صدر عن دار كنعان "كتاب سرّ ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية" لماجد كيالي. هنا نص منه بعنوان "عن معنى ياسر عرفات فلسطينيا":
"عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخارطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي واشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال اسطورة ورمزية عرفات... ليس هناك عرفات واحد، هناك عدة عرفاتات واحد منهم يتماثل تماما مع القيم الفلسطينية، تحديد الهوية القومية والوطن...انها القصة الأشد بن غوريونية، انها الصهيونية الفلسطينية في أفضل معانيها، التي اسهم في بلورتها، وعرفات الثاني، هو رئيس السلطة الفلسطينية الذي لديه تطلعات وجودية وسياسية كزعيم مستقبلي للدولة الفلسطينية. وعرفات الثالث، هو اب كل التجمعات الفلسطينية اينما كانت؟"
(البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل ابيب، "يديعوت احرونوت"، 29/10/2004)
لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيما، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل.
قبل ذلك، لم يكن لشعب فلسطين وجود سياسي خاص، ومستقل، والفلسطينيون بالكاد كان يعترف بهم كلاجئين، وقد أدت تداعيات النكبة (1948) إلى تقويض البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للفلسطينيين، الذين باتوا مشردين في أصقاع العالم، ليس لهم عنوان محدد، ويخضعون لسيادة أنظمة سياسية واجتماعية متباينة.
وفي لحظات النكبة تلك انخرط الفلسطينيون في شتى الحركات السياسية العربية، من قومية ويسارية ودينية، للتعويض عن الانهيار الحاصل في بنيتهم السياسية وفي محاولة منهم للبحث عن وطن.
في هذه الظروف، وفي أواخر الخمسينيات، بدأ ياسر عرفات، مع مجموعة من رفاقه، يعدّ اللبنات الأولى لإطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي تم الإعلان عنها فيما بعد باسم حركة "فتح"، في الأول من يناير 1965. ومنذ ذلك التاريخ صنع عرفات انقلابا دراماتيكيا في حياة شعبه، وفي التاريخ السياسي للشرق الأوسط كله. ومنذ ذلك التاريخ باتت علامات الشك تحوم حول جدوى المشروع الصهيوني وحول مدى استمرارية وشرعية الدولة الصهيونية.
لم يكن عرفات سليل عائلة كبيرة أو عشيرة، فقد كان ابن الشعب الفلسطيني، ولم يكن قائد حزب أيدلوجي، في زمن الايدلوجيات الكبرى الرائجة آنذاك (اليسارية والقومية والإسلامية)، وإنما قائدا لحركة وطنية تشبه شعبه، لذا عندما سئل عرفات ذات مرة عن أيدلوجية الحركة التي يقودها، أجاب إنها فلسطين! ولعل في هذه الكلمة كان يكمن سحر عرفات وسره، فبهذه الطريقة استطاع توحيد الفلسطينيين، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية من حوله، وبذلك بات مؤسسة وطنية بذاتها فوق كل المؤسسات التي صاغها، وتحول إلى الزعيم للشعب والرمز للوطن، والوصي على القضية.
هكذا، وعلى مر أربعة عقود من الزمن، بعواصفها وزلازلها، مثّلت سيرة ياسر عرفات نهوض قضية وقيامة وطن وتطلّع شعب إلى الحرية، في إطار من الصراع على الزمان والمكان والمعنى؛ حيث استطاع الفلسطينيون، بحيويتهم وتضحياتهم، وبعنادهم وبطولاتهم، أن يفرضوا حقيقتهم، رغم محاولات الإنكار والنفي والتغييب الإسرائيلية، ومحاولات التهميش والتقييد في الواقع الإقليمي العربي، ورغم الصمت والتجاهل الدولي.
مع كل ذلك فإن الفلسطينيين لم يختلفوا على شخص، ولم يتفقوا، بقدر ما حصل ذلك بخصوص ياسر عرفات، أو "السيد فلسطين"، أو "الختيار"، أو بحسب لقبه المحبب أبو عمّار، إذ شكل ذلك الشخص ظاهرة لافتة فعلا، إلى درجة يمكن معها التحدث عن حقبة ما قبل ياسر عرفات وما بعده، في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فهو الرجل الذي كان وراء انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني، ولكنه كان أيضا وراء البرنامج المرحلي، وتاليا الخيار التفاوضي، وفوق هذا وذاك فإن اتفاق أوسلو (1993)، الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ما كان يمكن أن يمر على الفلسطينيين، لولا أنه تغطى بكوفيته المرقطة، التي ترمز إلى الشعب الفلسطيني وسيرة كفاحه العنيد والطويل.
الفكرة أن أبو عمّار هو نتاج الواقع الفلسطيني والعربي والدولي المعقد والصعب، فهو في آن واحد معا رمز الكفاح المسلح الفلسطيني، والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، وهو أيضا رمز للمفاوضة والتسوية، وهو رئيس المنظمة ورئيس السلطة، لكنه إضافة إلى كل ما تقدم فهو الذي انقضّ على اتفاق أوسلو، في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000) وفي احتضانه لكتائب الأقصى، إبان الانتفاضة الثانية المسلحة (2000 – 2004). الفكرة أن أبو عمار هو كل ذلك لذا من الضيم محاكمته بطريقة أحادية، يا أبيض يا أسود، فالواقع مركب ومعقد ولا يشتغل على هذا النحو.
ولنتذكر أن هذا الرجل خرج على النظام الرسمي العربي، وعلى مصادرة ذلك النظام للقرار الفلسطيني، ولكنه هو أيضا تعايش أو انضوى في إطار هذا النظام، في تماثل منظمة التحرير مع ما عرف بالشرعية العربية والدولية، وتكمن مقدرته أو حنكته الفطرية هنا، في قدرته على استثمار تناقضات أو تنافسات النظام العربي، وهي اللعبة التي أجادها أحيانا، وخسرها في أحيان أخرى، مع أثمان غالية دفعها الفلسطينيون.
ومع كل الانتقادات التي يمكن كيلها له، والتي كان يتقبّل أكثريتها، ولو على مضض، وعيا منه لمكانته الرمزية والوطنية، فإن التاريخ سيسجّل لياسر عرفات أنه صاحب المبادرة في إطلاق الكفاح التحرري ضد إسرائيل، الذي جاء بالشعب الفلسطيني من غياهب اللجوء والشتات والنسيان إلى معادلات السياسة في الشرق الأوسط، وأنه حافظ على مكانته المعنوية في قيادة الشعب الفلسطيني على اختلاف تلاوينه وتياراته، وأنه وضع شعبه المولع بالرموز والشعارات على عتبة الواقعية السياسية، إدراكا منه إلى حاجة الفلسطيني الماسة إلى تحويل حلمه الدائم في وطن متخيّل مسكون بالذاكرة، إلى وطن متعيّن على الخريطة، في عالم لا يعترف إلا بحقائق موازين القوى ومعطيات السياسة.
بهذا المعنى فإن أبو عمار هو الشخص الذي وحّد الشعب الفلسطيني بمختلف تياراته، الوطنية والقومية واليسارية والدينية، من حوله. وهو الزعيم الذي ظل الفلسطينيون يجمعون عليه، بمختلف المراحل والمسارات، من مسيرة الثورة إلى مسار التسوية. وهو الذي استطاع نقل الوعي السياسي لشعبه من الشعارات إلى أرض الواقع، ومن التوهمات إلى الممكنات، ومن المطلق إلى النسبي. فهو أبو الواقعية والبرغماتية السياسية، برغم تمسكه بأهداب التاريخ ووقوفه عند تخوم الأسطورة!
ولعل ميزة، أو مأثرة، ياسر عرفات الفريدة أنه الزعيم الوحيد في هذا العالم العربي الذي يمحضه شعبه ثقته، ولو جاءت مشوبة ببعض الاختلافات، وإنه لم يأت على ظهر دبابة، وإنه بمثابة الزعيم المتوّج من شعبه الموزّع على كل بلدان الدنيا تقريبا، من دون أن يكون له سيادة إقليمية مباشرة على أي من التجمعات التي يعيش فيها الفلسطينيون، في الأراضي المحتلة، وفي بلدان اللجوء المختلفة، وفي أماكن الشتات الشاسعة، ومن دون تقديم أي فرائض متوجبة عليه، سوى رفع راية فلسطين، كأن هذا الشعب الذي خرج من رحم النكبة وجد نفسه مجددا، كطائر الفنيق، بفضل تلك الشعلة التي أوقدها ياسر عرفات في مطلع العام 1965، وهو تاريخ انطلاقة حركة "فتح"، بحيث أضحى تاريخ الفلسطينيين، يؤرّخ قبل تلك الانطلاقة وبعدها.
وفي الحقيقة فإن سر ياسر عرفات يكمن في عاديته، في أنه واحد من الفلسطينيين العاديين في جسمه المتواضع، ولحيته الخفيفة أغلب الأحيان، وملابسه التي تبدو كأنها لبست على عجل، وفي حطّته التي تحيل إلى التاريخ، والجغرافيا، والرمز، وإلى قبة الصخرة، كما في لهجته الفلسطينية العامية التي تخالطها المصرية العامة أيضا. وهو في كل ذلك يجمع كل ما يحب وما لا يحب، في عنفوانه وانكساره، في قوته وضعفه، في نزاهته وتلاعباته، في إحباطاته وتخيلاته.
على ذلك فإن الفلسطينيين لا يتعاطون مع ياسر عرفات على أنه مجرد قائد سياسي، فقط، أو على أنه مجرد رئيس، فحسب، فهو بالنسبة لهم أكبر وأكثر وأعمق من ذلك، فهو زعيمهم وصانع هويتهم الوطنية وقاسمهم المشترك، وهو مؤسّس الكيانية الفلسطينية؛ ومن هذا كله يستمدّ أبا عمار مصادر قوته، وفي كل ذلك تتجذّر شرعيته، وعبر كل ذلك تكمن أسطورته.
عموما فقد فاجأ ياسر عرفات معارضيه، وربما أنه "خيّب" توقعاتهم منه، أو بالأحرى فإنه كشف ضحالة تفكيرهم وتجربتهم في السياسة، فهو، مثلا، لم يفرط بالوحدة الوطنية، إلى حد الذهاب للاقتتال الداخلي لفرض أجندته السياسية؛ ولم يتخلّ عن مشروعية خيار المقاومة المسلحة؛ كما لم يذهب إلى حد التفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني مقابل دولة أو سلطة، على ما ادّعى هؤلاء، بل إنه مارس على العكس من كل ذلك، حتى أنه دفع ثمنا باهظا ثمن كل هذه الخيارات، فيما بعض المعارضة بقي في مواقع المتفرجين أو المشكّكين!
لذا من قبيل الإنصاف القول إنه مع كل الملاحظات على إدارة عرفات للوضع الفلسطيني فإن هذا الرجل، وبرغم الظروف الصعبة والضغوط الهائلة التي تعرض لها، ظل صامدا، مسكونا بهاجس دوره التاريخي وقيمته الرمزية ومكانته في قلوب شعبه، وهذا ما جعل منه شخصية عصية على التطويع أو التنميط.
عربيا، لم تكن ظروف الثورة الفلسطينية على ما يرام، على غرار حال الثورة الجزائرية مثلا، فقد انطلقت هذه الثورة من خارج فلسطين، وفي ظروف صعبه وحرجة، ما جعلها تخضع لقيودات وشروط عربية متباينة، وأدخلها ذلك في صراعات جانبية مجانية، أرهقتها واستنزفتها وشغلتها. وبرغم كل ذلك فإن مكانة القضية الفلسطينية في المجال العربي (الرسمي والشعبي) مكنت هذه الثورة من العوم في هذا البحر المتلاطم الأمواج.
ولا شك أن شخصية ياسر عرفات، اللانمطية، وبرغماتيته وحيويته وبراعته، في مخاطبة مختلف الأهواء، مكنته من حيازة موقع متقدم في إطار النظام الرسمي العربي، وعلى الصعيد الشعبي، ومع ذلك فإن الرئيس ياسر عرفات لم ينجح تماما في بعض المنعطفات وفي بعض المواقف الحساسة في إرضاء الجميع، وتلك غاية لا تدرك، ما دفّع الحركة الوطنية الفلسطينية، التي كان الجميع يريدها ورقة في جيبه، ثمنا باهظا في بعض المواقف، ما أضعف الدعم لها، وفاقم من عزلتها أحيانا.
دوليا، كان قيام كيان إسرائيل، بمعنى ما، عملا دوليا بامتياز تشاركت فيه كل الدول الكبرى، لاسيما منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان بعض هذه الدول يرى في قيام هذه الدولة قاعدة لحماية مصالحه في المنطقة العربية، وكان ثمة دول أخرى تعتقد بأن هذه الدولة تستحق القيام لنشر الديمقراطية والحداثة في صحراء الشرق الأوسط! وكان ثمة أخرى ترى في قيام إسرائيل تعويضا لليهود عن الاضطهاد الذي لحق بهم في أوروبا (ولو على حساب الغير)! من كل ذلك يبدو كم أن الثورة الفلسطينية انطلقت في واقع دولي منحاز تماما لإسرائيل، وهو الواقع الذي جرى العمل على تصحيحه، وهو ما اشتغل عليه ياسر عرفات بدينامية فائقة فكان شغله الشاغل، حتى احتلت فلسطين وجدان العالم، وباتت قضية عالمية بامتياز.
هذا الكتاب، الذي اهتمت "دار كنعان"، بإصداره، يأتي تقديرا للدور التاريخي الذي اضطلع به الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، وفي محاولة منها لتسليط الضوء على رؤية الأخر، أي الإسرائيلي، كعدو، له، في مسيرته الطويلة، والثرية، والمعقّدة، وفي مدى تأثيره على إسرائيل، على المديين القريب والبعيد.
وفي هذا الكتاب تم تقصّد التركيز على رؤية الإسرائيليين، بيسارهم ويمينهم ووسطهم، لياسر عرفات في مرحلة تاريخية غاية في الأهمية، هي مرحلة الانتفاضة الثانية، أي في ذروة المواجهة العسكرية بين الحركة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل في زمن ياسر عرفات.
هذا ما يفترض لفت الانتباه إليه هنا، إذ أن هذا الكتاب ليس مخصصا لمراجعة، أو تقييم، أو نقد، تجربة ياسر عرفات، في القيادة والإدارة، للحركة الوطنية الفلسطينية، ولـ"فتح" والمنظمة والسلطة، أو لخياراته في الكفاح المسلح والتسوية، أو في قيادة الانتفاضة أو المفاوضة، فذلك كان موضوع اهتمامي في كتب أخرى، كنت أصدرتها في مرحلة سابقة، أي أن هذا الكتاب مخصص لرؤية الزعيم الفلسطيني الراحل من وجهة نظر إسرائيلية فقط، فربما في ذلك يشكل رؤية موضوعية ومنصفة لدوره.
الفهرس
ـ بدلا من المقدمة...عن معنى ياسر عرفات فلسطينيا
ـ عن معنى ياسر عرفات للإسرائيليين
ـ لحظة كامب ديفيد 2 والانتفاضة الثانية
ـ شهادات ومقالات عن ياسر عرفات
ـ مقالة ياسر عرفات: "رؤية للسلام في الشرق الأوسط"
