هل يمكن لرواية واحدة أن تشتمل على روايتين اثنتين في الوقت نفسه؟ هذا السؤال تطرحه رواية "إرث بيريت" لفاتن المر، الصادرة عن دار الرافدين، في بغداد. وهي الثامنة لها، بعد "الزمن التالي" 2008، "الخطايا الشائعة" 2010، "مفتاح لنجوى" 2013، "حدّثني عن الخيام" 2016، "غبار" 2018، "تحوّلات" 2019، و"حيث يبدأ الصدع" 2023. على أنّ الإجابة عن السؤال رهن بقراءة الرواية، وزاوية القراءة، وعدّة القارئ. وبمعزل عن السؤال والجواب، فإنّ فاتن المر تتناول في روايتها المزدوجة مدينة بيروت، في محطّات معيّنة من تاريخها العريق، وقدرتها على الصمود في وجه النوازل والحروب، وعصيانها على الزوال، فهي مدينة للمستقبل بامتياز، على حدّ الشعار الذي رُفع، ذات مرحلة متأخّرة، من تاريخ المدينة.
حرب الإسناد
تتّخذ المر من أربعة عشر يومًا من حرب الإسناد التي اندلعت في العام 2024 إطارًا زمنيًّا لاستعادة محتوى روائي من ثلاث عشرة محطّة في تاريخ المدينة، تتموضع بين العام 140 ق. م. و2020 م. وقد يفصل بين المحطّة والأخرى مئات السنوات. على أنّ ما يجمع بين المحطّات المختلفة هو أنّها مناسبات لنوازل وحروب تحلّ بالمدينة، وتترك آثارها المدمّرة عليها، إلّا أنّها ما تلبث، في كلّ مرّة، أن تنهض من جديد. وبذلك، نكون إزاء رواية إطار تدور أحداثها في شارع الحمرا البيروتي، خلال أربعة عشر يومًا من العام 2024، ورواية محتوى تتوزّع أحداثها على ثلاث عشرة محطّة تاريخية، تدور أحداثها في بيروت والجوار، خلال المدّة الواقعة بين العام 140 ق. م. والعام 2020 م. وتقوم علاقة جدلية بين الإطار والمحتوى، أو بين الماضي القريب الذي لايزال يلقي بظلاله الثقيلة على المدينة والماضي الضارب في أعماق التاريخ الزاخر بالدروس والعبر، وما بينهما من مراحل تاريخية متعاقبة بتقطّع. وينخرط في هذه العلاقة الجدلية عدد من الشخوص من موقع الشهادة على هذه المراحل.
الجدّة والحفيدة
في الرواية الإطار، تعهد المر إلى الحفيدة دنيا بروي الوقائع التي تدور بينها وبين جدّتها زهرة المقيمة في شارع الحمرا، في مرحلة عمرية متقدّمة، تترجّح فيها الجدّة بين الصحو والغياب. غير أنّها، ذات لحظة صحو، تقرّر أن تفضي للحفيدة بسرٍّ، شرط أن تصغي لحكايتها وتقوم بتدوينها، وهو ما يُشكّل رواية المحتوى. وفي لحظة حرجة، تحكي الجدّة الحكاية، خلال أربعة عشر جلسة، تقوم الحفيدة بكتابتها، لكنّها قبل أن تفعل، تريها صورة ورقية لعقد ذهبي مرصّع بثلاثة أحجار زرقاء متباعدة، فَتُشكّل الحكاية نوعًا من طوق نجاة متخيّل من الواقع الثقيل الناجم عن الحرب، الذي تغرق فيه المدينة. مع الإشارة إلى أنّ ما تحكيه الجدّة لا يندرج ضمن الرواية الإطار المؤلّفة من أربع عشرة وحدة سردية تعهد الكاتبة برويها إلى الحفيدة دنيا، بل يتّخذ حضورًا مستقلًّا يمتدّ على خمس عشرة وحدة سردية، تقوم برويها عشر راويات مشاركات، وتبقى الجدّة في خلفية الحكايات المروية، فتتشكّل "إرث بيريت" من هذا التعاقب بين الإطار والمحتوى.
همجية ووحشية
نتعرّف في الرواية الإطار إلى وقائع من حرب الإسناد، تعكس همجية العدو الذي يرتكب الإبادة في غزة، على مرأى من عالم أعمى، ووحشيّته في قصف القرى والبلدات اللبنانية، على مسمع من عالم أصم، من جهة. وتعكس شجاعة التصدّي لهذ العدو، وروح التضامن بين اللبنانيين، في مواجهة التداعيات الناجمة عن هذه الوحشية، من جهة ثانية. وتتمخّض هذه الوقائع عن شخوص روائية مختلفة؛ فالجدّة حافظة تاريخ المدينة، أمينة على إرث العائلة، مفعمة بحبّ الوطن، تساعد النازحين بالأغطية والوسائد، تزرع في الحفيدة القيم الوطنية، وتواجه النسيان بالحكاية. لذلك، ما إن تفرغ من حكايتها حتى تموت، ما يجعل الحكاية معادلًا للحياة، بالمعنى الروائي للكلمة. وإذ تموت، قبل أن تبوح للحفيدة بالسر الذي وعدتها به، يتولّى الأب ذلك في نهاية الرواية. أمّا الأم ريم فتصيبها الحرب بنوع من الشلل الوظيفي؛ تتسمّر أمام التلفزيون، ولا تزاول أعمال المنزل، وتمتنع عن الخروج، وترفض أن تعيش حياة طبيعية بينما يرزح مواطنوها تحت الحرب، وتهمل رسوماتها ويغطي محترفها الغبار.
وبذلك، ترفض الواقع من دون أن تُسهم في التخفيف من واقعيته الثقيلة، خلافًا لأمّها الجدّة التي تحكي وتساعد وتراهن على إمكانية التغيير وتؤمن بها، وهو ما تورثه إلى الحفيدة دنيا التي تقوم بتدوين الحكاية وحفظ وقائع التاريخ، وتساعد النازحين في مدرسة مجاورة، وتصبّ جام غضبها على العالم الوحش، وتؤثر البقاء في وطنها، وتصرف النظر عن السفر إلى بلاد أخرى. وبذلك، تسهم في التخفيف من قسوة الواقع حتى إذا ما أفشى لها الوالد بسرّ الجدّة وسلّمها العقد الذهبي، في نهاية الرواية، تصبح أمينة على الإرث العائلي، إرث بيريت.
شهادات مختلفة
في الرواية المحتوى، تعهد المرّ إلى عشر نساء، ينتمين إلى مراحل تاريخية مختلفة، برواية خمس عشرة وحدة سردية، من موقع الراويات المشاركات، الشاهدات على الأحداث. وبذلك، تكون الرواية مجموع شهادات حاملات العقد الذهبي، المتوارث عبر العصور. وبهذا المعنى، تتعاقب شهادة ميريم ابنة التاجر أشمونهيل في العام 140 ق.م. على الحرب التي شنّها الملك الهليني ديودوتس تريفون على المدينة، في إطار الصراع على العرش المقدوني. شهادة جوليا ابنة دومنينوس عام 551 على الزلزال الذي ضرب المدينة. شهادة هرمونيا ابنة حاكم بيريت العام 303م. على استباحة التنّين للمدينة وتصدّي مار جرجس له. شهادة علياء ابنة سعيد القلعجي العام 1110م. على هجوم الصلبيين على المدينة. شهادة ليلي العام 1760 على اجتياح الوباء المدينة. شهادة ياسمين العام 1860 على الفتنة التي لم تسلم المدينة من تداعياتها. شهادة تالا العام 1904 على حريق "الكازاخانة" في العهد العثماني، والمجاعة التي ضربت المدينة عام 1916. شهادة زهرة على الزلزال الذي ضرب المدينة العام 1957، وعلى الاجتياح الاسرائيلي للجنوب العام 1978. شهادة سلمى على الحرب الأهلية العام 1975. وشهادة ريم على اجتياح المدينة وحصارها العام 1982، وعلى انفجار المرفأ العام 2020، لتشكّل الرواية المحتوى.
قواسم مشتركة
وعلى انتماء هذه الشهادات إلى مراحل تاريخية مختلفة، تمتدّ 2160 عامًا، فإنّ ما يجمع بينها، في الشكل، أنّ كلًّا منها تقوم على ثنائية الجدّة/الحفيدة. وما يجمع بينها، في المضمون، أنّ الوقائع المشهود عليها هي نوازل تحلّ بالمدينة، على شكل حرب أو زلزال أو وباء أو اجتياح، أو انفجار، وأنّ المدينة كانت تنهض، في كلّ مرّة، كطائر الفينيق، وأنّ ثمّة عقدًا ذهبيًّا كانت الجدّة، في معظم الوحدات، تسلّمه إلى الحفيدة، وتطلب إليها المحافظة عليه كإرث عائلي، يتكفّل بحمايتها في أوقات الشدّة. وهكذا، راح العقد نفسه ينتقل، عبر القرون، من حفيدة إلى أخرى، حتى وصل، في نهاية المطاف، إلى دنيا راوية الإطار. وهنا، يتداخل الواقعي والغرائبي في مجرى الأحداث، ويتحوّل العقد إلى معادل روائي للمدينة، فالمحافظة عليه تستدعي المحافظة عليها. ولعلّ المرّ أرادت أن تقول، من خلال الشهادات المختلفة، أنّ تاريخ بيروت سلسلة من الأحداث المتعاقبة، وأنّ سكّانها هم أحفاد أولئك الأجداد الذين عاشوا فيها ودافعوا عنها، وأنّ المدينة عصيّة على النوازل، على أنواعها. ولعلّ انتهاء الرواية بعودة والد دنيا، ببدلته العسكرية من الجنوب، تحيل روائيًّا إلى استعداد أهلها للدفاع عنها، في كلّ الأوقات. وهكذا، ثمّة تناسب بين الإطار والمحتوى في "إرث بيريت"، سواء اعتبرنا أنّهما روايتان اثنتان أو رواية واحدة.
تعدّد وتنوّع
إلى التعدّد في الأصوات الراوية، والمدّة الزمنية الطويلة التي تغطّيها الرواية، تصوغ فاتن المر روايتها بلغة سردية تزاوج بين طلاوة السرد ورشاقة الحوار، وتستخدم الجمل القصيرة والمتوسطة التي توفّر للنص نوعًا من التدفّق على رسله. وهي تتوخّى التنوّع، سواء في السرد أو الحوار، فتكسر نمطية الأوّل بمقتطفات من خبر صحفي أو تقرير دبلوماسي أو أغنية أو نص تاريخي أو مقطع فايسبوكي أو قصيدة، لا سيّما القصيدة، ما يضفي على السرد الحيوية والتنوّع، ويرفده بمخزون ثقافي غني، من جهة. وتكسر نمطية الثاني باستخدام عبارات محكية، ما يوهم بواقعية الأحداث، ويشي بشعبية العالم المرجعي، حتى وإن كان مدينيًّا، من جهة ثانية.
