ثقافة الأنفاق: حين يتحول الاختباء إلى سياسة

علي سفرالثلاثاء 2026/01/27
Image-1769496340
عناصر من قسد أثناء حفر نفق
حجم الخط
مشاركة عبر

مع تقدّم قوات الحكومة السورية في مناطق الجزيرة، وانسحاب تنظيم قسد منها، لم تكن المفاجأة الكبرى هي سرعة الانهيار العسكري فحسب، ولا حتى التفكك المفاجئ لمنظومة سياسية وإدارية أقامها خلال سنوات. فرغم ضخامتها، كشف ذلك الانهيار أمراً كان يمكن توقّعه: هشاشة الولاءات، وسرعة انقلاب كثيرين ممن عملوا ضمن هذه التركيبة، أو استفادوا منها، إلى خطاب الانشقاق والتبرؤ، كأن تلك السلطة لم تكن يوماً جزءاً من حياتهم اليومية. 


موظفون، وناشطون، كوادر محلية من قوى متحالفة، انتقلوا فجأة من موقع الدفاع إلى موقع الاتهام، ومن خطاب التماهي إلى لغة المسافة الفاصلة والقطيعة. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا. بل جاءت من مكان آخر، من تحت الأرض حرفياً. فبعد انسحاب القوات وانكشاف المواقع، ظهرت شبكة أنفاق واسعة، متقنة البناء، مكسوّة بأفخم أنواع الحجر، مضاءة ومنظمة، إلى درجة جعلتها تبدو عالماً موازياً، أُنجز بعناية وصبر، في حين تُركت المدن والبلدات فوق الأرض تخرب وتُهمل، وتُدار بأدنى مستويات الاستثمار والخدمة. مقابل فضاء آخر صُنع بعناية فائقة تحتها.

Image-1769496388
يُفهم اللجوء إلى الأنفاق كوسيلة دفاع في مواجهة تفوق جوي أو تقني للخصم. وعليه، فإن استخدامها من قبل قسد لم يكن ظاهرة معزولة


السؤال، لم يعد: كيف انهارت المنظومة بهذه السرعة؟ بل: على ماذا كان يُبنى هذا المشروع فعلاً؟ وأين وُضع الجهد الحقيقي: في بناء مجتمع، أم في التحصّن منه؟


هذا التناقض لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً تقنياً أو خياراً عسكرياً محضاً. فحين تُترك المدن فوق الأرض للخراب، وبينما يُستثمر الجهد والمال والوقت في بناء عالم تحتها، فإننا نكون أمام اختيار سياسي وثقافي، لا مجرد تكتيك أمني. اختيار يقول الكثير عن طبيعة السلطة المسيطرة، وعن علاقتها بالمجتمع، وعن الكيفية التي تتخيّل بها المستقبل.


في السياق العسكري، يُفهم اللجوء إلى الأنفاق كوسيلة دفاع في مواجهة تفوق جوي أو تقني للخصم. وعليه، فإن استخدامها من قبل قسد، التي تهيمن عليها قيادات من حزب العمال الكردستاني، لم يكن ظاهرة معزولة، بل شكّل أحد الأساليب المعروفة في تاريخ الحركات اليسارية الثورية، خصوصاً تلك التي خاضت حروب عصابات طويلة ضد دول متفوّقة عسكريًا. في فيتنام، وكما في الصين الماوية، لجأت حركات يسارية في أميركا اللاتينية إلى العمل السري وشبكات تحت الأرض. غير أن هذه التجارب تعاملت مع النفق كوسيلة مؤقتة في صراع مفتوح، لا كنمط حياة وحكم دائمين أو بديل من السياسة والفضاء العام.

Image-1769496534
بعد انسحاب القوات وانكشاف المواقع، ظهرت شبكة أنفاق واسعة، متقنة البناء، مكسوّة بأفخم أنواع الحجر، مضاءة ومنظمة


هذا الاستدعاء للتاريخ لا يبرر الظاهرة أو يجعلها طبيعية، بل يهدف إلى وضعها في سياقها المقارن. فالتشابه الشكلي في الأدوات لا يعني بالضرورة تشابهاً في الوظائف أو في المآلات. إذ إن ما يحدد معنى النفق سياسياً ليس وجوده، بل موقعه من المشروع العام: هل هو وسيلة عابرة في صراع مفتوح، أم بنية دائمة تُبنى عليها السلطة وتُدار من خلالها العلاقة مع المجتمع؟


هنا، لا يعود النفق مجرد ممر تحت الأرض، بل يتحول إلى استعارة لعلاقة السلطة بالمجتمع: علاقة تقوم على الخوف، والشك، والانفصال. ومن هذا المعنى تتشكل ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الأنفاق"، أي انتقال النفق من أداة عسكرية ظرفية، إلى منطق حكم ونمط تفكير عام يطبع السياسة والخطاب والممارسة الثقافية معاً. في التجارب التاريخية، كان النفق أداة عبور نحو لحظة سياسية، لا بديلاً منها. أما حين يصبح أفقاً دائماً، فإن الثورة تتحول إلى إدارة للخوف، وتتحول السياسة إلى أمن. المشكلة تبدأ حين لا يعود النفق استثناءً ظرفياً، بل يتحول إلى بنية دائمة تُدار من خلالها السلطة وتعيد إنتاج منطق الحصار والخوف باستمرار. سلطة كهذه لا ترى المجتمع شريكاً، بل عبئاً أمنياً يجب التحصن منه أو التحكم به، وتعيش في حالة طوارئ مستمرة حتى في غياب الخطر المباشر.


ثقافة الأنفاق تقوم على مجموعة من المُسلّمات: الخطر دائم، حتى إن لم يكن مرئياً. والنقد فائض عن الحاجة، غير مسموح به. أما الحقوق فهي مؤجلة إلى أجل غير مسمى. وأي اعتراض يُقرأ تلقائياً بوصفه خدمة للعدو. وبهذا المعنى، لا يُطلب من المجتمع أن يشارك في صنع القرار، بل أن يختبئ معنوياً: وأن يدافع عن سلطة يعرف كثيرون طبيعتها القمعية، لكنهم يفضلون تجاهل ذلك باسم الضرورة.

Image-1769496627

لا يمكن فعلياً، فهم نجاح ثقافة الأنفاقمن  دون التوقف عند الخوف الحقيقي الذي عاشه ويعيشه الأكراد في سوريا. تاريخ طويل من الإنكار، القمع، والتهميش، جعل من فكرة التهديد الوجودي أمراً محسوساً. هذا الخوف مشروع، ولا يمكن القفز فوقه أو الاستهانة به. لكن المشكلة تبدأ حين يُستثمر بوصفه رأسمال دائماً، لا بهدف الحماية، بل لضبط المجتمع وإغلاق المجال العام وتحويل أي مساءلة إلى خيانة محتملة. هنا يصبح الدفاع عن الذات ذريعة لتعليق حقوق الذات نفسها وكذلك إخفاء صوتها، وفرط تعدديتها.


في هذا المناخ، يتشكّل خطاب ثقافي وسياسي يبرّر الاستبداد من دون إنكاره: نعم، هناك قمع، لكن الخطر أكبر. نعم، هناك قوة عسكرية غاشمة مهيمنة، لكن المرحلة لا تحتمل التعددية. نعم، هناك اعتقالات، لكن البديل أسوأ. هذه الـ"لكن" هي المدخل الحقيقي إلى ثقافة الأنفاق: لا تنفي الواقع، لكنها تطلب التعايش معه، وتجعل القمع مقبولاً أو على الأقل مفهوماً. ومع الزمن، يتحول هذا الخطاب إلى وعي عام يدافع عن السلطة لا لأنها عادلة، بل لأنها "تحمينا". هكذا يُطلب من المثقف المعارض لسلطة القسديين أن يصمت، ومن الناشط أن يؤجل الرؤى المختلفة حتى وإن كانت سلمية، ومن المجتمع أن يتكيف مع كل الأذى الذي يصيبه. 


السؤال الجوهري الذي تطرحه تجربة قسد، ليس عسكرياً ولا أمنياً، بل أخلاقياً وسياسياً: هل يمكن لشعب أن يحمي نفسه عبر التنازل الدائم عن السياسة؟ هل يمكن بناء أمان طويل الأمد داخل نفق، مهما كان متيناً؟ التاريخ يقول إن الاستبداد الذي يُبرَّر بالخوف لا يحمي، بل يراكم أسباب الانفجار. وأن السلطة التي تعلّم مجتمعها كيف يختفي في السراديب، تعلّمه في الوقت نفسه كيف يتنازل. وما يُنتزع باسم الضرورة، نادراً ما يُستعاد طوعاً.


ليست المشكلة في النفق بوصفه أداة عسكرية، بل في ما ينتجه حين يصبح أفقاً دائماً للحكم والتفكير، وحين تُدار السياسة بعقلية الحصار لا بمنطق المجتمع. المجتمعات لا تُبنى تحت الأرض، ولا تُدار إلى الأبد بعقلية الحصار. الخروج إلى السطح ليس مغامرة غير محسوبة، بل شرط الحياة السياسية نفسها: شرط الاعتراف بالتعدد، بالنقد، وبأن الأمان الحقيقي لا يُبنى عبر السكوت، بل عبر عقد اجتماعي واضح، مؤسسات، ومسؤولية، لا عبر أنفاق مكسوّة بالحجر بينما المدن فوقها تتآكل. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً ومؤلماً: هل يريد البشر حماية الحياة، أم مجرد النجاة؟ النجاة يمكن تحقيقها في نفق، أما الحياة فلا تكون إلا فوق الأرض.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث