منتدى فلسطين.. حين تصبح المعرفة فعلاً مقاوماً

حسين جلعادالثلاثاء 2026/01/27
Image-1769495049
تميزت الأوراق المشاركة بانتقالها الواضح من توصيف الوقائع إلى تفكيك البنى العميقة التي تحكم الصراع.
حجم الخط
مشاركة عبر

على مدار ثلاثة أيام في العاصمة القطرية الدوحة، انعقدت الدورة الرابعة من المنتدى السنوي لفلسطين (2026) بوصفها مختبراً فكرياً حياً، تجلّت فيه وحدة المصير الفلسطيني في مواجهة تشظّي الجغرافيا وتعدّد الساحات. وفي هذا الفضاء، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تجاوز النقاش حدود العرض الأكاديمي للبيانات والتحليلات، ليأخذ شكل محاولة واعية لإعادة بناء العقل الفلسطيني، ومراجعة آثار التفتيت السياسي والمعرفي التي راكمتها سنوات الانقسام والارتهان.


تميّزت الأوراق المشاركة بانتقالها الواضح من توصيف الوقائع إلى تفكيك البنى العميقة التي تحكم الصراع. فلم تعد المسألة، في معظم الأوراق، محصورة في سؤال "ماذا تفعل إسرائيل؟"، بل في "كيف يدار هذا الصراع عالمياً؟" و"كيف أُعيد تشكيل الفلسطيني داخل منظومات القانون، والإعلام، والسياسة الدولية؟". 


هذا التحوّل البحثي بدا جلياً في عدد كبير من الأوراق التي قاربت القضية الفلسطينية بوصفها نموذجاً استعمارياً معاصراً، وليس حالة نزاع تقليدية، ما أتاح إعادة قراءة أدوات الهيمنة الإسرائيلية ضمن منظومة أوسع تشمل الغرب السياسي والمؤسسات الدولية.

 

بشارة: في نقد المشروع والسلطة
قدم الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في اليوم الأول محاضرة مفصلية بعنوان "المشروع الوطني الفلسطيني: في السياق الدولي/العربي الراهن"، وقد وضع مبضع الجرّاح على أزمات الهوية والقيادة، فقدّم بشارة تمييزا حاسماً بين "البرنامج السياسي" و"المشروع الوطني"، وأكد أن الأزمة الفلسطينية ليست في نقص البرامج، بل في غياب "الحوامل المؤسساتية" القادرة على تنفيذها. وبصراحة نقدية، أوضح كيف تحول الكفاح في محطات معينة إلى أداة للصراع على "التمثيل" والقيادة بين الفصائل، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق التحرر، وحذّر من أن نشوء سلطة وهمية منزوعة السيادة تحت الاحتلال خلق صراعاً مدمراً بين المطلب الوطني والمطلب المدني.

Image-1769495105
عزمي بشارة : الأزمة الفلسطينية ليست في نقص البرامج، بل في غياب "الحوامل المؤسساتية" القادرة على تنفيذها

وأكد بشارة أن "طوفان الأقصى" والرد الإسرائيلي الزلزالي عليه، الذي تحول إلى حرب إبادة شاملة، قد افتتحا مرحلة تاريخية جديدة تجعل من "السذاجة" استمرار التفكير في المشروع الوطني بالمسلّمات والأدوات السابقة؛ حيث تسعى إسرائيل وحلفاؤها لفرض واقع سياسي واجتماعي جذري يهدف إلى تصفية الكيانية الوطنية الفلسطينية، وتحويل القضية من ملف تحرر وطني إلى مجرد "أزمة إنسانية" منشغلة بإدخال المساعدات وإعادة الإعمار تحت الرقابة، مما يفرض ضرورة اجتراح مقاربات نضالية تتناسب مع حجم التحولات الكبرى.


ولم يتوقف بشارة عند التشخيص، بل طرح رؤية استراتيجية تتجاوز انسداد أفق "حل الدولتين"، داعياً إلى تبني "استراتيجية نضال ضد نظام الأبارتهايد". وهذه الرؤية تطالب الفلسطينيين بمخاطبة العالم بلغة حقوقية وكونية ديمقراطية، مع التمييز الضروري بين "إدارة شؤون الناس" كضرورة للصمود، وبين "القيادة السياسية" التي يجب أن تتحرر من أي قيود أمنية مع الاحتلال، لتعود قضية تحرر وطني بامتياز.

 

أوراق المنتدى.. القانون الدولي وغزة 
حازت أوراق القانون الدولي حيّزاً واسعاً من النقاش في ندوات المؤتمر، لكن بنبرة نقدية غير مألوفة. فبدلاً من التعامل مع القانون الدولي بوصفه أداة خلاص جاهزة، انشغلت الأوراق بتفكيك حدوده ووظيفته السياسية. وقدّمت عدة دراسات تحليلا دقيقا لكيفية توظيف إسرائيل وحلفائها للقانون الدولي انتقائيا، مقابل تعطيله حين يمس جوهر المشروع الاستعماري. في المقابل، شددت أوراق أخرى على أهمية “الاستخدام المشروط” للقانون الدولي، أي التعامل معه كساحة صراع إضافية، لا كمرجعية أخلاقية محايدة، مع ربطه بحركة سياسية وشعبية قادرة على تحويل الأحكام والقرارات إلى ضغط فعلي.


واحتلت غزة مركز الثقل في المنتدى، ليس بوصفها مأساة إنسانية فقط، وإنما باعتبارها لحظة كاشفة لانهيار السرديات الغربية. وتناولت أوراق متعددة أثر الحرب في بنية المجتمع الغزي، وفي التعليم، والذاكرة، والقدرة على الصمود، لكنها ذهبت أبعد من ذلك إلى مساءلة الخطاب الإنساني نفسه، الذي يفصل الألم عن السياسة. وفي هذا السياق، برز اتجاه بحثي واضح يرى أن "أنسنة غزة" من دون تسييس قضيتها ليست سوى شكل جديد من أشكال الإخضاع الرمزي، وأن استعادة البعد السياسي للإبادة شرط لفهمها ومواجهتها.

 

إسرائيل من الداخل والشتات الفلسطيني
وقدّمت مجموعة من الأوراق قراءات معمقة للتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، متجاوزة الصورة النمطية عن "المجتمع المتماسك زمن الحرب". وكشفت هذه الأوراق عن تصدعات بنيوية بين العسكري والسياسي، وبين المركز والأطراف، وبين اليهودية الدينية والعلمانية، إضافة إلى أزمة ثقة متنامية بالمؤسسة الحاكمة. وهذا الاتجاه البحثي لا يراهن على "انهيار قريب"، لكنه يرفض أسطورة الإجماع الإسرائيلي، ويقترح فهما أدق لتناقضات الداخل الإسرائيلي كجزء من معادلة الصراع الطويل.


وللمرة الأولى تقريباً، لم يُطرح الشتات بوصفه ملحقا بالقضية، بل كأحد أسئلتها المركزية. ناقشت أوراق عديدة أوضاع اللاجئين في لبنان وتركيا وأوروبا، لا من زاوية المعاناة فقط، بل من زاوية التمثيل السياسي المفقود. وتلاقت هذه الأوراق عند فكرة أن اختزال المشروع الوطني في جغرافيا 1967 أنتج قطيعة معرفية وسياسية مع غالبية الفلسطينيين، وأن أي إعادة بناء جدية للمشروع الوطني لا بد أن تعيد دمج الشتات في صلب القرار والخيال السياسي معاً.

 

صراع "الجنائزية" وانبعاث "البديل"
لم تنتهِ أعمال المنتدى بهدوء الأكاديميين المعتاد، بل برز في الجلسة الختامية سجال فكري لامس عصب الوجع الوطني الفلسطيني، حيث برز بين الباحثين من "نعى" العمل الوطني الفلسطيني بصيغته الحالية، ووصف الواقع بالمأزوم لدرجة الانسداد الكلي. وقد قوبل هذا الطرح بردود فعل حازمة من بعض الحاضرين الذين رفضوا ما وصفوه بـ "النبرة الجنائزية"، وأكدوا أن القضية الفلسطينية تظل حية بوعي شعبها وقدرته على الاجتراح، وأن خطاب "النعوات" لا يخدم في نهاية المطاف إلا صناعة اليأس.


ورداً على هذا الانتقاد، سعى أصحاب الطرح النقدي إلى توضيح موقفهم، مؤكدين أنهم لا ينعون القضية ذاتها، فهي حية وتلد الثورات تباعاً، بل ينعون "الفشل البنيوي" الذي يحول دون استثمار التضحيات. وقد طرح هذا التيار سؤالاً استنكارياً حول سبب عدم تحقق الأهداف الوطنية رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الفلسطيني، معتبرين أن الإجابة تكمن في غياب النقد الحقيقي واستمرار العمل بصيغ سياسية أثبتت عجزها، حيث بات بقاء الصيغ الفاشلة خطراً يهدد وجود الشعب مقابل الحفاظ على بقاء القيادات ومواقعها.


وعليه، تبلور في القاعة إجماع ضمني على أن مسارات الإصلاح التقليدية من "أعلى الهرم" لم تعد ممكنة، مما يفرض ضرورة التوجه نحو بناء "جسم وطني شعبي عابر للفصائل" ينبت من القواعد ومن الأسفل إلى الأعلى. وهذا البديل المنشود يهدف إلى إعادة صياغة الميثاق الوطني الفلسطيني بما يضمن الحقوق التاريخية، ويؤسس لمشروع سياسي جديد يستمد شرعيته من انتخابات ديموقراطية شاملة تعيد الاعتبار للإرادة الشعبية.


وفي سياق قراءة الواقع الميداني، اتسم النقاش بالواقعية السياسية، إذ رأى المشاركون أن المشهد الراهن لا يشكل انتفاضة شاملة بالمعنى الكلاسيكي، بل هو عبارة عن "موجات احتجاجية" متلاحقة. ولكي تتحول هذه الموجات إلى إنجاز سياسي ملموس، يحتاج الشعب الفلسطيني إلى مراجعة شاملة للأدوات تضمن تحقيق انتصارات حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بمراكمة الأثمان دون طائل سياسي.


وختاماً، توقف المتداخلون عند مأزق "مشروع الدولة"، واعتبر بعض الباحثين أنه رغم تحقيقه لمكاسب قانونية دولية لا يمكن إنكارها، إلا أنه "أدى دوره" في شكله الحالي وبات عاجزاً عن التعبير عن تطلعات الفلسطينيين في الشتات والداخل معاً، وعليه فإن الاستحقاق الراهن هو "وحدة الصمود"، ما يتطلب بالضرورة ضخ دماء جديدة في عروق الفصائل، وتجاوز حالة التكلس القيادي نحو تمثيل ديموقراطي حقيقي يعيد للفلسطينيين قدرتهم على الفعل والمواجهة.

 

قطيعة مع اللغة المطمئنة
يمكن القول إن الاتجاه العام لأوراق المنتدى اتسم بقطيعة واضحة مع اللغة التطمينية التي سادت طويلًا في الخطاب الفلسطيني الرسمي وشبه الرسمي. فلا وعود قريبة، ولا حلول سحرية، ولا رهان ساذجاً على المجتمع الدولي. وفي المقابل، هناك ميل جارف نحو النقد الجذري، أي نقد البنية القيادية، ونقد الأدوات، ونقد المفاهيم نفسها (الدولة، العملية السلمية، الشرعية الدولية). وهذا الاتجاه لا يعني اليأس، بل يعكس وعياً متقدماً بأن إنقاذ القضية يبدأ من تفكيك أوهامها.


وقد كشفت أعمال المنتدى أن المعرفة باتت، في اللحظة الفلسطينية الراهنة، تؤدي وظيفة مزدوجة، فهي من جهة أداة فهم ومقاومة، ومن جهة أخرى تعويض مؤقت عن غياب الفعل السياسي المنظم. وهذا لا ينتقص من قيمتها، بل يضعها في سياقها الحقيقي. فالمنتدى، بما ضمّه من عشرات الأوراق والباحثين، لم يدّعِ أنه يصنع برنامجا سياسيا، لكنه قدّم ما هو أكثر إلحاحا، أي إعادة ضبط البوصلة الفكرية، وخلق لغة جديدة أكثر التصاقا بالواقع، ولا تنخدع بالشعارات الخشبية.


وبهذا المعنى، لم يكن المنتدى حدثاً عابراً، بل تمريناً جماعياً على التفكير بصوت عال، وعلى استعادة الحق في السؤال، في لحظة يراد فيها للفلسطيني أن يكون إما ضحية صامتة أو رقماً في نشرة الأخبار. وهنا، تحديداً، تصبح المعرفة فعلاً مقاوماً.


لقد أثبت النقاش في ختام منتدى الدوحة أن المثقف الفلسطيني لم يعد يقبل بالحلول الوسط أو الشعارات المعلّبة. لقد كان المنتدى صرخة عقلانية تؤكد أن البقاء للشعب، وأن إعادة بناء الهوية الوطنية تمر حتماً عبر بوابتي النقد الجذري والتمثيل الديموقراطي الشامل. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث