يُفتتح في هنغار "أمم" تجهيز "يوسف فهده، قصة من ستوديوهات بعلبك". بحث وتنسيق أيمن نحلة، بوستر ألفرد طرزي، الافتتاح: 9 شباط الساعة الخامسة مساءً
هنغار أمم - حارة حريك، بيروت.
يتزامن الافتتاح مع أيّام الذكرى الخامسة لاغتيال لقمان، في لحظةٍ يُستعاد فيها المعنى بوصفه فعلَ "مراجعة"، وتُستعاد فيها الذاكرةُ الجماعيّة بوصفها مسؤوليّة معرفيّة في جميع مداراتها.
جاء في تعريف المعرض:
لا أطلالَ ولا بكاءَ ولا من يَحْزُنُونَ. كان يا ما كان ستوديو بعلبك ثُمَّ على ما تَخْتِمُ شهرزادُ قصَّةَ السِّندباد ــ "جاءَ هادِمُ اللذّات ومُفرِّقُ الجماعات"، وليس الاستشهادُ بشهرزادَ من بابِ المُلاطفةِ البلاغية؛ فستوديو بعلبك، كما صُوِّرَ للبنانيين في أيّامه وساعاتِه الأخيرة، كان، حقاً، إحدى صفحات الألفَ ليلةٍ لبنانيةٍ وليلة... ولو انَّه لا بأسَ من المُسارعةِ إلى التَّنبيه بأنَّ النِّسْبَةَ هُنا إلى لبنانَ، بأعلى معانيه تجريداً، لا إلى اللبنانيين! ولعلّ التَّذكيرَ بأنَّ إنشاءَ ستوديو بعلبك، في الستينيات من القرنِ الماضي، كان على يَدِ الفلسطينيَّيْن، رجل الأعمال بديع بولس والمَصرِفيّ الغامض يوسف بيدس، كما التَّذكيرَ بالأيادي البيضاء للإيطالي جيوردانو بيدوتّي، وللسوري جوزف فهده، وللعراقي المولد الأرمني اللبناني معاً غاري غرابديان، قتيلِ "كُلُّنا فدائيون"، ولآخرين لبنانيينَ وغَيْرَ لبنانيّين على صناعةِ السّينما في لبنانَ وعلى السّينما اللبنانية.
يَستَكشِفُ هَذا التّجهِيزُ الأرشِيفيّ هَشَاشَةَ وعُمقَ معاني البَقايا المَحفوظةِ في أَرشيفات الأفلام، مع التّركيزِ بِشَكلٍ خَاصّ على الأعمالِ الرّائدةِ والأفلامِ المَفقودَةِ التِي لم تُستكمَل. وبدلًا مِنْ مُحاولةِ إعادةِ بناءِ هذهِ الأفلام بالكامل، يَنخرِطُ العملُ في عملِيّةِ تَنقيبٍ أثريّة، يُنقَبُ فيها عن آثارٍ وإيماءاتٍ وأسماءٍ مُحِيَت أو دُفِنَت، سواءٌ عَنْ طريقِ الصّدفةِ أو عَنْ قصدٍ، في طيّاتِ التّاريخ.
يتناولُ العملُ المواد الأرشيفيّةَ كوسيلةٍ لاستعادةِ سِيرةٍ ذاتيةٍ مُجزّأة، جَامعًا بين حياةِ ومُمارساتِ وخيالِ مُخرِجٍ سِينِمَائِيٍّ لَمْ يبقَ مِنْ وجودِهِ إلّا صُوَر غيرُ مُكتَمِلَة، أو بَكَرَات تَالِفَة، أو هَوَامِش، أو إشاراتٌ مُتفَرّقة.
تُسلَّط الأضواءُ على هذهِ العَناصِر المُهمَلة مادِّيًّا، مِنْ خِلالِ التّعامُلِ المادّي مع القِطعِ الأثريّةِ ــ الأرشِيفيّةِ ومُعالَجتِها، وفِكرِيًّا، مِنْ خِلالِ تَتبُّعِ القُوى الفنيّةِ والاجتماعيّةِ والسِّياسيّةِ التي شَكّلت إنتَاجَها وأخفَتهُ.
بِذلِك، يَسعَى هذا التّجهِيز الأرشِيفيّ إلى سَدِّ الثَّغراتِ السّرديّةِ المُحيطَةِ بِهَذِهِ البَقايا المَحدُودَةِ.
تَّجهيز أرشيفي قَيدُ الإنشاءِ بِتَوقِيعِ أمم للتّوثيق والأبحاث.
يوسف فهدِه
أحد الأسماء التأسيسيّة، وإن ظلّت مهمَّشة، في تاريخ السينما اللبنانيّة والعربيّة. وُلِد في سوريا ونشِطَ أساسًا في خمسينيّات القرن الماضي، ضمن جيلٍ اشتغلَ على السّينما قبلَ أن تتبلور كمؤسّسةٍ إنتاجيةٍ أو كحقلٍ ثقافيّ واضح المعالم في لبنان. وكان فهدِه إلى حدٍّ كبير عصاميّ التكوين، وجمع بين الطموح الفني والنزعة التجريبية التقنية، معتبرًا السينما مشروعًا ثقافيًا وحِرَفيًا يمكن تطويره محليًا. وتتمثّل مُساهمتِه الأبرز في ابتكارِهِ وتجميعهِ عدسةً عريضةً محليّة الصُّنع، عُرفت لاحقًا باسم "ليبانوسكوب"، أتاحت له تصويرَ أفلامٍ بتقنيةِ السينماسكوب باستخدام معداتٍ معدّلةٍ وإمكاناتٍ محدودة.
باستخدام هذه التقنية، أخرج فيلم "لِمَن تشرق الشمس" (1957–1958)، وهو أولُ فيلمٍ عربيّ يُصوَّر بعدسة سينماسكوب، وأولُ فيلم لبناني يُختار للمسابقة الرسميّة في مهرجان موسكو السينمائي الدولي العام 1958. ثم تابع تجربته في السّينما العريضة بفيلم "في الدار غريبة" (1959). وكان مشروعه الأخير "المعلّم لطّوف"، المقتبس عن قصة قصيرة لفؤاد كنعان، عملًا طموحًا لم يُنجَز بصيغته النهائية بسبب صعوبات إنتاجية. ورغم عدم اكتماله، يعكس الفيلم توجّه فهدِه الواقعي ويشكّل علامة دالّة على مسار سينمائي انقطع قبل أوانه.
على الرغمِ من محدودية الموارد وغيابُ الدعم المؤسسي، تبقى أعمال يوسف فهدِه شاهدًا على لحظة مبكرة من تاريخ السينما في المنطقة، حين كان الفيلم يُتخيَّل ويُصنَع ويُخترَع محليًا، في مواجهة الظروف والإمكانات.
