يسألني ابني: ما هذه العربات الضخمة؟ فأقول مصفحات الأمن المركزي. ولماذا تتراص على طول الأوتوستراد؟ لأنها -ربما- تستعد لدخول الأحياء. لمَ؟ لأن غدًا عيد الشرطة. أهكذا تحتفل بالعيد؟ لا. ماذا تفعل إذًا؟ ستسير في عرض لاستعراض القوى. لأي سبب؟ لأن غدًا أيضًا عيد الثورة. هل قامت الثورة كلها في يوم 25 يناير؟ لا. استغرقت سنينَ. أو مرت كلها بالأمس!
كنتُ في "التحرير"، لأن التلفاز لا يذيع شيئًا عن الشارع، أحمل ألوان العلم، بنطلون أسود وكنزة حمراء تكشف رقبتها عن تيشيرت أبيض، استنشقتُ الدخان المسيل للدموع، ونالني من الخرطوش قدرٌ ضئيلٌ، ثم غادرت إلى بيتي في المساء، قبل قطع الكهرباء عن الميدان، وضرب المتظاهرين والقبض على مَن لم يسعفه حظه في الفرار من هراوات الأمن المركزي.
ثم يسألني ابني: ماذا يفعل الأمن المركزي؟ أقول يفرض هيبة الدولة ويمنع الشغب. بأيِّ طريقة؟ يقف في التشريفات وفي المحافل الكبرى، أعداده الغفيرة تمنح شعورًا بالانضباط والقوة. وكيف يمنع الشغب؟ يتدخل للسيطرة عليه. على أيِّ نحو؟ يضرب بعصيه وأحيانًا يستخدم الماء والقنابل المسيلة للدموع لتفريق الناس. هل كان موجودًا في الثورة؟ نعم. أو كنتم تشاغبون؟ دائمًا!
وكنتُ في حلوان في يوم جمعة الغضب، ولم ألحق الصلاة في ركعتها الأولى، ولا أتممت الثانية منها، خرج التكبير من جوف الجامع، وناديتُ "يا أهالينا انضموا لينا"، ووقفتُ أمام قسم الشرطة، تصرخ فينا امرأة "لو نمتم على الرصيف.. لو انتظرتم من الصبح للفجر أخًا أو قريبًا.. لو حُبستم ظلمًا، ما تزحزحتم من أمام المبنى". يناولني شابٌ الكولا لأن الخل يلهب الوجه، ولا ينفع أي منهما في الوقاية من الغاز، وأرن جرس الإنتركوم على حبيبتي وهيئتي رثة، لأن الاتصالات مقطوعة، يعرض عليّ حماي -الذي أقابله للمرة الأولى- الطعام، الجود بالموجود، فأعتذرُ وأنصرف طالما اطمأننت على السلامة، ثم يذيع التلفاز أن الحاكم العسكري طالب القوات المسلحة بالنزول لحفظ الأمن، بينما يحترق مقر الحزب الوطني، في حلوان، في كل مصر، ويسب الأطفال في الشوارع "جمال وأبوه".
في 2026، سيتمم ابني البكر عامه الـ13. تكبره الثورة بعامين. يرسم ويحب قصيدة "الأحزان العادية"، وأغنية "احنا الشعب". يسأل لماذا يردد أمير عيد "شعبين.. شعبين.. شعبين". أقول لأن هناك حكامًا ومحكومين. ثم يتوقف في أغنية "اثبت مكانك" أمام وزن قائد "كايروكي" الزائد، أكان سمينًا؟ نعم وفقد وزنه. لا تهمه جملة "يا تموت وأنت واقف يا تعيش وأنت راكع"، فأجيبه من دون أن يسأل "نحن فعلنا الأمرين معًا".
لم أشهد القتل في "معركة الجمل"، فبينما وقف يمينيو النظام يهتفون باسمه في ميدان مصطفى محمود، كانت أمي تسد الباب بظهرها حتى لا أغادر إلى "التحرير"، ومن قبل أمي منعتني ليلة طويلة متعبة عن النزول، قطعت فيها الكورنيش بطوله، من وسط القاهرة إلى جنوبها، مرتاح البال لأنني لم أصدق مبارك في خطاب 1 فبراير، بل أيقنت خوفه وهزيمته، ولا يصدق أحد أني سرت كل تلك المسافة (29 كم) تحملني قدماي وحدهما، وتؤانسني من الليل نيران تدفئة اللجان الشعبية بينما تحمي البيوت بعد انسحاب الشرطة. لكني امتلكت القوة الكافية لأخوض الرحلة، كما امتلكت شجاعة الوقوف أمام أبي وأمي، اللذين تجاوزتهما لأغادر البيت، في بيجامتي وشبشبي، لا أجيب على نداءات أي منهما لأنهما "يمنعاني من نزول التحرير وكذلك لا يوافق أبي أن أخطب حبيبتي".
لا أستخدم المجاز حين أقول لابني إنه ابن الثورة، فلولاها ما أذعن جده أبدًا إلى رغبتي في الزواج، عيّل وعمره 22 سنة، لا يعرف شيئًا عن مستقبله، لدرجة يخجل معها أي أب من الادعاء بأن ابنه على قدر المسؤولية. فيسألني: متى تقدمت لخطبة أمي؟ بعد الثورة بنحو خمسة أشهر تقريبًا. وكم يومًا استغرقت الثورة؟ 18 يومًا، من 25 يناير إلى 11 فبراير. ولماذا لا تحتفلون في أي يوم غير عيد الشرطة طالما استمرت كل تلك المدة؟ حتى لا ننسى. ربما ما زال صغيرًا على فهم دلالة تلك الإجابة، مثل الثورة ما زالت فتية على أن ننساها.
يقول إبراهيم عبد المجيد، إن الكتابةَ "النسيانُ"، لأنها تتحقق بتراجع الذاكرة لصالح الخيال، الذي يرمم ما أسقطه السهو من ناس وحوادث، وينزع عن الماضي الشجن، ويخلص السرد من الغناء. ولم أنسَ، أو ربما هكذا تبقى سيرة كل ثورة في ذاكرة من عاشوها، من دون نسيان، أو تخييل، أو هضم، أو نضج، لأنهم بالرغم من "نبل الألم والانتظار" تعلموا "حاجات أقلها الحذر".
