يفتتح الفرنسي فرانسوا نودلمان كتابه الرائع "عبقرية الكذب" بعبارة للهولندي إيراسموس (1466- 1536) وردت في كتابه "مديح الحماقة" تقول، "إن عقل الإنسان مُعدّ كي يفتتن بالكذب أكثر بكثير من افتتانه بالحقيقة".
على الرغم من المثالب التي غالباً ما ترتبط بالكذب فأن تاريخ البشر السياسي والعسكري والديني والاجتماعي يحفل بكم هائل من الوقائع التي تأسست على الكذب ولعل كتاب "مختصر تاريخ العالم في 50 كذبة" لناتاشا تيد يشكّل معلماً حيال تأصّل الكذب في الأحداث البشرية الكبرى والتي رسمت مجمل التاريخ البشري منذ مئات بل آلاف السنين. أما في عالم الأدب وفيما يتعلّق بكاتب هو واحد من كتّابي المفضلين في دنيا الأدب، فإن الكذب هو الواقعة التي أسستْ مشروعه الكتابي. إنه الإورغوياني إدواردو غاليانو الذي يخبرنا في "صياد القصص" أن معلميه الأساسيين في عالم السرد وكتابة القصص هم أولئك الرجال العجائز من رواد المقاهي حيث الكذب يشكّل محور أحاديثهم، وحيث الذاكرة التي تقتات على ما يقع خارج إمكانات الحدوث.
يكتنز العالم الكتابي وباللغات كافة، كمّاً هائلاً من الكتب التي تطرقتْ إلى الكذب بالسلب أو بالإيجاب وربما الأجدر بالذكر في هذا السياق كتاب "ضد الكذب" (contra mendacium) للقديس أوغسطينوس وكتاب "الكذاب النزيه" للوقيانوس السميساطي (214- 312) حيث ذلك الجدل التاريخي بين أن يُبرر الكذب أو أن يكون محل نقد بصرف النظر عن أسبابه. أما في تراثنا العربي فقد يكون ما بثّه قدامة بن جعفر الذي عاش في بغداد بين العامين 889 و948 في كتابه "نقد الشعر" دعوة مهمة لإعادة النظر في الكذب باعتباره مثلبة، حيث يقول: "أحسن الشعر أكذبه"... وهل أهم من الشعر في دنيا العرب.
غالباً ما يلبي الكذب حاجة العيش أو حاجة الفرار المؤقت أو الدائم حيث الكلمات عندئذ هي توليفة من الخيال والواقع بل هي أقرب إلى فعل تواطؤ بين الغاية المبتغاة من وراء الكذب من جهة والأمل بالفوز من جهة أخرى وربما هو ما يتطابق مع دعوة الكتّاب لأن يتمتعوا بعبقرية شريرة عمادها الأول هو إجادة الكذب، وقد يكون هذا الأمر هو ما حدا بغابرييل غارسيا ماركيز للقول بأن كل شيء مباح للكاتب إذا استطاع أن يُقنع القراء.
أما في عالم الفلسفة فلم يكن فريدريك نيتشه رحيماً بالمرة عندما رأى أن صورة الإنسان الغربي هي مجرد توليفة من الكذب تقوم على استعارات الإغريق من جهة والتراث اليهودي المسيحي من جهة أخرى وهو – دائما بحسب نيتشه – ما أدى إلى تجذر كذبة تقاس عليها كل الحقائق الإنسانية الأخرى في العالم الروحي والأخلاقي والميتافيزيقي للغرب، ولن أتوسّع في كلام نيتشه أكثر على الرغم من مغريات هذا التوسّع ومن يريد من قرّاء هذه المادة الغوص في هذه النقطة النيتشوية فليرجع إلى كتاب "تاريخ الكذب" للإسباني خوان خاثينتو (وليس كتاب "تاريخ الكذب" لجاك دريدا) حيث ذلك التتبّع الرائع للذة وقوع البشر في أوهام تاريخية تقوم على الكذب بالدرجة الأولى وليس من باب الصدفة أن يكون هذا الكاتب الإسباني الشاب (هو من عمري تحديداً) قد افتتح كتابه الشيّق بعبارة تقول، لا مراء أن الإنسان قد جُبل على الكذب، وقد استعارها من أحد المؤرخين الأفاضل.
نعم، إن تاريخ الجنس البشري – وكما يرى هذا المؤرخ الفاضل، الكسندر كوبرييه – يشهد على الحقيقة التالية: يا لروعة الكذب عندما يهيئ دروب الطمأنينة وراحة البال ويا له من مثلبة عندما تتحوّل حقائقه – حقائق الكذب!! – إلى شروط للآلام والحسرة. إنما، وإذا أدرنا أن نكون نيتشويين إلى أقصى الحدود فإن كل ضروب الكذب مرفوضة، إذ كما عيّط هذا الفيلسوف في كتاب "هوذا الإنسان" بجهر الصوت وعليائه: "المنحطون في حاجة إلى الكذب لأنه أحد شروط بقائهم"... ويا لكثرة المنحطين إذن في هذا العالم.
بالنسبة لمن يتوسلون الكلمات بغية بقائهم في هذا العالم – كحال الكتّاب مثلاً – فإن روعة الكذب تكمن في تلك المراوحة الشيقة للكلمات بين التراخي إلى حد الهلهلة من جهة والشدة وقسوة كلمات الكذب ومتانتها من جهة أخرى. إن الكلمات في هذا السياق المدهش إنما المضطرب تكفّ عن كونها مجرد أداة إخبار مثلاً أو وسيلة للدردشة والقيل والقال بل تراها – ترى الكلمات – في هذه الحالة أقرب إلى وتر مشدود يتراقص الناس فوقه تماماً مثل قرود السيرك.
ليس الكذب بالواقعة البرّانية على الإطلاق كما يحاول أن يوهم أهل الأخلاق من الذين هم الأمهر في استدعاء الكلمات الكاذبة، إنما الكذب هو في بعض مراميه أداة شفاء أو أداة "زميطة" من وعورة لا تني ترسم دروبنا فوق صفيح العالم المتّقد وكم كان الشاعر النرويجي هنريك أبسن عبقرياً عندما برر بعض الكذب ولا سيما لدى تحوّل هذه الكذبة أو تلك إلى ما أطلق عليه أبسن صفة "كذبة العمر". فـ"كذبة العمر" تنفي كل إمكانات العيب التي قد تصادر الأخلاق إذ قد تسمح هذه الكذبة للإنسان أن يتحمّل عبء الحياة وفجوات دروبها.
إن الضرورات التي تسوق المرء إلى التمسّك بـ"كذبة العمر" تُخرج الكذب – حسب أبسن – من بوتقة العيوب الأخلاقية ليتحوّل إلى وسيلة قد تجعل الحياة ممكنة وفي هذا الصدد لم يتوان هذا المسرحي النرويجي عن القول في "البطة البرية": "إذا منعت المرء من كذبة العمر، فقد منعته في الآن نفسه من أن يكون سعيداً". ومن النافل أن أبسن ليس الوحيد في عالم الأدب ممن قد مهدوا سبل الكذب فنياً، إذ فضلاً عن غاليانو وماركيز اللذين قد مر ذكرهما فإن دوستويفسكي ولا سيما عبر شخصية ستافروغين كما صاغها في رواية "الشياطين" يجعل الكذب أداة استنفار كل الحواس بغية الخلاص... الكذب على الآخرين من الأقربين والأبعدين، الكذب على الله والشيطان وصولاً – وهم الأهم – الكذب على الذات.
لست أدري إذا ما كانت مواقف كل من هؤلاء الكتّاب حيال الكذب ومندرجاته في حياتنا اليومية صدى لعبارة وردتْ في كتاب القديس أوغسطينوس المذكور أعلاه، يقول أوغسطينوس: "الإنسان حيوان كاذب"، ومن له في هذا الصدد أن يتنكّر لوجاهة هذا القديس المعنوية أولاً ثم الأدبية؟ وربما هي الوجاهة عينها التي ساقت مارك توين إلى القول إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يحمّر خجلاً، وعليه أن يحمر، وذلك على خلفية قناعة توين أن الكذب عنصر جوهري من عناصر الشخصية البشرية.
لا داعي للقول إن هذه المادة ليست دعوة لتبرير الكذب على الإطلاق إنما من السذاجة بمكان أن يتوارى المرء خلف مقولة أن الكذب ليس بالواقعة المتأصلة فينا كأفراد وكجماعات. وفي ما يتعلق بالجماعات تحديداً ليس من باب العبث أن يجمع جملة من المؤرخين على القناعة التي تقول أنه إذا كان الجميع يقول الحقيقة للجميع، فسوف تنشب الحروب سريعاً.
إن ذلك الصراع الذي تستدعيه المراوحة بين الصدق والكذب هو صراع يحفر بجذوره في أعماق التاريخ. وبالعودة إلى "عبقرية الكذب"، ليست تلك الصورة الصنمية لعظماء العالم في شتى المجالات وعند كل شعوب الأرض إلا تبن لوهم هائل، لحقيقة مخادعة، لالتباس فضفاض حيال العلاقة مع الماضي وناسه وكلها أمور تنطوي بالعمق على متعة الانصياع للكذب. فحتى الأمة، كل أمة في هذا العالم، هي بنهاية المطاف- كما يرى إلى الأمر إريك هوبسباوم - مجموعة من الناس توحدها أكاذيب مشتركة كثيرة...
إن كرّ الأيام وتواليها فوق الرؤوس والعيون والأفئدة، تمهّد كل السبل إلى بلورة الحقائق إلا أن جلّ هذه الحقائق تراها بالعمق تعكس وجوه متعددة الملامح والرؤى والنبرات، وغالباً ما ينطوي اقتفاء أثر هذه الحقائق على تبني كذبة من هنا وأخرى من هناك. فلا حقيقة في هذا العالم "التفنغاية" لها القدرة على حصر الذات في أفق بعينه ولعل الكذب في هذا السياق يستبطن تلك الرغبة الغامضة في أن يكون المرء أسيراً لانتماء واحد أو لشخصية بعينها. كان كيركيغارد يقول إنه يتجسس على نفسه عبر عديد أسمائه المستعارة. شأن كيركيغارد، لكل منا دربه الخاص في أن يعيش الاستعارات التي يتبناها وفي أن يعدّل ذاته أو يدشنها ببدايات جديدة، باستعارات مبتكرة. إنما، ما لا يجب أن يغيب عن البال في هذا الصدد هو أن الاستعارة التي وردت في عبارة كيركيغارد هي كذبة مؤدبة شأن كل استعارات العالم... فكذبوا، كذبوا، ولا يهمّكم... فحتى وجودنا في هذا العالم هو مجرد كذبة سريعة.
