العثماني الأخير في مواجهة سايكس-بيكو

بشير البكر الاثنين 2026/02/02
Ottoman_Sultan_selim_III_1789.jpg
السلطنة العثمانية
حجم الخط
مشاركة عبر



كتاب "الجيل العثماني الأخير وصناعة الشرق الاوسط الحديث" عمل صدر حديثا ضمن "سلسلة ترجمان" عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، والتي تندرج، حسب تعريفها، في رسالتة الفكرية ونشاطه العلمي، لتعريف قادة الرأي، والنخب التربوية والسياسية والاقتصادية العربية الى الانتاج الفكري الجديد، والمهم خارج العالم العربي. وقام بالترجمة إلى العربية الكاتب والباحث والمترجم المصري أحمد سالم، المتخصص بالتاريخ العثماني.


عمل ضخم من تأليف الباحث مايكل بروفانس، استاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة كاليفورنيا سان دييغو. الكاتب متخصص في التاريخ العربي في القرن العشرين، وسبق له أن أصدر كتاب "الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية"، نقله إلى العربية وسام دودار وصدر عن دار قدمس عام 2013. والذي درس فيه الثورة السورية عام 1925 من جديد، مفندا التأويلات الكولونيالية وبعض الكتابات العربية التي تناولتها ضمن السياق الاستعماري على أنها انتفاضة طائفية حرض عليها الاقطاعيون الدروز المتضررون من السياسات الاقتصادية، وتستهدف المسيحيين بشكل خاص.


يقول الكاتب في مقدمة الطبعة العربية لكتابه إن فكرته ولدت في دمشق وبيروت وحلب، من اجل استعادة سيرة العرب العثمانيين، حياتهم وصراعاتهم وتجاربهم. واللافت هنا هو أن الكاتب لا يتبنى وجهة النظر حول الدولة القومية في الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار، بل ينحاز لتلك التي يعتنقها ما يصفهم بالعثمانيين السابقين الذين رأوا ان التقسيمات والتنظيمات الحاكمة في فترة ما بعد الدولة العثمانية كانت أوضع مكانة، واقل حرية وتمثيلا مما حدث من قبل.  


كرس الكاتب الأميركي عمله الذي صدر بالانكليزية عام 2017 لرواية قصة الزوال البطيء لنظام العالم الي امتد قرونا وشمل عدة اقطار، ولقراءة وفهم تراكمات قرابة أربعة قرون حكم فيها العثمانيون أجزاءً واسعة من العالم العربي، ويركز فيه على منطقة الشرق الاوسط، وذلك في إطار منهجي يقوم على ثلاثة ركائز، الأولى هي الترابط بين نهاية العهد العثماني وبداية مرحلة الحكم الاستعماري، التي تمت على اساس اقتسام منطقة الشرق الاوسط وفق اتفاقية سايكس بيكو. الثانية هي آلية تبلور الهويات الوطنية. والثالثة هي تشكل النزاعات التي ستطبع القرن العشرين.


شخصية الضابط العثماني التي أنتجتها المدارس الحديثة في السلطنة التي كانت قد بدأت التراجع، هي التي يتناولها الكاتب، ليقدم صورة بانورامية عن الجيل الأخير من هؤلاء الذين شهدوا هذا الحدث الدراماتيكي، ويسلط الضوء على كيفية تمكين مجموعة من الرجال من نقل الإرث العثماني، ويتحدث بإسهاب عن الدور الذي لعبه هؤلاء الرجال ومساراتهم، وذلك لرسم خريطة طريق لتهجي وفهم الأحداث السياسية التي هزت الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين. ويقوم بذلك بالاعتماد على عدد من المصادر المتنوعة، كالسير الذاتية العربية، والوثائق الدبلوماسية الفرنسية والإنكليزية، ووثائق الانتداب، ومن ذلك يقف على مصائر العراق وسوريا وفلسطين الناشئة. كما يتناول اضطرابات الإمبراطورية العثمانية.


يأخذ الكتاب إطاره المرجعي ليس بولادة شيء جديد، بل بموت شيء قديم ومتطور، ويتبع هيكلا زمنياً وموضوعياً، يفصل أحيانا بين الأحداث المحلية والدولية. يُمهّد الفصل الأول الطريق لظهور جيل جديد تلقى تعليمه في النظام التعليمي العثماني. وكل ما تعلموه وفعلوه جعلهم يعتقدون أنهم الأوصياء الرئيسيون على الدولة العثمانية وسلطانها وشعبها المسلم، وهنا يُركز الكتاب على تبني الجيش للحداثة مع وصول السلطان عبد الحميد الثاني الى الحكم عام 1876، ثم على سلسلة من الشخصيات التي تُوضح كيف حدث اختلاط إمبراطوري داخل الأكاديميات العسكرية، ومن هؤلاء العراقيان الشقيقان ياسين وطه الهاشمي ابنا مختار بغداد. درس الأكبر ياسين مع مصطفى كمال اتاتورك، والسوري يوسف العظمة ابن حي الميدان الدمشقي، الذي بلغ رتبة اميرلاي في الجيش العثماني في زمن قياسي بعمر 34 عاما، والمصري عزيز علي الذي تصدر الصف، كما يتطرق إلى اللبناني فوزي القاوقجي ابن مدينة طرابلس اللبنانية صاحب الدور المشهود في قيادة جيش الانقاذ في فلسطين.


يُعيد الفصل الثاني النظر في نهاية الإمبراطورية في الحرب العالمية الأولى، مُركزًا على الولاءات المُعقدة للضباط العرب خلال الصراع، حيث عاد شكيب ارسلان إلى اسطنبول، وقبل كل من ياسين الهاشمي ويوسف العظمة العمل مع الأمير فيصل بن الحسين في دمشق عام 1919.


ويُظهر الفصل الثالث "خسارة الحرب والتصدي للتسوية"، وتشكل الشرق الاوسط ما بعد العثماني، وكيف أصبح الضباط المُسرّحون مُنظمي انتفاضات محلية أو مُتحدّين للنظام الاستعماري الناشئ. وذهب شكيب ارسلان وموسى كاظم الحسيني ورشيد رضا الى سان ريمو والمشاركة في مجريات معاهدة "سيفر" بصفتهم مندوبين عن المؤتمر السوري الفلسطيني. وحضر وفدان مصريان، أحدهما يمثل حزب الوفد، والآخر يمثل الحزب الوطني الموالي للعثمانيين. وداخل كل دولة ناشئة، قاد أحد الضباط العثمانيين الحركات السياسية المُؤيدة للسلطات الأوروبية أو المُعارضة لها. وأصبح النموذج التركي، الذي قاد فيه رفاقهم العسكريون السابقون التجديد الوطني، هو السائد لديهم.


ويتناول الفصل الرابع آثار الحرب من منظور جيوسياسي، ويُناقش دور عصبة الأمم بدقة. واسنادها الانتداب على سوريا وفلسطين والعراق، ومؤتمر لوزان عام 1922 الذي قنن ولادة جمهورية الاناضول المستقلة، التي مثلها العسكري الكردي عصمت اينونو، ويظهر أن دروموند الأمين العام للعصبة في جنيف رفض استقبال وفد القدس وموسى كاظم، واستقبلهم نائبه، وكانوا يرغبون بمعرفة موقف العصبة من الانتداب البريطاني على فلسطين، ورد عليهم بأنه لا يملك معلومات حول الأمر.


ويركز في الفصلين الأخيرين على التراجع التدريجي للجيش وصعود الأنظمة الدستورية. وهكذا، تُعتبر الثورات الأخيرة في ثلاثينيات القرن العشرين بمثابة النهاية المُدوية لهؤلاء المقاتلين، الذين استنفدوا قواهم في حرب العصابات الفلسطينية، أو هلكوا، أو ذهبوا إلى المنفى. يختتم المؤلف روايته بوفاة ياسين الهاشمي، بطل القومية العثمانية ذي الصبغة العسكرية.


موضوع الكتاب على درجة كبيرة من الأهمية فقد تتبع الكاتب مسار عدد كبير من الشخصيات في مرحلة تاريخية انتقالية عبرت فيها منطقة الشرق الاوسط من حال الى حال، في وقت تغيرت فيه جذريا أوضاع دول كبرى وفق نتائج الحرب العالمية الأولى، وخاصة تركيا، روسيا، المانيا، كما تم فيها بسط هيمنة جديدة على المنطقة العربية من خلال اقتسام اراضيها وفرض الانتداب على سوريا الطبيعية والعراق.


لم يقتصر العمل على تتبع مصائر الشخصيات العثمانية العربية وحدها، بل التركية والأجنبية من بريطانية وفرنسية والمانية واميركية، وحتى روسية وسويسرية في فترة تشكيل عصبة الامم عام 1922 التي لعبت دوراً اساسياً في تشريع الانتداب الفرنسي البريطاني، وتجاهلت حقوق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها. كما أنه لم يركز فقط على العسكريين الذين يحتلون مساحة أساسية، بل يولي السياسيين عناية خاصة.


من أهم إيجابيات الكتاب أنه يُغطي جميع الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية، ويتناولها بنفس المعايير والمنهج. وقد بذل جهداً كبيراً في اختيار الشخصيات وتتبع التفاصيل الخاصة بكل منها من النواحي كافة، وهذا من شأنه أن يساعد الباحثين والمؤرخين المهتمين بدراسة المراحل اللاحقة، فالعديد من الشخصيات التي درسها تركت خلفها ارثا ساهم بتحديد مسارات تشكيل الشرق الأوسط.


كتاب بروفانس عن الثورة السورية عبارة عن أطروحة لنيل درجة الدكتوراة من جامعة شيكاغو. وهو من أفضل الكتب عن الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، بناء على مراسلات ومذكرات قادتها السوريين والوثائق الفرنسية، ويضيء جوانب مختلفة من تاريخ الثورة وعلاقات وخلافات قادتها مع بعضهم ومع الأحزاب السياسية السورية مختلفة عن السرد الرسمي التقليدي، إضافة إلى تطور الوعي بالهوية السورية في بدايات تشكلها. الذين أدركوا ان الثورة ضد العثمانيين، وتقسيم سوريا والاحتلال الفرنسي.


تمكن الكاتب من تقديم عملين مهمين يتسمان بالدقة والموضوعية، كونه عاش ودرس على مدى سنوات في العديد من بلدان الشرق الأوسط، وخاصة سوريا ولبنان بين عامي 1998 و2006. أمضى فترات طويلة في دمشق، حيث درس في جامعة دمشق، وفي بيروت، وعمل أستاذًا مساعدًا زائرًا في قسم التاريخ والآثار بالجامعة الأميركية في بيروت، كما كتب العديد من المقالات حول الشرق الأوسط في أواخر العهد العثماني والاستعمار في أوائل القرن العشرين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث