القنيطرة ليست "مدينة شركسية" بالمعنى العرقي الضيق، لكنها صارت في أواخر العهد العثماني المركز الشركسي الأوضح داخل سوريا، ثم تحولت بعد 1967 إلى ذاكرةٍ جماعية وجرحٍ سياسي، وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن "عاصمة شتات شركسي" مفهوماً إذا قصدنا الشركس السوريين خاصة، لا الشركس في الشرق الأوسط كله.
تاريخ المكان يبدأ من الجغرافيا قبل الأسماء: منطقة الجولان القريبة من دمشق، الخصبة جداً، كانت لمدد طويلة تُرى في المصادر العثمانية ومدونات الرحالة كحيّزٍ طرفي غير مستقر، تُستخدم أراضيه كثيراً كمراعٍ للقبائل المحلية المتناثرة والبدو، وفيه قِلّة استيطان ومشاكل أمن، وهو ما يفسّر لماذا جذبت المنطقة الدولة العثمانية كمختبرٍ للضبط والسيطرة عبر الاستيطان المنظم. دراسة أكاديمية حديثة عن الشركس في سوريا العثمانية* تذكر صراحة أن قضاء القنيطرة كان مفضلاً للاستيطان الشركسي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، وتربط ذلك بخصوبة الأرض وقربها من دمشق عاصمة الإقليم، وتقول إن الشركس أسسوا في القضاء 12 قرية كبيرة وأن بعثة "غوتهليب شوماخر" في الجولان عام 1888 قدّمت وصفاً تفصيلياً للقرى الشركسية، وأن المركز الإداري وُضع في القنيطرة نفسها. في هذه اللحظة التاريخية تظهر حقيقة أنها أي القنيطرة ليست فراغاً مطلقاً، لكنها أيضاً لم تكن مدينةً مكتملة قبل موجة الاستيطان تلك؛ كانت نواة/ تجمعاً صغيراً على تخوم طرق ومسارات ومراعٍ، ثم جاءت سياسة الدولة لتصنع "مركزاً" من هذا الهامش، لأن القنيطرة تقع على عقدة طبيعية بين دمشق والجولان والحدود الجنوبية-الغربية، وبقرب أراضٍ قابلة للزراعة يمكن تحويلها إلى اقتصاد منتج، وبما يسمح للدولة أن تزرع جماعاتٍ مرتبطة بها على خطوط تماس مع قوى محلية (قبائل، بدو، نزاعات ريفية) وتحت عين الإدارة.
لا شخصية واحدة بمسمّى مؤسس القنيطرة كما في أساطير المدن؛ الذي اتخذ القرار هو جهاز الدولة العثمانية (السياسة السكانية والأمنية والإدارية)، وعمّرها اللاجئون الشركس أنفسهم ضمن منطق استيطان جماعي: حرب القفقاس انتهت بكارثة 1864، ثم تتابعت عمليات التهجير وإعادة التوطين، وصولاً إلى موجات كبيرة باتجاه المشرق في سبعينات القرن التاسع عشر. هنا يدخل العامل الشركسي بقوة: ورقة بحثية عن "التراث الشركسي في سوريا"(*) تشرح أن الاستيطان في المشرق كان جزءاً من سياسة عثمانية أوسع: منع تدفق اللاجئين إلى المدن، منح أراضٍ ومواد بناء وإعفاءات ضريبية من أجل تنمية أوسع خارج الحواضر، وتوطين جماعات على خطوط استراتيجية. وتذكر أن الشركس في سوريا تركزوا بصورة ملحوظة في الجولان، وأنهم أكملوا فبنوا 16 قرية في الجولان واستقروا أيضاً في بلدة القنيطرة الصغيرة، وأنهم أدخلوا الزراعة إلى أراضٍ كانت تُستخدم للرعي، وطوّروا النقل والتجارة بإدخال عربات كبيرة العجلات وإعادة تفعيل مسارات طرق قديمة بين دمشق والجليل، ما جعل قراهم ذات أهمية جيوسياسية متنامية.
فالمنطقة الممتدة جنوب غربي دمشق ينطلق طريق منها جنوباً ويتم تخديمه وحمايته بعدد من الخانات، منها خان الشيح، يليه، مسافة سفر يوم، واحد خان أرنبة، ومن ثم ننطلق جنوباً في الجولان إلى خان الجسر أو خان بانياس، القنيطرة تتوسط هذا الطريق وهي تبدو بشكل من الأشكال امتداداً أو ضاحية جديدة لخان أرنبة التي هي عبارة عن محطة سفر قديمة. فكانت مركزاً إدارياً يضبط محيطاً واسعاً من القرى الجديدة ويكون أقرب إلى نقطة تقاطع حركةٍ تجارية وعسكرية وزراعية، والقنيطرة بالذات صارت تُرى كمركزٍ تُبنى حوله شبكة قرى، لا مجرد قرية بين قرى؛ وحتى في الاقتباس الذي تنقله دراسة "سابانجي" عن "شوماخر"، يَظهر الفرق بين "مكانٍ متسخ خارج التاريخ" و"مكانٍ مُدار" عبر إشارات النظافة وتنظيم الشوارع والعربات الشركسية، أي أن الدولة كانت ترى في هذا الاستيطان مشروع تمدين لأرض تُصنَّف مهملة.
نواة المشروع السكاني كانت الشركس الواصلين كضيوف للدولة العثمانية بعد مذابح العقد السادس من القرن التاسع عشر في القوقاز على يد الجيش القيصري الروسي، وهم بهذا الإطار مُعاد توطينهم قسراً بعد اقتلاعهم من أرضهم عنوة، توسعت لاحقاً البنية البشرية والاقتصادية حولهم ومعهم، وتفاعلت مع محيط محلي من بدو وفلاحين وتجمعات ريفية ضمن صراعات وتحالفات، لكن النقطة الشركسية هنا هي أنها ليست مهاجرين أفراداً ذابوا فوراً، بل استيطان شبكي بقرى متجاورة يحافظ على لغة وعادات وأنماط بناء، ويخلق حيّزاً شركسياً واضح الحدود والثقافة.
العثمانيون صاغوا السياسة واختاروا الجغرافيا وكرّسوا المركز الإداري، لكن الشركس بنوا القرى والبيوت والحقول حرفياً، وأدخلوا تقنيات وأدوات نقل (العربات) في بيئة قيل إن أهلها لم يألفوا المركبات ذات العجلات في أنماط الإنتاج وإدارة الموارد، وشاركوا فيما بعد في إنتاج عُمران يُرى كعلامة على انتقال المنطقة من مراعٍ غير مستقرة إلى مجال زراعي-إداري. ثم تأتي مرحلة التعامل مع القنيطرة كعاصمة للشتات الشركسي، الورقة نفسها تقول جملة شديدة الدلالة: إن القنيطرة كانت قد أصبحت العاصمة الثقافية والاقتصادية للشركس في سوريا، وتقدّر أن نحو 16 ألفاً كانوا يعيشون في المدينة والقرى المحيطة بها. هذه ليست عبارة سريعة، بل توصيفاً وظيفياً: مدينة مركز تحيط بها قرى متلاصقة نسبياً، ما يسمح بمدارس وعلاقات مصاهرة ونوادٍ ومناسبات وذاكرة مشتركة وشبكات نفوذ محلية. ومن زاوية الإدارة أيضاً، يظهر اسمٌ يمكن تثبيته تاريخياً ضمن من قام بها ومن أدارها فالدراسة تشير إلى انخراط الشركس في الإدارة المحلية بالقنيطرة، وتذكر أنه في 1885 ظهر أول شركسي في مجلس الإدارة بالقنيطرة حين عُيّن "محمد بك" نائباً للقاضي، ثم تتبع أدواراً إدارية أخرى وتشكّل شبكة جندرمة وإدارة جعلت الشركس جزءاً من جهاز الحكم المحلي لا مجرد سكان.
هنا بالضبط تتكون "عاصمة" بمعناها الاجتماعي: ليس لأن فيها قصراً، بل لأن فيها كثافة مؤسسات وشبكات وقرار محلي. نصل بعدها لسنة 1967 لتفعل ما تفعله الحروب حين تلمس الهوية: تقتلع المكان من وظيفته اليومية وتحوّله إلى رمز. الورقة تؤكد أن حرب حزيران 1967 أدّت إلى تهجير الشركس مرة أخرى من بيوتهم، وأن الجيش الإسرائيلي جرف قرى كثيرة، وأن مدينة القنيطرة لم تُعد بناؤها حتى بعد عودتها إلى السيطرة السورية عقب حرب تشرين 1973، وأن الشركس صاروا نازحين داخلياً إلى دمشق أو مهاجرين للخارج، مع ذكر موجة انتقال إلى الولايات المتحدة (باترسون – نيوجيرسي) في السبعينيات والثمانينيات. بعد أن كانت عاصمة ثقافية-اقتصادية للشركس في سوريا، صارت عنواناً لفقدان المكان ولتشتت العائلة الممتدة، أي أن "المدينة" اتسعت كهوية لا كحجارة. وبقيت بعد ذلك نقاط ارتكاز شركسية في الجولان ضمن الجزء الخاضع لسوريا، يمكننا تسمية قريتين بوضوح: بير عجم وبريقة، وأن القريتين كانتا تؤويان نحو خمسة آلاف شخص بحلول 2011 وتعملان كمقصد لنشاطات ثقافية شركسية، قبل أن تتعرضا لموجات تهجير جديدة خلال الحرب السورية.
في القنيطرة ما قبل تهجير 67، نستطيع تمييز حي الشركس بوضوح كأحد أكبر أحياء المدينة، وكان جامع الشركس يقع في قلب ما كان يُعرف محليًا بـحي الشركسي أو حي القبرطاي وهي تعني حرفيًا حي "القبرداي"، أي المنسوبين إلى قبرداي أو قبردا، وهي إحدى كبريات المجموعات القبلية الشركسية في شمال القوقاز. ويُقدَّم المسجد في شهادات باحثي الجولان على أنه بُني فوق مسجدٍ صغير شاده الشركس في الأشهر الأولى من قدومهم ثم أُعيد بناؤه لاحقًا بالحجر البازلتي الأسود، كما تُشير مصادر محلية إلى أن بناءه تم في نهاية القرن التاسع عشر بمشاركة الشركس وبعض سكان المدينة العرب. أمّا جامع الداغستان فقد شُيّد على يد أهالي المدينة قرابة عام 1925، وبقي علامةً دالّة على حي الوافدين الداغستان من شمال القفقاس ضمن نسيج المدينة.
وتبرز المدرسة كأداة ثانية للاندماج والنمو، فالدولة كانت ترى في التعليم وسيلة تمدين لسكان الأطراف، وأن خطابها لم يضع الشركس في خانةٍ مختلفة تماماً عن جيرانهم فجميعهم، في منظور الدولة، يحتاجون إلى دعم معرفي وربط باللغة والإدارة. فافتتحت في القنيطرة أول "مدرسة رشدية" في الجولان سنة 1881، وبحلول 1885 كان في القنيطرة مدرسة رشدية ومدرستان ابتدائيتان، ثم تذكر الأطروحة وجود مدرسة للبنات في القنيطرة سنة 1887 هي الوحيدة في حوران وقتها بعدد 25 طالبة. بهذا الشكل نشأت القنيطرة وهكذا انتهت. فهي مدينة وُلدت على الطريق ومن الشتات معًا، ثم جُمِّدت قسراً خارج الزمن. إعادة التفكير بها اليوم ليس فعل حنين، بل سؤالًا معرفياً وسياسياً عن معنى إعادة الإعمار، وعن حق المكان في أن يُستعاد بوصفه تاريخاً حياً لا مجرد أطلال مُدارة.
A GLIMPSE INTO THE WORLD OF MUHAJIRS: CIRCASSIANS IN*
OTTOMAN SYRIA (1864-1910)
