من مونستر إلى اللاذقيّة: متلازمة "قلم الحمرة"

أسعد قطّانالأحد 2026/02/01
Image-1769927904
ناتالي بيكار
حجم الخط
مشاركة عبر

 

يوم الإثنين الماضي، الواقع فيه السادس والعشرون من كانون الثاني/يناير، حلّت الأخت ناتالي بيكار (Nathalie Becquart) ضيفةً على جامعة مونستر، وألقت محاضرةً بعنوان "المجمعيّة والمسكونيّة: الاحتفال بإرث مجمع نيقية (325) في سبيل تعزيز مسيرتنا المشتركة". بيكار اسم لمع في الآونة الأخيرة. هي تعمل حاليّاً في أمانة سرّ مجمع الأساقفة الكاثوليك في الفاتيكان. وقد أتت جامعة مونستر في إطار المحاضرة المسكونيّة السنويّة، وذلك بدعوة مشتركة من الكلّيّتين اللاهوتيّتين الكاثوليكيّة والإنجيليّة.

 

استهلّت الضيفة كلامها ببعض العبارات الألمانيّة، مشيرةً إلى أنّها تعلّمت هذه اللغة "الجميلة"، لغة غوته وكانط وهيغل، في المدرسة. لكنّها لا تقوى على إلقاء محاضرة فيها. لذا، ستستعيض عنها بالإنكليزيّة. الفرنسيّون حزينون حين يتكلّمون بلغة غير لغتهم، وتحسّهم مجروحين لكون هذه اللغة، التي كان ينطق بها العالم برمّته، عادت شبه هامشيّة إذا ما قورنت بالإنكليزيّة التي اجتاحت الدنيا. شدّدت بيكار على أنّها ليست لاهوتيّةً بالمعنى الأكاديميّ الصرف، وأنّها تستشعر شيئاً من الرهبة حيال ثلّة الاختصاصيّات والاختصاصيّين المحيطين بها. بيد أنّ المحاضرة اتّسمت بالهدوء والاتّزان والنقاش الموضوعيّ. ولم يشعر الحاضرون بالفجوة بين لاهوت أكاديميّ وآخر يرتبط مباشرةً بالمؤسّسة الكنسيّة.

 

تطرّقت المتكلّمة إلى خبرة مجمع الأساقفة الذي أطلقه البابا فرنسيس، رحمه الله، في تشرين الأوّل/أكتوبر 2021 وامتدّ على ثلاث سنوات. امتاز هذا المجمع بحضور العلمانيّات والعلمانيّين (والكهنة) فيه حضوراً لافتاً، وبما تمتّعوا به من حقّ التصويت على قاعدة التساوي مع الأساقفة، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة. كذلك اتّصف المجمع بأنّ البابا فرنسيس تبنّى توصياته ذات الطابع الاستشاريّ تبنّياً كاملاً وبلا تحفّظ. أطروحة المحاضرة الأساسيّة أنّ المجمعيّة في الكنيسة تعمّق المسكونيّة، أي روح التقارب بين الكنائس، وأنّ المسكونيّة الحقّ تفضي إلى تعزيز الروح المجمعيّة، والكلمة الأجنبيّة (synodality) ذات الأصل اليونانيّ تحيل على السير جنباً إلى جنب والمسيرة المشتركة. وقد حاولت المحاضِرة أن تربط هذا كلّه بمجمع نيقية، وهو بشهادة المسيحيّين جميعهم المجمع العامّ الأوّل في تاريخ الكنيسة، وقد سنّ دستوراً للإيمان يتّفق عليه الجميع إذا ما تمّت تلاوته في صيغته الأصليّة.

 

لم يكن للمتكلّمة أن تتجنّب الملاحظات النقديّة على كلامها، ولا سيّما أنّها جنحت إلى إبراز محاسن المسيرة المجمعيّة في الكنيسة الكاثوليكيّة متجنّبةً الخوض في ما تطرحه من أسئلة معلّقة. لعلّ إحدى أبرز هذه المسائل وأخطرها قضيّة النساء. اعترفت المتكلّمة بأنّ القضيّة شائكة، وقادرة على بذر الشقاق في الكثلكة، مضيفةً أنّ حدود الاختلاف في الرأي حيال شمّاسيّة النساء (وكهنوتهنّ) ليست بين المؤسّسة الكنسيّة من جهة، والنساء من جهة أخرى، بل تخترق الكنيسة أفقيّاً. قوام الحجّة، إذاً، أنّ ثمّة أساقفةً (وبابوات؟) يقبلون وآخرين يرفضون، وأنّ هناك نساءً مع الفكرة ونساءً ضدّها. كذلك حسبت بيكار أنّ القضيّة ليست لاهوتيّة، بل ثقافيّة بالدرجة الأولى. وأوحت أنّه بالنظر إلى مدى الاختلاف في الرأي حيالها، فإنّ من الأفضل للكنيسة الكاثوليكيّة إبقاءها معلّقةً في الوقت الراهن حفاظاً على وحدتها، وريثما تنجلي الصورة. فضلاً عن ذلك، حاولت المتكلّمة التقليل من أهمّيّة المسألة على المستوى العالميّ عادّةً أنّ قضيّة النساء الأولى في عالم اليوم العنف ضدّ النساء، لا موضوع الشمّاسيّة والكهنوت.

 

من السهل فهم موقف الراهبة الفرنسيّة وتفهّمه. لكنّ هذا لا يبدّل من أنّ نزعتها إلى تقديم وحدة الكنيسة، أو المؤسّسة الكنسيّة من باب أولى، على السؤال عن الحقيقة لا تنسجم مع المقاربة التي اعتمدها مجمع نيقية. فمن المعروف أنّ ديدن هذا المجمع كان البحث عن الحقيقة، وأنّ حقبة ما بعد المجمع اتّسمت بشقاقات عديدة في جسم الكنيسة. بكلمات أخرى: هل حقّ النساء في الشمّاسيّة والكهنوت متأصّل في معموديّتهنّ أم لا؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، يصبح رفض كهنوت النساء حفاظاً على وحدة الكنيسة حقّاً يراد به باطل. يضاف إلى ذلك أنّ حضور العوامل الثقافيّة لا يلغي أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة كرّست ربط الكهنوت بالرجال حصراً في نصوص لاهوتيّة يشقّ عليها حتّى اليوم إعادة النظر فيها.

 

في غمرة التفاعل مع محاضرة ناتالي بيكار، راحت تتناهى أخبار سوريّة عن محافظ لاذقيّة العرب، الذي اتّخذ قراراّ بمنع ماكياج النساء (من دون تحديد ماهيّته) في الوظائف والدوائر الرسميّة. فانبرت السوريّات الشجاعات إلى الدفاع لا عن حرّيّتهنّ في التبرّج فحسب، بل عن حرّيّتهنّ بالمطلق، عبر إطلاق حملة "قلم الحمرة" على وسائل التواصل الاجتماعيّ. إنّ حكاية الرجل مع المرأة محورها قلقه حيال هذه البئر العميقة التي اسمها المرأة، وخشيته من أن تنافسه البئر على السلطة وحكم العالم والقبض على فضاءات الحياة والموت. فتجده يسعى إلى ترويضها والسيطرة عليها بوسائل شتّى، بدءاً من حرمانها من المراتب الدينيّة العليا وصولاً إلى التحكّم بجسدها وقلم حمرتها. لقد أحسنت الراهبة بيكار حين رأت أنّ قضيّة النساء في عالم اليوم ليست لاهوتيّةً بالدرجة الأولى، أي إنّها لا تتأسّس على الدين والغيبيّات، ولو استُخدمت هذه أداةً للتبرير والقمع. والحقّ أنّ متلازمة الرجل في علاقته بالمرأة وقلم حمرتها ليست ثقافيّةً عموماً، بل سيكولوجيّة على وجه الخصوص، ولها اسم واحد: الخوف.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث