أعلن "متحف السجون" استنكاره الشديد وقلقه العميق إزاء المنع المتكرر الذي تعرّض له فريقه من قبل وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية، والذي حال دون تمكينه من الدخول إلى مراكز الاحتجاز التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتوثيقها، رغم المحاولات المتعددة التي قام بها الفريق، ورغم الطابع الحقوقي والتوثيقي البحت لهذا العمل.
وفي هذا السياق، يوضح "متحف السجون" أنه تواصل رسمياً مع وزارة الإعلام للحصول على موافقة التصوير، وأُبلغ صراحة بأن قرار المنع صادر عن وزارة الداخلية، من دون تقديم أي أساس قانوني مكتوب، أو تفسير واضح لأسباب هذا القرار.
وقالت إدارة المتحف في بيانها "إن المتحف هو مبادرة توثيقية مستقلة، تعمل على توثيق السجون ومراكز الاحتجاز بوصفها مسارح جرائم محتملة، وتسعى إلى حفظ الأدلة، وصون الذاكرة، وخدمة الحق في الحقيقة، وفق منهجية معترف بها حقوقياً، وبما يخدم الضحايا وذوي المفقودين ومسارات المساءلة المستقبلية.
وقد وثّق متحف السجون سابقًا معظم سجون تنظيم داعش في سوريا والعراق، كما قام بتوثيق معظم سجون وفروع نظام الأسد بعد سقوطه، في إطار عمل علني وشفاف لم يُسجّل بحقه أي خرق قانوني أو إساءة استخدام للمواقع أو المواد الموثّقة. وانطلاقاً من هذا المسار نفسه، يسعى المتحف اليوم إلى توثيق مراكز الاحتجاز التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، لما قد تحمله من أدلة وسجلات وإجابات مصيرية تتعلق بجرائم جسيمة، وبمصير آلاف المفقودين، بمن فيهم عناصر من تنظيم داعش متورطون في جرائم إخفاء وقتل جماعي".
وتابع البيان: "إن منع جهة توثيقية متخصصة من أداء هذا الدور، في الوقت الذي يُسمح فيه بالتصوير الإعلامي والعشوائي من قبل صحافيين وصنّاع محتوى وشخصيات عامة داخل مواقع احتجاز متعددة، يطرح سؤالاً جوهرياً حول معايير المنع والسماح، وحول الجهة المخوّلة باتخاذ مثل هذه القرارات دون رقابة أو شفافية.
لا يمكن فصل منع متحف السجون من توثيق مراكز الاحتجاز التابعة لقسد عن السياق الأوسع للعبث الجاري بمواقع الاعتقال التابعة لنظام الأسد السابق، حيث شهدت الفترة الماضية تدميراً جزئياً لبعض السجون والفروع الأمنية، وإعادة استخدام أخرى، وفتح عدد منها للتصوير الفني والإعلامي من قبل شركات إنتاج، ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، وصنّاع محتوى، وذلك بتصاريح رسمية صادرة عن السلطات المعنية. إن هذه الممارسات تشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ حماية مسارح الجريمة، وتهديداً مباشراً للأدلة المادية التي ترتبط بجرائم جسيمة، من تعذيب وإخفاء قسري وقتل نتيجة سوء المعاملة، عانى منها آلاف السوريين ولا تزال آثارها قائمة".
أضاف البيان: "يؤكد متحف السجون أن هذا المنع ليس حادثة معزولة، بل يأتي في سياق أوسع من التضييق على عمله داخل سوريا، شمل سابقاً اعتقال مدير المتحف، وإصدار بيانات رسمية من وزارة الداخلية تضمنت معلومات غير صحيحة حول أسباب اعتقاله، من دون أي اعتذار أو تصحيح لاحق. إن هذا التسلسل من الوقائع يجعلنا نعتقد بوجود استهداف ممنهج لعمل المتحف، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان سببه توثيق جرائم تنظيم داعش، أو توثيق انتهاكات النظام السابق، أو تعارض هذا العمل مع مقاربات سياسية قائمة على التسويات وتجاوز ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية.
التوثيق ليس خطراً على سوريا، بل ضمانة لمستقبلها، ومنع الوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز، من دون أساس قانوني واضح، يُقوّض الحق في الحقيقة، ويهدد فرص المساءلة، ويعيد إنتاج منطق التعتيم الذي ثار السوريون ضده.
وعليه، فإن متحف السجون يطالب الحكومة السورية الانتقالية بما يلي:
1. السماح لمتحف السجون بتوثيق مراكز الاحتجاز التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها مواقع يُشتبه في ارتباطها بجرائم جسيمة، وبما يضمن حفظ الأدلة وعدم العبث بها.
2. ضمان عدم تقييد أو تعطيل عمل المتحف في توثيق سجون وفروع نظام الأسد، باعتبار هذا العمل حقاً مكتسباً تم إنجازه سابقًا من دون اعتراض قانوني، ولا يجوز التراجع عنه أو تقييده بشكل انتقائي.
3. تقديم توضيح رسمي وعلني لأسباب المنع الصادر عن وزارة الداخلية، يشمل الأساس القانوني، والجهة التي اتخذت القرار، ومعاييره، ومدته، بما يضمن الشفافية والمساءلة العامة.
لا يستهدف عمل متحف السجون أي جهة سياسية أو عسكرية، بل ينحصر في خدمة الحقيقة، وحقوق الضحايا، وكرامة المفقودين. كما يؤكد أن أي استمرار في منع التوثيق، أو الإبقاء على الغموض، سيُفهم على أنه تقويض مباشر لمسار العدالة والمحاسبة، ويتناقض مع مبادئ المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تقوم على الشفافية وعدم الإفلات من العقاب".
