"صيدنايا… من مدونة سجون الأسد"

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/01/28
Image-1769620712
حجم الخط
مشاركة عبر

صدر عن دار كنعان للنشر/ دمشق: "صيدنايا… من مدونة سجون الأسد – شهادات"، تقديم ماجد كيالي، كتاب يستحق القراءة والتمعن بمدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان.. لوحة الغلاف الفنانة عزة أبو ربعية.

 

المساهمون: أميرة حويجة، حسيبة عبد الرحمن، عزة أبو ربعية، أنور بدر، بدر زكريا، محمد إبراهيم، محمد برّو، كريم عكّاري، علي الكردي، نصار يحيى، محمود عيسى، بسام جوهر، جورج ميخائيل، حسام الدين كردية، مي بركات، بلال بيلغيلي... 
 

وجاء في تعريف الكتاب أنه محاولة لتسجيل شهادات بعض من عاشوا تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، أولا، للتذكّر، لأن التذكّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضا التذكّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة.


 هنا نص من الكتاب بقلم ماجد كيالي:

 

لم أسمع بسجن صيدنايا الرهيب بعد الثورة السورية فقط، إذ كنت أسمع عنه وعن غيره، وبخاصة سجن تدمر، الذي ربما كان أكثر هولاً منه، قبل ذلك بثلاثة عقود، مع قصص الزنازين المهولة لأجهزة المخابرات السورية المتعدّدة، التي تعجُّ بها المدن السورية، لا سيما دمشق، حيث كنت أسمع حكايات من أصدقاء كثر كانوا مروا بتلك التجربة الفظيعة، سواء لأشهر معدودة، أو لأكثر من عشرة أعوام.

بينما كنت أسمع قصص أصدقائي وسيرتهم في المعتقلات، في بعض اللحظات، كانت رجفةٌ تسري في جسمي، مع شعور بنوع من الذهول، ربما كان يأخذني التخيل إلى شيء لم أكن أستطيع تصوّره، ويفضي لي إلى كوابيس مزعجة ومرعبة.

 

كنت أتخيّل هذا الصديق، أو ذاك، ككائن مستضعف، وقد سُلبت آدميته، وبات مجرد مختبر لأفانين من التعذيب، إذ ليس الغرض سحب معلومات، أو الإذلال، وإنما التعذيب لأجل التعذيب، وهذا أقسى، وأكثر وحشية، من القتل، لأن القتل ينهي المسألة، بينما التعذيب يبقي الألم، الذي لا يمكن تحمّله.

 

لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

 

السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه.

 

تخيلوا أن الحديث هنا يتعلق بأشخاص كل ما فعلوه أنهم حاولوا أن يكون لهم رأي آخر، أن يقولوا غير ما يقوله النظام، أن يطالبوا بحقوقهم بالحرية، وبالكرامة، وبالمشاركة السياسية، أو بأشخاص كل ما فعلوه أنهم قرأوا ورقة لتنظيم معارض، أو صدف أن مرّ في بيتهم شخص معارض، أو تجنى عليهم مخبر صغير لغرض ما، أو تقصّدت شخصية سياسية أو عسكرية محوهم من الحياة لأي سبب.

 

في أثر الأصدقاء:

أتت مناسبة دعوتي من الإعلامي الفلسطيني واصل حميدة للمشاركة في إعلان تأسيس رابطة للمعتقلين السياسيين في سجن صيدنايا (14/2/2025)، وصادف أن تعرفت في هذه الزيارة إلى عدنان القصار، الفارس والسجين، الذي أمضى 22 عاماً في السجون السورية، وضمنها سجن صيدنايا، وذلك لمجرد أنه فاز على باسل الأسد، الذي آثر التخلّص منه، في فورة غضب، بزجّه في السجن، 22 عاماً فقط!

 

كانت تلك الزيارة غير المخطّط لها واردة في ذهني، أي إنني كنت أريدها، أو كنت أتحيّن أي فرصة للقيام بها، كنت أريد أن أعرف كيف أمضى أصدقائي سنواتهم تلك في هذا السجن الرهيب، أو في غيره. كنت أريد أن أعرف، أو أن أرى أين كانوا، أو ما هو هذا المكان الذي كانوا فيه… أين وكيف كانوا يمضون أوقاتهم… كيف ناموا أو أكلوا أو اغتسلوا أو نادموا… ما الذي كانوا يرونه من أماكنهم… ما الذي حلموا به…

 

شيء ما كان يدفعني لأن أعرف ذلك… كأنه نوع من العرفان لهؤلاء الذين حفروا الأساس لانهيار نظام الأسد، الذي ظن أن سوريا مزرعة خاصة لهذه العائلة المافيوية، التي تبيّنت عن شخصيات تافهة ووضيعة، وتصرّفت كأنها لا تمتُّ بصلة لا إلى سوريا ولا إلى شعبها…

 

في زيارتي تلك إلى سجن صيدنايا، كان معي، في مخيلتي، كل أصدقائي من المعتقلين السياسيين السابقين، أصلان عبد الكريم، وسمير الحسن، وأنور بدر، وأكرم البني، وفضل السقال، ونبيل إبراهيم، وعلي الكردي ومحمد إبراهيم وهؤلاء أمضوا في معظمهم أكثر من 12 عاماً في سجون سوريا، أكثرها في سجن صيدنايا، وأكثرهم خرج من السجن وقد وجد ابنته أو ابنه في ريعان الشباب، أي أنهم حُرموا وأبناؤهم من أهم لحظات العمر… في هذا السجن، أيضاً، زجّ نظام الأسد لسنوات عدة، أواسط الثمانينيات، عشرات من منتسبي حركة "فتح"، من معظم مخيمات سوريا.

 

كانت للحظة الدخول إلى هذا السجن رهبةٌ، إذ يجب أن تقطع طريقاً طويلاً، من البوابة الخارجية الرئيسية إلى البوابة الداخلية، قد تستغرق نصف ساعة مشياً على الأقدام، في الحَرِّ أو في القَرِّ، كأن ذلك كان مخططاً لإرهاق أهالي المعتقلين وإذلالهم، الذين كان يسمح لهم بالزيارات أحياناً. 


   وأنا أعبر هذا الطريق الطويل (في سيارة)، الذي يأخذنا إلى المرتفع الذي بني عليه السجن، والذي يبدو من بعيد كقلعة صماء، في منطقة جرداء، تذكرت أم سمير وأختيه أمل وحنان، وقد حدّثنني مراراً عن مصاعب تلك الزيارة، لا سيما أنهن كنّ يقطعن تلك المسافة مشياً على الأقدام، وكل واحدة منهن تدفع أمامها عربة مليئة بالمواد التموينية مع ملابس وأغراض أخرى (مسموح بها) لرؤية سمير، وهذا ما كانت تفعله منى أسعد، زوجة أنور، مع طفلتها، آنذاك، يارا، لرؤية زوجها، وكي تتعرف يارا على أبيها.

 

متاهة الموت:
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى “كريدور”، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

 

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً الى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

 

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن.

 

وسقط الأبد…

كانت لحظات رهيبة وتبعث على الحزن والأسى والغضب، في الوقت ذاته، ذلك اليوم في سجن صيدنايا، وعند المغادرة لفت انتباهي أن هذا السجن الرهيب يقع على طريق صيدنايا ومعلولا، البلدتين الجميلتين، ذات التاريخ، ومقصد السياح من كل العالم، والأمر ذاته ينطبق على سجن تدمر، الذي لا يقلُّ في فظاعته عن سجن صيدنايا، كأن كل ذلك الظلم والاستبداد لم يكفِ نظام الأسد، فزاد الأمر كل هذا القبح، المتمثل بتلك السجون، فهذا ما فعله نظام الأسد في شعب سوريا وجغرافية سوريا وتاريخها، لذا الأمل أن يتخلص شعب سوريا من تركة هذا النظام إلى الأبد.
   عند خروجنا من السجن، من الجدار الأول، لفت انتباهي عدنان القصار إلى الجدار البعيد، الذي يتلوى كأفعى على مساحة كبيرة في محيط السجن، وقال وهو يؤشر بيده: هذا هو "الأفق" الذي كنا نراه طوال سني سجننا هنا” …
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث