات، حتى أصبح مالك يمثل كل ما كان يحتقره في الدين والسياسة: بدأ مسيرته العامة في أواخر الأربعينيات كمتحدث عربي باسم فلسطين في الأمم المتحدة، لكنه اختتمها باعتباره المهندس المناهض للفلسطينيين

ورأي إدوارد سعيد في معلمه بدأ يتغير نتيجة لصحوته السياسية في أواخر الستينيات، حتى أصبح مالك يمثل كل ما كان يحتقره أكثر في الدين والسياسة: بدأ مسيرته العامة في أواخر الأربعينيات كمتحدث عربي باسم فلسطين في الأمم المتحدة، لكنه اختتمها باعتباره المهندس المناهض للفلسطينيين للتحالف المسيحي مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية اللبنانية. يرى فيه "الدرس الفكري السلبي الأعظم" في حياته، وهو المثال الذي وجد نفسه على مدى العقود الثلاثة الماضية يتصارع معه ويعيشه ويحلله مراراً وتكراراً بالندم والحيرة وخيبة الأمل التي لا نهاية لها.


تخلى سعيد عن عقيدة عائلته البروتستانتية، ونبذ جميع الأديان، مدافعًا عن الثقافة الإسلامية ضد المستشـرقين المتحيزين. "اعتقد مالك أنّ اكتشاف الحقيقة من اختصاص الفلسفة، من اختصاص التأمل في طبيعة الأشياء. بينما اعتقد سعيد أنها من اختصاص علم فقه اللغة، من اختصاص التأمل في طبيعة الكلمات". بُنيت مكتبة مالك على أفكار الإغريق القدماء، وآباء الكنيسة، والوجوديين - أفلاطون، وأرسطو، وكريستوستوف، وأكويني، وكيركيغارد، وهايدغر. أما مكتبة سعيد، فكانت انتقائية، إذ ضمت مجموعة فريدة من المفكرين الأوروبيين غريبي الأطوار - جيامباتيستا فيكو، وإريك أورباخ، وأنطونيو غرامشـي، وميشيل فوكو. كان مالك محافظًا مناهضًا للشيوعية، يخشـى القومية العربية والإسلام المتطرف. أما سعيد، فقد تبنى سياسات متطرفة وحركة المقاومة الفلسطينية. "أحب مالك لبنان وأحب أميركا. لم يُحب سعيد أي أمة، مفضلًا المدن العالمية كبيروت ونيويورك على المناطق الريفية النائية. تعود أقدم ذكريات إدوارد سعيد عن شارل إلى الحرب العالمية الثانية، عندما كان شارل يمر بشقة سعيد في زياراته العرضية إلى القاهرة، حيث كانت والدته تسكن. لكن في ضهور الشوير الجبلية اللبنانية، موطن عائلة بدر، نشأت الرابطة بين إدوارد وشارل. كان البطريرك الموقر لعائلة بدر، هو جد إيفا مالك وهيلدا سعيد، القس يوسف بدر، الذي اعتنق البروتستانتية". 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث