على الرغم من منظومة الفساد في عهد بشار الأسد (2000-2024) التي لم تترك مجالا ًإلا وشملته من دفن النفايات السامة إلى تهريب الآثار، إلا أن الفرحة بالحرية التي غمرت السوريين مع سقوط النظام تضمنت أيضاً للأسف "حرية" المافيات التي تتجرأ على هدم الآثار في وضح النهار لإقامة منشآت تجارية من دون أي اعتبار أو احترام لقيمتها التاريخية ولا خوف من مراقبي البلدية أو مفتشي مديرية آثار دمشق.
وهكذا خلال السنوات الماضية قامت مافيات التهديم والتعفيش بتحويل حي العسالي المجاور للحجر الأسود إلى ما يشبه الأنقاض باستثناء الجوامع الأربعة التي أبقوا على مآذنها وتكية العسالي التاريخية التي تطل على الطريق الرئيسي، وكأن في داخلهم وازعاً دينياً! أما المافيات الجديدة التي ظهرت فجأة، فلم يعد يردعها شيء، بل نبشت حتى القبور التاريخية الموجودة في التكية، ومنها قبر الشيخ أحمد العسالي، شيخ الطريقة الخلوتية في دمشق (توفي العام 1638) بعدما كانت التكية تعرف باسم بانيها أحمد باشا الذي كان والي دمشق خلال 1632-1635 ودُفن فيها العام 1636، وتركت التكية لتوحي بأنها تعرّضت لغزو كما في أيام تيمورلنك عندما غزا دمشق في 1401.
ومن المثير هنا أن مثل هذا الأثر التاريخي أخذ يجتذب الطامعين منذ بداية عهد بشار الأسد، حينما أخذت المافيات تقضم الأراضي المحيطة بالتكية لبناء منشآت تجارية، مع أنها وقف مثبت بموجب الوقفية المحفوظة التي وجدتُها ونشرتها. وبهذا الشكل جرى ما جرى من قضم، وسط تجاهل مديرية أوقاف دمشق ومديرية آثار دمشق، مع أن كاتب هذه السطور قام بإعلام مدير آثار دمشق بذلك بلا جدوى.
رمز لقافلة الحج الشامي
وفي الحقيقة إن التكية هي ضحية اسمها الذي شاع بعدما خسرت مكانتها التاريخية في 1908. فقد بنى الوالي أحمد باشا هذه "العمارة العامرة" على طريق الحج في ظاهر دمشق، في جوار قبة الحج التي بناها السلطان المملوكي سيف الدين يلبغا في 1346م، وأوقف عليها الأصول الكثيرة لتغطي نفقات المبيت للحجاج ونفقات الدارسين والمدرسين في الطابق الثاني منها. وقد كانت قافلة الحج الشامي من أهم القوافل التي تنطلق من سراييفو وتتضخم خلال سيرها بمن يلتحق بها من حجاج الأناضول وبلاد الشام، ليتجمع كل هؤلاء في دمشق منطلقين في موكب مهيب عبر حي الميدان إلى "عمارة أحمد باشا" أو "تكية العسالي" كما اشتهرت لاحقاً، فيبيتون فيها وحولها ويكملون مسيرهم صباح اليوم التالي في اتجاه مكة المكرمة. وكان من أوائل من اهتم بهذه القوافل ووثقها، الرحالة العثماني المعروف اوليا جلبي في كتابه "سياحتنامه"، عندما نزل فيها خلال موسم حج 1671. وقد استمرت هذه العمارة أو التكية في دورها هذا قروناً، وبالتحديد حتى العام 1908 عندما انطلق أول قطار إلى المدينة المنورة، لتتحول بعدها إلى مدرسة ابتدائية ثم إلى مأوى للنازحين من الجولان في 1967 لكي تواجه مصيرها الآن على أيدي الغزاة الجدد.
هدم في وضح النهار
تعود علاقتي بهذه المنشأة التاريخية إلى العام 1975، كونها ترتبط برسالتي للماجستير في التاريخ في جامعة بريشتينا (كوسوفو)، وبقيت لي من ذلك الحين صورة نادرة تُظهر حالة هذا الأثر التاريخي، على الرغم من الإهمال، سواء من قبل مديرية آثار دمشق لأهميتها التاريخية، أو مديرية أوقاف دمشق لكثرة الأراضي الموقوفة عليها والتي تثير أطماع التجار مع ارتفاع أسعار الأراضي. لكن بعد العام 2000، لوحظت طفرة في التعدي على الأراضي المحيطة بها، حتى أصبحت هذا المنشأة التاريخية محاصرة بأبنية تشوّه مظهرها، ومنها مغسل السيارات المستند إلى جدارها الجنوبي ليحتل المكان الذي كان استراحة للجمال!
لكن كل ما حدث خلال 2000-2024 كان يمكن إصلاحه بتدخّل جدي من مديرية آثار دمشق أو مديرية أوقاف دمشق، لأن كلّ ما بُني حول التكية كان من المخالفات التي تستوجب الهدم لأنها بُنيت على أراض موقوفة وشكّلت تشويهاً لأثر تاريخي له رمزه في تاريخ الحج أو قافلة الحج الشامي الذي كان موسماً سنوياً لتجارة دمشق.
أما ما حدث بعد سقوط الأسد، على أيدي أولئك الذين فهموا الحرية على طريقتهم، فيصعب وصفه أو رؤيته في الصور المتتابعة مع صمت الجهات المسؤولة. فقد نُمي إليّ وأنا مقيم في الولايات المتحدة ما تتعرض له هذه المنشأة من اعتداءات، فكلّفت قريباً لي بالذهاب إلى الموقع وتصوير ما آلت إليه حال المنشأة التاريخية، لكنه أخبرني أن أشخاصاً غرباء ينقّبون داخل المنشأة ومنعوه من التصوير، لكنهم قالوا له إنه يمكن أن يعود في اليوم التالي. وهكذا وصلت الصور الأولى لتظهر الجرأة على تدمير هذا الأثر التاريخي بما في ذلك نبش القبرَين الكبيرين داخل القبة الجميلة التي تحوي رفات الوالي/الواقف أحمد باشا والشيخ أحمد العسالي.
لكن المفاجأة اللاحقة مع نشر هذه الصور في مقالة لي بتاريخ 25/4/2025 كمنت في استمرار الصمت المطبق من مديرية آثار دمشق ومديرية أوقاف دمشق على ما يحدث، وكأن هذا الأثر التاريخي يقع في عمق بادية الشام وليس في المدخل الجنوبي لدمشق. ومع هذا الصمت المطبق أمكن للمافيات الاستمرار في عملها في وضح النهار، حيث يتضح من الصورة المأخوذة في 18/1/2026 مدى "التقدم" في عملهم لهدم ما تبقى من التكية حتى هُدم معظم السور الخارجي ولم يبق في الداخل سوى القبة وبقايا من الطابق الثاني الذي كان مخصّصاً للتعليم، بينما اختفى الباب الرئيسي تماماً مع أحجاره الجميلة، وبُني مكانه مكتب يمتد على الرصيف.
للأسف، لا تكفي الكلمات للتعبير عما لحق خلال 1975-2026 بهذا الأثر التاريخي في مدخل دمشق، وكان شاهداً على عصر مزدهر للمدينة مع الدور المتزايد لقافلة الحج الشامي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية منذ القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن العشرين، وكان حري بمديرية الآثار دمشق أن تحوّله إلى متحف لقافلة الحج الشامي. لكن ربما لا يصدر هذا المقال إلا وتكون هناك صورة أخرى تعكس مدى "التقدم" للتخلص تماماً من هذا الأثر!
