تقدم رواية "حائكات الأزل" لبسمة الخطيب نموذجاً راقياً من الأعمال الإبداعية التي لا تُكتب بسهولة ولا تُقرأ إلا بعناية وتنبه ويقظة. ليس لأن ولادتها تطلبت عشر سنوات من الصمت، هي المسافة الفاصلة بينها وبين رواية أولى للكاتبة نفسها، بل لأنها حصيلة مغامرة صعبة وناجحة تمكنت خلالها صاحبتها من التنقل بسهولة بين زمنين: حاضر معاصر وماض بعيد، بين الواقع والخيال، التاريخ والأسطورة، يحرِّكها هاجس السؤال عن الهوية الأنثوية وما لحق بها من تشويه أنتج إخضاعاً واستتباعاً للمرأة عبر العصور.
كتابة أنثوية بعيداً من الإيديولوجيا
تحتل المرأة موقعاً محورياً في الرواية، لا بوصفها موضوعاً للسرد، بل باعتبارها فاعلاً أساسياً فيه. فهي الحاملة للذاكرة، والحافظة للخيوط، وصاحبة القدرة على إعادة الحياكة. ويمكن قراءة هذا الحضور في ضوء ما تطرحه هيلين سيكسو حول "الكتابة الأنثوية"، بوصفها مساحة لتفكيك الخطابات المهيمنة وإعادة إنتاج المعنى من منظور أنثوي مختلف. فالمرأة في "حائكات الأزل" ليست ضحية سردية، بل ذات قادرة على تحويل الألم إلى معرفة، والذاكرة إلى قوة رمزية.
بهذا المعنى تجد الرواية مكانتها في سياق الأدب النسوي متجاوزة حدود الحكاية التقليدية لتقترح رؤية جمالية وفكرية للعالم. فهي لا تنشغل بسرد الوقائع بقدر ما تهتم بكيفية تشكّلها في الوعي الإنساني، وبالطريقة التي تُعاد بها حياكة المعنى عبر الذاكرة، الفردية منها والجمعية، في مواجهة الفقد والنسيان والانكسار.
تنأى الكاتبة عن الخطاب الإيديولوجي متوسلة الرمز والإيحاء. يبدو عنوان الرواية كثيف الدلالة إذ تحيل لفظة "الحائكات" إلى فعل أنثوي جمعي، قوامه الصبر والتكرار والدقة، بينما تستدعي لفظة "الأزل" زمناً مطلقاً، سابقاً على التحديد التاريخي، ومفتوحاً على اللانهائي. هكذا تضعنا الرواية أمام تصور للزمن لا بوصفه خطاً متقدماً، بل نسيجاً مركّباً، تُعاد صياغته باستمرار، وتتشابك خيوطه بين الماضي والحاضر والممكن. ولعلنا نجد في استعارة الحياكة، واستعارة بيت العنكبوت مفتاحين أساسيين لقراءة هذا العمل السردي الذي تقدمه صاحبته بصفته نسيجاً معقدّا تتشابك فيه الرموز والمعاني كما تتشابك خيوط بيت العنكبوت. فالحياكة، بما تنطوي عليه من تشابك وتداخل، تتحول إلى صورة مجازية لبنية السرد نفسه، حيث تتقاطع الخيوط وتتباعد، لكنها تظل جزءاً من نسيج واحد.
في البنية الروائية ورمزيتها
تقوم بنية الرواية على حبكة مزدوجة، إذ تتجاور فيها حكايتان ظاهرياً منفصلتان: الأولى تدور حول شخصية ندى، والثانية حول المرأة الصمّاء البكماء. غير أن هذا التجاور لا يقوم على مبدأ التوازي السردي، بل على علاقة عميقة من التماثل والتقابل والتكامل الدلالي، ما يجعل الحبكتين تتداخلان وظيفياً داخل بنية واحدة ذات دلالة رمزية كثيفة: ندى تمتلك اللغة والقدرة على تسمية الألم وروايته، بينما تُحرم المرأة الصمّاء البكماء من الصوت، لكنها تمتلك حضوراً جسدياً وذاكرياً كثيفاً.ويمكن القول إن ثنائية الصوت والصمت تشكل العمود الفقري للعلاقة بين الحبكتين. غير أن الصمت هنا لا يُقدَّم بوصفه نقصاً أو عجزاً سردياً، بل بوصفه بنية دلالية قائمة بذاتها، تشير إلى أن بعض التجارب الإنسانية، ولا سيما تلك المرتبطة بالصدمة والفقد، والتي تتجاوز حدود اللغة ولا يمكن الإفصاح عنها بالكلام.
كما تعمل الحبكتان وفق علاقة مرآوية واضحة؛ فندى ترى في المرأة الصمّاء البكماء انعكاساً مكثفاً لما لا تستطيع هي نفسها قوله أو الاعتراف به. ومن زاوية نسوية، يمكن قراءة هذا التوزيع الحبكي بوصفه تفكيكاً لمراتب الصوت داخل المجتمع. فالمرأة الصمّاء البكماء تمثل أقصى درجات التهميش: امرأة بلا صوت، حرفياً ورمزياً. ومع ذلك، تمنحها الرواية حبكة كاملة وحيزاً دلالياً مستقلاً، في إعادة اعتبار واضحة للخبرات النسائية الصامتة والمقصاة. في المقابل، تمثل ندى المرأة القادرة على الكلام، لكن هذا الكلام يظل ناقصاً من دون استدعاء الصمت الآخر الذي يكمله ويكشف حدوده.
تغدو استعارة الحياكة أداة بنيوية لربط الحبكتين؛ فكما تُحاك الخيوط المختلفة في نسيج واحد، تُحاك الحبكتان داخل بنية سردية واحدة، من دون أن تذوب إحداهما في الأخرى. إن التناوب والتقاطع بين الحبكتين يخلقان إيقاعاً خاصاً، ويُبقيان القارئ في حالة وعي دائم بالعلاقة بين الصوت والصمت، بين التعبير والكتمان. وفي المحصلة، لا تقوم العلاقة بين حبكتي ندى والمرأة الصمّاء البكماء على الازدواج السردي، بل على التكامل البنيوي والدلالي. إنهما معاً تشكّلان قلب الرواية، وتعبّران عن رؤيتها العميقة للأنثى خصوصاً بوصفها كائناً موزعاً بين ما يستطيع قوله وما يُضطر إلى عيشه في الصمت.
قراءات متعددة
لا بدّ من الإشارة، أخيراً، إلى أن هذه الرواية تحتمل قراءات متعددة تبعاً للمنفذ الذي ندخل منه إلى عالمها المركّب والمعقّد والغني بالإحالات المعرفية ما يكشف عن مخزون ثقافي ثري، وعن جهد مثمر لصياغتها بلغة مشغولة بعناية تميل إلى الشعرية من دون إسراف، وتعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح. فقد برعت الكاتبة في الموازنة بين الجملة المكثفة والصورة الدالة، بحيث تأتي اللغة في خدمة المعنى، لا بوصفها غاية جمالية مستقلة. بناءً عليه يمكن القول إن "حائكات الأزل" تمثل إضافة لافتة إلى السرد العربي المعاصر، لما تنطوي عليه من وعي فني ورؤية فكرية متماسكة تسهم في الكشف عن خصوصية الحضور الأنثوي في العالم.
