رحلت الكاتبة والشاعرة اللبنانية - الفرنسية فينوس خوري غاتا، عن عمر ناهز 88 عاماً بعد مسيرة إبداعية امتدت لعقود.. ولدت فينوس خوري في بيروت العام 1937 وتلقـت دروسها الثانوية في مدرسة زهرة الإحسان.
من الأمور اللافتة أنها كثيراً ما تطرقت في أحاديثها إلى طفولته القاسية في بيروت. فتقول في حوار مع موقع "قنطرة": "كنا أربعة أطفال: ثلاث بنات وولد. وكنا نقضي تسعة أشهر من السنة في بيروت في بيت والدي الذي كان طاغية يبث فينا الرعب. لذلك كنت أشعر بالنقمة على بيروت. لكن الأمر كان يختلف عن ذلك كلياً خلال إقامتنا الصيفية في بشري، تلك القرية الجبلية من شمال لبنان التي تتحدر منها أمي ومسقط رأس الشاعر اللبناني الكبير جبران خليل جبران". و"كانت الأشهر الثلاثة لإقامتنا هناك عبارة عن تحرر حقيقي".
وتقول في حوار مع جريدة "المستقبل": "في كل كتاباتي أعود إلى هذه الطفولة التي طبعت حياتي وحتى الآن لا يمكنني أن أفلت منها. أريد أن أفلت، أن أتحرر، لكن ماذا أفعل مع مشاعر الذنب مثلاً؟ في ذاك المنزل عشنا، أنا وعائلتي مع والد قسا علينا بشكل فظيع. كان عسكرياً وصارماً إلى حد لا يوصف، لا أعرف ربما هو اعتقد أنه بهذا يحمي عائلته، لكنه باختصار كان طاغية ومارس علينا إرهابه وكان ضحيته أخي الوحيد الذي كان شديد الحساسية. كان شاعراً بالفطرة، وموهوباً للكتابة إلى حد لا يوصف. إنما هو أراده مختلفاً، لم يتصرف معه كأب طيلة حياته وقسا عليه بشكل فظيع حتى احتمى ذاك الابن بالمخدرات، ثم عولج وعاد وكان يقسو عليه أكثر فأكثر ولا يسأله ما يعانيه وأخرجه من المدرسة ووضعه بالقوة ليعلم في منطقة نائية ولما يبلغ العشرين..".
غادرت فينوس لبنان العام 1973 بعمر 35 سنة للاستقرار في باريس مع زوجها الثاني، إلا أن المسافات لم تبعدها عن الأرض التي عشقتها، فعانت -من باريس- ويلات الحرب التي عصفت بلبنان. تقول "عندما قدمت إلى فرنسا في بداية السبعينات كنت أعيش صراعاً حاداً أثناء الكتابة. كان يبدو لي أن احتداماً مدوياً يحدث في ذهني، شيء شبيه بقرقعة سيفين في مبارزة. كنت آنذاك أستخدم تعابير عربية وتراكيب لغوية من العربية في كتابتي بالفرنسية. وقد تواصل الأمر على هذ النحو حتى ذلك اليوم الذي انقطعت فيه كل صلة لنا بلبنان بسبب الحرب، ولم يعد بإمكاننا أن نقرأ شيئا بالعربية، إلا في ما ندر".
تعتبر فينوس من أبرز كتّاب الفرانكفونية في فرنسا، عاشت بين ثقافتين ولغتين وحياتين مختلفتين بين باريس ولبنان. حققت مكانة كبيرة في الأدب الفرانكوفوني، في الرواية وفي الشعر، فحازت جائزة غونكور للشعر 2011، والجائزة الكبرى للشعر من الأكاديمية الفرنسية العام 2009. قال عنها الشاعر والناقد الفرنسي ألين بوسكه: "أبصرت النور مندهشة ولا تزال. فالطبيعي في طفولتها جعلت منه مسلكاً في الحياة دونما أي جـد. وهي تعتبر الواقع، على اختلاف وجوهه الهادئة أو الأليمة أو المأسوية، قضية وحي وإشراق ودهشة مستمرة. فلا شيء تقبله من دون إبداعه من جديد، وهو خط الشعراء قبل أن يصبحوا شعراء، وبعد تصميمهم على البقاء شعراء، كلّف الأمر ما كلّف".
تنتمي خوري غاتا، وهي الشقيقة الكبرى للكاتبة والصحافية مي منسّى (1939 -2019)، إلى جيلٍ أدبي كرّس الكتابة بوصفها مساحة لمساءلة موضوعات المنفى والهوية. وفي باريس، مثّلت خوري غاتا، إلى جانب جورج شحادة وأندريه شديد، إحدى الركائز الأساسية للتجربة اللبنانية في الكتابة الأدبية والشعرية باللغة الفرنسية من قلب فرنسا.
من أبرز رواياتها: "الابن المحنّط" (1980)، و"ضجيج لقمر ميت" (1983)، و"بيت الموت" (1986)، و"بايارمين" (1988)، و"سيدة الوجيه" (1992)، و"سبع حجارة للخاطئة" (2007)، إضافة إلى روايتها الشهيرة "العروس كانت على ظهر حمار" (2013) التي نالت جائزة رينودو لكتاب الجيب.
أما في الشعر، فقد رسّخت مكانتها عبر أعمال مثل: "ظلالها وصرخاتُها"، و"أين تذهب الأشجار؟" التي نالت عنها جائزة غونكور للشعر 2011، وصولاً إلى دواوينها المتأخرة مثل "اطلب من العتمة" و"اضطراب الأرواح التائهة".
ترجمت كتبها، إلى الإنجليزية والفرنسية والسويدية والإغريقية والكورية والتركية والألمانية والإيطالية وأخيراً إلى العربية.
حازت جائزة أبولينير، وجائزة مالارميه، وجائزة جمعية أهل القلم، فضلاً عن جائزة "ميشلو" السويسرية. كذلك نالت عن روايتها "الخطيبة كانت على ظهر حمار" جائزة "اوديبرتي" الفرنسية الأدبية العريقة.
