"بوغونيا" يورغوس لانثيموس.. عالم يحكمه الجنون

محمد صبحي الأحد 2026/02/01
Image-1769927186
'بوغونيا'.. العالم سيركاً للقسوة والجنون
حجم الخط
مشاركة عبر

في فيلم "بوغونيا"، يغوص يورغوس لانثيموس مجددًا في أوهام البشرية المعاصرة، بروحه المعتادة الحرّة والساخرة والجريئة. هذه المرة، يعتمد المخرج اليوناني على مادة أجنبية - فيلم "أنقذوا الكوكب الأخضر" (2003)، الفيلم الكوري الجنوبي الشهير للمخرج جانغ جون هوان - معيداً صياغته كوميديا ​​سوداء جامحة، وهجاءً ساخراً، وأمثولة عن نهاية العالم.

 

نقطة البداية لافتة بقدر ما هي مُوحية: مُربّيا نحل عازبان، يؤمنان بنظريات المؤامرة، ومقتنعان بأن الأرض على وشك الفناء على يد كائنات فضائية متسلّلة، يختطفان الرئيسة التنفيذية لشركة أدوية نافذة (تُجسّد دورها إيما ستون، في رابع أدوارها تحت إدراة المخرج اليوناني) ليقينهما أنها ليست بشرية وأنها تُخطط لتدمير الكوكب بإبادة النحل أثناء خسوف القمر. تتحوّل الفكرة الأساسية، التي تبدو مستمدة من نظرية مؤامرة على موقع "ريديت"، تحت إشراف لانثيموس إلى تمرين في الأسلوب والجنون المحكوم، يحتضن العبث دون أن ينحدر إلى السخافة. إنها مواجهة بين شكلين مُختلفين من الشرّ لا يجد المتفرّج سبيلاً لفهمهما.

يُظهر ستون وجيسي بليمونز - اللذان سبق لهما بطولة فيلم لانثيموس السابق "أنواع اللطف" (2024) - مرة أخرى تنوّعهما بأداءٍ مُخلص ومُتطرّف، ولكنه مُعاير بدقّة. يتحرّك كلاهما بسلاسة في قصّة تمزج بين الدماء والكوميديا ​​السوداء، والإثارة والخيال المُغامر، في مزيج نوعي يتطلّب مُخاطرة ودقّة.

 

من الناحية البصرية، يمثل فيلم "بوغونيا" نقلة نوعية ملحوظة: روبي رايان، مصوّر لانثيموس المُعتاد، يخفف هنا من استخدام العدسات المُشوهة، ويركّز على التناقض بين عالمٍ منظّم ومستقيم وبارد (عالم الشركات) والفوضى القذرة والعضوية وغير المتوازنة لمنظّري المؤامرة. هذا التوتّر البصري، المتجلّي في المواجهة بين البطلين عبر قفزات محورية مستمرة، يُبرز نقد سرديات القوة/السلطة والتلاعب والحاجة الماسّة لإيجاد معنى - أو إلقاء اللوم - في عالمٍ يزداد غموضاً.

من فيلم "ناب الكلب" (2009) إلى "أشياء مسكينة" (2023)، استكشف لانثيموس بوضوحٍ مثير للقلق الطبيعة البشرية وقدرة الرجال والنساء على التسبّب في معاناة الآخرين. يأخذ "بوغونيا" هذا المنطق إلى أرض الهذيان الجماعي: لا نظام أكثر عبثية من نظرية المؤامرة، ولكنه بليد في تفسير ما لا يمكن تفسيره. في هذا السياق، يصبح الفيلم مرآة غريبة للحاضر: عالم تكون فيه الحقيقة قابلة للتفاوض، والعلم مشكوك فيه، وقد تكون نهاية العالم مجرد كسوف... أو شيء أسوأ بكثير.

 

في أفلامه الأخيرة، يسلك لانثيموس منعطفاً عبثياً ليغوص في جوانب تتجلّى فيها معالم الواقع أحياناً بشكلٍ أوضح، ومع كلّ فيلم، ينأى بنفسه قليلاً عن الخيال. إن جاز التعبير، يشقّ لانثيموس طريقه بشكلٍ مباشر أكثر فأكثر نحو حقائق واقعنا. أم أن الأمر على العكس، وأن عالماً متزايد الانفصال قادم لملاقاته؟" فيلمه الجديد، على أي حال، مُهدى إلى العالم الحقيقي، الذي سئم عصرنا، ومُنظّري المؤامرة، ومُبشّري انعدام الثقة في العصر الرقمي الأخير.

 

بعد النجاحات النقدية والتجارية لفيلمي "المفضّلة" (2018) و"أشياء مسكينة"، يؤكّد "بوغونيا" بقاء المخرج اليوناني على نهجه. تظلّ أفلامه مزعجة، يصعب تصنيفها، وواضحة بشكلٍ ماكر. يعود إلى مجالٍ مألوف: تصوير الطبقات الاجتماعية المُتباينة، وخلق عالمه الخاص، واستكشاف قسوةٍ مُعيّنة. بمساعدة سيناريو ويل تريسي، الكاتب السابق لبرنامج "الأسبوع الماضي هذا المساء مع جون أوليفر"، والخبير في تحليل الأغنياء والنافذين (مثل مسلسل "خلافة"، وفيلمي "قائمة الطعام"، و"النظام")، يُحقق "بوغونيا" سخرية لا هوادة فيها، فكاهية ومقلقة في آن واحد. ومرّة ​​أخرى، تتألق إيما ستون في قلب هذه الفوضى.

 

إيما ستون، المرتبطة وثيقاً بلانثيموس وتُنتج أفلامه أيضاً، تبرع في أداء دور رائدة الأعمال المختطفة التي تحافظ على رباطة جأشها كسيّدة أعمال معتادة على تحقيق ما تريده. تلفظ بطلاقة مصطلحات تجارية متلاعبة مثل "الفهم" و"التنوع" و"الاستعداد للتفاوض". تردّ على حجج خاطفيها المتعلّقة بالكائنات الفضائية بقولها: "أفهم وجهة نظرك، وأختلف معك باحترام". لكن حتى هذه اللهجة الجديدة لا تستطيع هدم جدار الحجج الملتوية لمُصدّقي الأخبار الكاذبة. الكلمات ملتوية، واللغة عاجزة. أجواءٌ مُرعبة في هذا الفيلم، الذي لا يختلف كثيراً عن الواقع العامّ، حتى ليبدو، في الأخير، أن مُنظّري المؤامرة ومليارديرات التكنولوجيا قد تقاسموا العالم فيما بينهم لفترة طويلة بما فيه الكفاية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث