تحت عنوان " كأني بنيتُ كوكباً"، يعرض مازن خدّاج، لدى LT Gallery (بيروت، مار مخايل)، مجموعة من الأعمال يقارب عددها الـ25، ذات موضوعات تتمحور حول المشهد الطبيعي. نُفذت المجموعة بتقنية الأكريليك على القماش، وتتراوح أحجامها بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة.
يشير عنوان المعرض إلى أن ما أنتجه الفنان يخرج عن إطار النهج الكلاسيكي في معالجة المشهد الطبيعي. هذه المقاربة، غير الملتزمة بتقاليد أكاديمية، لم تعد تدعو للإستغراب، كما كانت عليه الأمور في الماضي. ولو سبرنا أغوار هذا الماضي، لقلنا إن المنظر الطبيعي لم يحتل سوى مكانة ثانوية في الأزمنة القديمة، على اعتبار أن لوحات المناظر الطبيعية، من خلال وجهة النظر حينذاك، تنتمي إلى عالم الجماد، أي إلى عالم "الأشياء الميتة والجامدة".
في تلك الأزمنة، تم النظر إلى رسام المناظر الطبيعية على أنه "يحاكي جمالًا عاجزًا عن بلوغ الكمال. فهو لا يعمل إلا بالعين واليد. ولا يكاد يكون للعبقرية دور في عمله، أو ربما لا دور لها على الإطلاق"، على ما يشير الكاتب والناقد الألماني غوتهولد ليسنغ (1729- 1781). ونظرًا لافتقارها إلى الشرعية الأخلاقية أو الدينية أو العلمية، فإن لوحات المناظر الطبيعية لا يمكنها في أحسن الأحوال إلا أن تدّعي غرضًا زخرفيًا ونفعيًا. وفي العام 1771، أوصى يوهان سولزر في كتابه "النظرية العامة للفنون الجميلة" بإنشاء مجموعات من لوحات المناظر الطبيعية، أشبه بـ"عالم مصوّر" يُمكّن المرء من اجتياز أبعد الأراضي والمناطق الخيالية في لحظة، ومن دون مغادرة الغرفة.
أمّا في التفسير الضيّق لمفهوم المحاكاة، فتُصبح لوحات المناظر الطبيعية، التي تُعدّ المجال الأمثل لتمثيل الطبيعة، بديلاً سهلاً من العالم الحقيقي، نسخة لا تتفوق عليه إلا في كونها غير واقعية، أي "تكرار" للكون، من دون قسوته. وباعتبارها "طبيعة محمولة" بسيطة، فإنها تسمح، كما لاحظ الكاتب والشاعر الألماني أوغست فيلهلم شليغل، "بالتأمل في المناطق الجبلية من دون الحاجة إلى مواجهة قساوة المناخ أو تسلقها بنفسك". وفي الممارسة الاجتماعية للذوق نفسه، فالحماس للمناظر الطبيعية، الذي كان جلياً في ألمانيا وفرنسا في القرن الثامن عشر، ينبع غالباً من اهتمام توثيقي. "يطلب المرء رسم المناظر الطبيعية كما يقرأ كتب الرحلات"، فقد لاحظ شليغل أنه في مطلع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكن من غير المألوف أن يصطحب المسافرون الأثرياء فنانًا معهم إلى إيطاليا لرسم المناظر الطبيعية التي يصادفونها بسرعة، مثل غوته الذي أحضر معه رسام المناظر الطبيعية كريستوفر كنيب خلال زيارته مدينة نابولي، وصارت هذه الرحلة محطة بارزة في مسيرة الفنان.
إذا كنا قد استطردنا إلى هذه الناحية التاريخية، فمن أجل تبيان ما بلغه المنظر الطبيعي من مكانة في عالمنا الفني الحديث والمعاصر، تختلف جذرياً مع النظرة التي سبق إيرادها. إضافة إلى ذلك، ابتعد المنظر الطبيعي، شيئاً فشيئاً، عن المحاكاة المباشرة، وصار عرضة لأهواء الفنان وتطلّعاته الفنية. لقد عمد مازن خداج، في هذا الإطار ومن خلال معرضه الحالي، إلى تبسيط عناصر الطبيعة، من حجر وماء وجبال ووديان، بحيث يصبح كلٌ من هذه العناصر في عمله التشكيلي لوناً وإشعاعات ضوئية. على هذا الأساس يخلق خدّاج، مجازياً، عالماً موازياً يرتكز إلى تجميع هذه العناصر ضمن نظام مختلف، بحيث تكوّن في مجموعها عالماً جديداً.
لا شك في أن هذه المجموعة التي يعرضها خدّاج إنما تستقي مصادرها مما لمحته عيناه من مشاهد ليست بقليلة يمكن مصادفتها في بلدنا، وذلك في أمكنة مختلفة، وحتى عند أي زاوية. مشاهد تختزنها الذاكرة أطيافاً وانطباعات تبقى في الذهن، كي يعمد الفنان إلى صوغها بالطريقة التي تتناسب مع أسلوبه. أسلوب يلجأ إلى مساحات لونية كبيرة وصافية من حيث طبيعة العمل على ألوانها، فهو يفيد بأنه: "بدلًا من تصوير المشاهد مباشرةً، فإنه يُترجم كتصفية لعناصرها، وكأنها تطفو على السطح من خلال الذاكرة والحساسية والتجربة المعاشة". ومن هذا الوضوح المبسط سيبتكر الفنان طريقة تجزئة الأسطح إلى أوجه تأخذ الضوء بشكل مختلف، وتعيد تكوين الأحجام في مجملها.
في أعمال مازن خدّاج تصبح المناظر الطبيعية مُستبطنة، وتتشكل جوهريًا بحضور الفنان الجسدي وحالته النفسية. مع مرور الوقت، يبدأ ما رُصد بالاستقرار في الجسد. تتحول مشاعر الثقل والاتساع والهدوء إلى مصادر قوة. وإذا ما نُظر إلى الطبيعة على حقيقتها، إنطلاقاً من المبدأ نفسه، فإن المنظر الطبيعي المرسوم لا يعود آلةً للنظر والتشويه، بقدر ما هو فضاء حسي، يُعيد تنشيط ذاكرة كيفية تقديم ما يشبه الواقع لنا في شكل متباين. وإذا كان هناك عمل فني، فلن يكون في التمويه، بل في تجلي العالم الحسي في جوهره، وفي طبيعته المعطاة، قبل أن تُغطيه قوة المادة. إن المستويات المختلفة للمنظر الطبيعي، بعيدًا من كونها تشير إلى بناء استبدادي يتخلص به البشر من الطبيعة بترتيبها في وجهات نظر متتالية، تسمح لنا بأن "نشعر"، وهو مصطلح حاضر في كل مكان وزمان.
وإذ لا تُصبح المناظر الطبيعية، في جوهرها، نوعًا من الاستنساخ العلمي للعالم، من خلال اتخاذها طابعاً وثائقياً أميناً ودائماً، فربما سعى خدّاج إلى تجاوز الحدود الطبوغرافية، عبر توسيع الرؤية في العمق والمدى إلى بُعد "كوني"، مُؤكداً على تباين عناصر مُعينة (الرياح، والغيوم، والماء، والضباب، والإضاءة غير المألوفة). ولذلك، تُصبح المشاهد الطبيعية استعارةً خيالية، وتقود المُشاهد من مُتعة الهروب من عالمه المألوف، أو إعادة زيارة ما يعرفه بالفعل، إلى القلق الناجم عن الغموض والمجهول، بالرغم مما قد تُوفره المناظر الطبيعية من شعور بالأمان، مُرتبط بتمثيل الحديقة المُسيّجة، على سبيل المثال، أو شعور بالقلق الناجم عن غياب الحدود. وأخيرًا، ففي العقود الأخيرة، أثارت هذه الظاهرة أيضًا جاذبية وقلقًا لدى العديد من الفنانين، وكان أفلاطون، ذات عصر، أول من سجل نقدًا، أكد فيه على الوظيفة التخيّلية للمناظر الطبيعية، وليس على مجرد وظيفتها التوثيقية.
(*) يستمر المعرض حتى 10 شباط 2026 في غاليري LT ، بيروت – ما مخايل
