أربعون اغتياله: الشيخ صبحي الصالح مُترجم المجمع الفاتيكاني

سليمان بختي الأربعاء 2026/01/28
Image-1769584723
مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد (إلى اليمين) برفقة الشيخ صبحي الصالح (أرشيف فرانس برس)
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل وفاته بأيام ألقى الشيخ صبحي الصالح خطبة الجمعة في مسجد راشد الحوري الملحق بجامعة بيروت العربية. كانت خطبة جريئة توقف فيها عند معاناة الشعب اللبناني في المناطق كافة، لا سيما بيروت الغربية وما تشهده من فوضى مسلحة وتعديات وسرقات واحتلالات واغتيالات، محملاً المسؤولية للنظام والقيادات التي تحمي العناصر غير المنضبطة. هل جاءته تهديدات على مواقفه تلك ولم يأبه لها؟ وكيف تجرأوا على اغتياله؟ كتب يومها الشيخ طه الصابونجي: "كيف لهم ان يغتالوه فيما هو راسخ شامخ في بنيان علمه". لكنهم فعلوها. ففي صباح 7 تشرين الاول 1986 عمد مسلحان على دراجة نارية في منطقة ساقية الجنزير- بيروت إلى اطلاق ثلاث رصاصات قاتلة على رأسه لدى نزوله من السيارة. وكان في زيارة الى مقر الجمعية الخيرية لرعاية أطفال المسلمين في لبنان. 

 

ولد صبحي ابراهيم الصالح في العام 1926 في المينا، طرابلس من عائلة عميقة التدين ومن جذور تركية. تلقى دروسه الاولى في المدارس الابتدائية في المينا. وتابع دراسته الثانوية في كلية التربية والتعليم الإسلامية. تعمم وهو ابن اثنتي عشرة سنة وراح يعتلي المنابر خطيبا. انتسب الى كلية أصول الدين في الازهر الشريف 1943 وحصل على الشهادة العالمية 1949. انتسب في الفترة نفسها 1947 الى كلية الآداب في القاهرة ونال الاجازة في العام 1950. خلال إقامته في مصر غرف من حصادها الثقافي ومن حصاد العالم. وارتاد الأندية والمجالس الادبية. كما اعتلى منابر القاهرة خطيبا مثيرا للإعجاب. التحق بجامعة السوربون في باريس ونال الدكتوراه في الأدب عام 1954 وكانت اطروحته "الدار الآخرة في القرآن الكريم والإسلام وتحديات العصر". خلال إقامته في فرنسا نشط محاورا اسلاميا وانشاء لأول مرة مركزا اسلاميا في باريس مع الدكتور حميدالله الحيدر أبادي. كما علم العربية للأفارقة المقيمين في باريس. علم في جامعات بغداد 1954-1956 ودمشق 1956 -1963 والأردن 1971-1973 وفي الجامعة اللبنانية منذ 1964 حتى وفاته. وانتخب فيها رئيساً لقسم اللغة العربية وآدابها 1970 ومديرا لها 1977 واستاذ كرسي الاسلاميات فيها. عدا محاضراته في جامعة الرياض وكلية الزيتونة. وأشرافه على العديد من الرسائل واطروحات الدكتوراه في لبنان وفرنسا. نال جائزة التفكير الاجتهادي الإسلامية من منظمة الكسو التي كرمته في 23 حزيران 1986. وترأس المجلس الشرعي الإسلامي في لبنان، وكان أمينا عاماً لرابطة علماء لبنان. وعضو اكاديمية المغرب. 

Image-1769584828
موكب تشييع الشيخ صبحي الصالح، بيروت، 1986


ترك الشيخ صبحي الصالح أكثر من عشرين مؤلفاً بين تأليف وتحقيق وشرح وترجمة. وكان يتقن الفرنسية والانكليزية والإيطالية. له في العلوم الشرعية "مباحث في علم القرآن" 1985 في طبعات عديدة. وعلوم الحديث و"دراسات في فقه اللغة" 1970 في عدة طبعات و"علوم الحديث ومصطلحه" 1959 في عدة طبعات. "منهل الواردين في شرح رياض الصالحين" 1970. "النظم الإسلامية نشأتها وتطورها " 1960 في عدة طبعات. "معالم الشريعة الإسلامية" 1975 و"المرأة في الاسلام" 1980 "الاسلام ومستقبل الحضارة" 1982 "رد الاسلام على تحديات عصرنا" بالفرنسية والعربية 1979 و"الإسلام والمجتمع العصري" 1983 و"نثر اللآلئ في ترجمة ابي المعالي". كما حقق وقدم "نهج البلاغة". وشرح الشروط العمرية من كتاب "أحكام أهل الذمّة" 1961. وهو كان حقّق "كتاب أحكام أهل الذمّة لابن قيم الجوزية" 1971. وكان ألقى مجموعة محاضرات في المغرب: "الضمير الديني والتسارع التكنولوجي والحضاري" 1974 و"الحرية ومفهومها الأيماني في الاسلام" 1975 و"الوعي الكوني في التصور الإسلامي" 1983. كما أصدر مع سهيل ادريس "المعجم العربي" و"المعجم الفرنسي ". وهناك مخطوطة لم تنشر بعد بحسب الدكتور مصطفى الحلوة بعنوان "الأمة ومدنية السلطة في الاسلام". وفي كل ما كتب كان لصبحي الصالح توجهات اجتهادية إصلاحية كمثل دعوته لإطلاق الاجتهاد مع التنسيق بين روح الشريعة والعمل لإيجاد حلول لمعضلات الحياة المعاصرة. وفي كتابه "علوم الحديث ومصطلحه" صحح الشيخ الاخطاء التي وقع فيها المستشرقون. أما كتابه "دراسات في فقه اللغة " فنراه يختم "في مرآة هذا الكتاب رأينا لغة العرب مرنة مطواعة لها خصائصها في الاشتقاق، ومزاياها في التوليد، واسرارها في الصياغة، وطرائقها في التعبير ،ما يفيد بترجمة روائع الفكر ومبتكرات العلم، وبدائع الفن وما يلبي مطالب الحياة والإحياء، وفي النفس والافاق". دعا الشيخ إلى تطوير اللغة العربية من خلال تكوين لجنة جامعية لتيسير اللغة العربية ودعا الجامعات الى اعتماد المصطلح العلمي الأدق والسعي إلى انشاء مجمع عربي لغوي وعلمي. 

 

كان الشيخ صبحي الصالح متفاعلاً مع قضايا عصره مثل قضية حقوق الانسان وقضية المرأة والإسلام بين الاشتراكية والرأسمالية والإسلام والآخر. وفي رأي جريء قال "علينا أن نكف عن الاعتقاد بأن نظام الخلافة هذا النظام التاريخي الذي لم يقم إلا على الاجماع هو شكل الحكم الوحيد في ظل الاسلام". وهو ناشد المسلمين شيعة وسنة وسواهما للانضواء تحت راية التوحيد. لا أزال أذكر وقفته على درج دار الفتوى عام 1976 خلف المفتي حسن خالد والامام موسى الصدر وشيخ العقل محمد ابو شقرا وكان يبتسم ابتسام رابح الرهان. ودعا كذلك إلى تفعيل الحوار بين المسيحية والإسلام. ومن خلال انفتاحه على هذا الحوار ترجم الشيخ نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني والذي انعقد عامي 1962و1965 والمتعلق بالحوار الإسلامي المسيحي. وعلق على الترجمة في محاضرته في الندوة اللبنانية حزيران 1965 مختتماً سلسلة الحوار الإسلامي المسيحي. ونشر الشيخ العديد من المقالات في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها احمد حسن الزيات الذي التقاه في مصر وقال له: "لو تفرغت للأدب، فستكون في الصفوف الأولى من أدباء العرب". وذلك بعد أن قرأ ترجمته لقصيدة "البحيرة" للامارتين. وبذلك يقول المطران جورج خضر: "جاءت لغة الدكتور صبحي الصالح على متانة مذهلة، لا تقصي السلاسة، التي تقناها في التعبير العربي في عصر النهضة". 


لا أزال أذكر كيف خرج نعش الشيخ صبحي الصالح من مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت وقد وضعت فوقه عمامته الملطخة بالدماء وكأنها تتهم وتقول تعالوا تفرجوا على الأمة التي تقتل علماءها. أُقيمت له جنازة حاشدة ووري الثرى في مدافن العائلة في المينا، طرابلس. يومها كتب المطران جورج خضر في الصفحة الاولى من جريدة النهار: "الدكتور صبحي الصالح تنزل عليه من ربه كرم كثير، فانتمى، ليس فقط إلى العلم، ولكن الى النعمة والذكر والتطهر... كان في الرجل قبس من نور، ذلك الذي هو نور السماوات والارض، وحذار أن قرأت ما وضع أن تنسى القلب الذي يحييه ويجعله قامة روحية".
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث