"تعايش، يا للهراء!": كوميديا إسرائيلية بالعربية

شادي لويسالسبت 2026/01/31
Image-1769840624
تحمل الكوميدية الإسرائيلية نوعم شوستر إلياسي، اسماً عربياً هو نعمة،
حجم الخط
مشاركة عبر

تحمل الكوميدية الإسرائيلية نوعم شوستر إلياسي، اسماً عربياً هو نعمة، اسماً يناديها به أصدقاؤها الفلسطينيون والعرب تحبباً. تتقن نوعم أو نعمة، اللغة العربية بلهجة فلسطينية، لا تشوبها سوى لكنة خفيفة يمكن التغاضي عنها بسهولة. في صغرها انتقلت مع والديها اليساريَين إلى قرية "واحة السلام" الواقعة على طريق تل أبيب-القدس، حيث تتعايش العائلات الفلسطينية واليهودية جنباً إلى جنب. وهناك تعلمت العربية، وشبّت إلى جانب صديقات عربيات، من بينهن رنين، والتي تلقي بشأنها واحدة من نكاتها: "رنين تشبه جيجي حديد، وأنا أبدو إلى جانبها مثل أحمدي نجاد"، وتجدر الإشارة هنا إلى أنها تتحدر من أصول إيرانية من جهة الأم، ورومانية من جهة الأب.


تلقي نوعم نكاتها بالعبرية والعربية والإنكليزية، لكن شهرتها الأكبر حققتها في العالم العربي، حيث أثارت في العام 2019 جدلاً واسعاً بسبب مشهد كوميدي بالعبرية عبّرت فيه عن رغبتها في الزواج بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان. ولاحقاً وبعدها بثلاثة أعوام نالت أغنيتها "دبي دبي، لو كل العرب زي دبي" انتشاراً واسعاً بين الناطقين بالعربية. 

على تلك الخلفية، تعود المخرجة اللبنانية الكندية، أمبر فارس، لتجعل من نوعم مرة أخرى الموضوع الرئيسي لفيلمها الوثائقي، "تعايش، يا للهراء!" (2025). كانت فارس قد أخرجت فيلماً وثائقيا قصيراً عن نوعم في العام 2021، بعنوان "التفكير مع الضحك" ومن إنتاج قناة الجزيرة الإنكليزية. ولعل الفيلم الأخير هو تكملة لسابقه الذي انحرف عن مساره بسبب سوء حظ يبدو وكأنه يلاحق نوعم. فتتبعها في الفيلم الأول أثناء إقامتها الفنية في إحدى كليات جامعة هارفرد الأميركية، قاطعه وباء كورونا الذي أرغمها على الرجوع إلى إسرائيل. وهناك أصابتها العدوى واحتُجزت في مشفى مع إسرائيليين وفلسطينيين صاروا جمهوراً لعروضها الكوميدية. أما الفيلم الأخير الممتد على فترة زمنية بطول خمسة أعوام، فيقاطعه هجوم السابع من أكتوبر ومن بعده الإبادة الإسرائيلية في غزة. 


من ناحية، يقدم "تعايش، يا للهراء" سردية مطروقة كثيراً بشأن دور الضحك في إماطة اللثام عن الحقيقة، أو فتح العيون على ما تسميه هي "الفيل في الغرفة"، أولاً الاحتلال الذي ينكره مواطنوها، وثانياً "الجينوسايد" المُتباهى به والمُنكر في آن. لكن إلى أي حد يمكننا الضحك بينما تجري المذبحة في الخلفية بلا توقف؟ تناقض نوعم هذا الفهم السحري لأثر الضحك السياسي، وتشير إلى زملائها الذي يقدمون عروضاً كوميدية لوحدات الجيش، أي أنهم يسخّرون الضحك في خدمة الإبادة. إذاً، لا شيء جذرياً في الكوميديا بشكل مطلق. 


في طفولتها، كانت "فتاة البوستر" أو الوجه الدعائي ليوتوبيا التعايش النموذجية، في "واحة السلام"، (الاسم نفسه يؤكد استثنائية المكان، خارجه صحراء قاحلة من رمال الابرتهايد). وعملت لاحقاً في مشروع للأمم المتحدة لم يُكتب له الاستمرار باسم "إنتر بيس" لتعزيز ثقافة السلام بين المتشددين الإسرائيليين. في المقابل تبدو كوميديا نوعم تكفيراً عن سذاجة وَهمِ التعايش، فلا تعايش من دون مساواة، بحسبها، وعن نبذ لـ"بيزنس السلام" كما تسميه في حوار لها مع وكالة "رويترز". لكن عملها، في المقابل، يبدو تجسيداً حياً لإمكانية التعايش، ونحن نراها تلقي إحدى نكاتها في مهرجان للكوميديا الفلسطينية: "أعدكم سأكون هنا لمدة 70 دقيقة فقط، وليس لـ70 عاماً"، وفي الوقت ذاته نرى جمهورها الفلسطيني غارقاً في الضحك. 


ذلك الالتباس لا يمكن فضّه، نوعم تحتل موقعاً مقلقاً وغير مريح، كما الكوميديا. هي "الخائنة" لشعبها كما تدعوها نائبة في الكنيست، وهي الإسرائيلية، وإن كانت تشير إلى نفسها بـ"اليهودية المولودة في إسرائيل"، وهي أيضاً قدمت برامجها الكوميدية عبر قناة "مكان" الإسرائيلية، المملوكة للدولة والموجهة للجمهور العربي. بشكل حاد، تدرك نوعم امتيازاتها، وهي تقول إنه من المؤسف أن الجمهور (الغربي) سيصدقها هي كونها يهودية، فلماذا لا يصدقون الفلسطينيين حين يقولون الكلام ذاته. ويجرّنا ما تقوله هنا تحديداً إلى السؤال: إن كان التعايش غير ممكن من دون مساواة، فهل الكوميديا ممكنة من دونها؟ 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث