الاسم إسماعيل أحمد ومختصره كما هو شائع عنه "إش"، اسم بحرفين اقترن بأفعال حقيقية ملموسة وآثارها الآنية والمستقبلية تعكس نجاح جالية ناهضة."إش" علامة فارقة في تأريخ هذا النجاح، هو من المساهمين به بفعالية وبصمت، كون خدمته للشأن العام جزءا من بنيته. ولد في بروكلين ونشأ كمصري ولبناني ويمني في محيط من الإسبان والإيرلنديين وانتقل بعمر السادسة إلى جنوب شرق ديربورن (ديكس) قرب مصنع الروج، في محيط سكني لا يتجاوز ميلين مربعين ولكن غني بتنوع سكانه الذي وصل إلى إثنين وخمسين قومية من مختلف العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
مشاركته لمعاناة الأسر العمالية العاملة في أكبر مجمع صناعي في العالم ونضالاتهم، ضد التمييز العنصري والقمع البوليسي، وانخراطه لتنظيمهم وضمهم لاتحاد عمال السيارات (إذ كان عاملا على خط التجميع في الروج)، وتعرضه منذ يفاعته للفكر التقدمي (الماوي والماركسي) ولِكمٍ من التجارب الإنسانية، كل ذلك حفر عميقا في وجدانه، فتولدت شخصية تُقدر التنوع الثقافي والإنساني، وتطمح لنهوض تقدمي مفعم بشعور أممي بالتعاضد مع حركات التحرر العالمية والمعارضة لحربي كوريا وفيتنام والداعمة للشعب الفلسطيني، إسماعيل كان منخرطا ومشتبكا بشكل يومي في خضم هذه الصراعات وهذا ما عزز تجربته التنظيمية فوظفها أيضا لمساعدة المهاجرين الجدد، خلفيته اليسارية اختصرت المسافة للتواصل البناء بينه وبين مكونات الأقليات الأخرى، بالأخص مع الأفارقة واللاتينو.
"نحن لسنا ما نقول بل ما نفعل" قول يجسد مسيرته التي ابتدأت مع حفنة من اليساريين والتقدميين اللبنانيين والفلسطينيين واليمنيين، فبادرت بإنشاء المركز العربي للخدمات الاجتماعية والاقتصادية (أكسس) عام 1973 وكان إسماعيل واحدا منهم، بغيابه اليوم لم يبق سوى القليل، فطول العمر لأقرانه، تطور هذا المركز من محل متواضع مجهز بكرسي وطاولة مكتب وطاولة بينغ بونغ للتسلية، إلى اكبر مؤسسة عربية اميركية يعتد بها ومتوجة بأول متحف عربي أميركي، والوليد الآتي هو مركز النقاهة لمكافحة الإدمان على شارع ميشيغان أفيينيو- ديربورن والذي سيفتتح هذا العام ويضاهي أهم المراكز المشابهة على الصعيد الوطني. إسماعيل كان مديرا للمؤسسة الأم أكسس لأكثر من عقدين، ونجاحها لا ينسب لجهود فرد بل لكل أعضاء البورد و لتعاضد أبناء الجالية على دعمه، وهنا لا يمكن التغاضي عن دور الراحلة عليا الحسن وهي جدة إسماعيل ومربيته، مولودة في ولاية سوث داكوتا وأصلها من بلدة القرعون، وناشطة متمرسة في تنظيم الحركات العمالية (قابلت الرئيس عبد الناصر بالخمسينات مع وفد من ميشيغان). انتقالها للسكن في ديربورن بعد التقاعد سمح لها بالبدء كمتطوعة في المركز فساهمت أيضا في تشكيل نموه، إثر تعاظم تدفق المهاجرين إلى نفس المكان. إدارة إسماعيل لاحقا لهذه المؤسسة وَلَدَ جذورا وأجنحة. ليصل عدد موظفيها لأكثر من 400 وفي عدة مواقع بعدة مدن.
إِش مكافح شجاع وناشط لا يتهيب المواجهة مسلحا بعقلانية وثقافة دون عقدة نقص امام السائد، فكان أول من عارض ونظم معركة التصدي لسياسة المايور هبرد التي حاولت التخلص من العرب في جنوب شرق ديربورن وكان اول من تصدى للشركات الملوثة للهواء في تلك المنطقة فأُجبرت على تركيب مصافي نفث العوادم، كان إش محاربا على عدة جبهات فهو القيادي المعروف لليسار في الحزب الديموقراطي، دوره ببروز هذا الجناح حاليا يدل على سعة أفقه وبعد استشرافه، وهو أول عربي أميركي يتسلم حقيبة الشؤون الصحية والإنسانية (عشرة آلاف موظف/ة) في حكومة جنيفرغرانهولم في ولاية ميشيغان بميزانية تفوق 4 بلايين دولار. ولإهتمامه وولعه بالموسيقى أسس إش عام 1993 مهرجان الألحان السنوي والذي يقدم ألوانا متنوعة وعالمية في أكبر مهرجان موسيقي جماهيري، إضافة لتقديمه لبرنامج موسيقي أسبوعي على إذاعة دبليو دي إي تي. شغل إسماعيل مناصب في مجالس منظمات أهلية عديدة لخبرته وتفانيه في خدمة مجتمعه فعين عضوا في المجلس الوطني للفنون وهذا لا يتم بدون موافقة مجلس الشيوخ .
إش المتواضع، الحي، النجيب سيفتقدك الجميع عند افتتاح مركز النقاهة بعد عدة أشهر، أرقد بسلام أيها المناضل الجسور.
