"الشعراء كلاب الجن"-الجاحظ.
على الرغم من تعدّد اهتمامات ناس قصص "الشعر والنباح" (منشورات دار النهضة العربية – 2026) للكاتب اللبناني علي مطر فثمة ما يجمع كل من هؤلاء الناس تحت عبارة وردتْ في واحدة من قصص هذه المجموعة القصصية الشعرية والتي مفادها هو أن كل منا نحن البشر "هو تلك اللحظة الصغيرة التي تسبق الانهيار"... ولكن كيف لنا بالخلاص؟
من الممتع في قصص علي مطر أنه ليست هناك شروط ملموسة بالمطلق لإنتاج هذه القصة أو تلك وإن كانت الخلفية الأعمق لهذا الإنتاج تكمن في توقّع الانهيار وهذا الأمر هو ربما ما حفّز تلك اللغة الشعرية التي داخلتْ المتن السردي بدرجات متفاوتة بين هذه القصة وتلك وكأني عبر هذا التحفيز للغة الشعرية وللمجاز بالإجمال محلّ استدعاء مباشر لما بثّه الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين في إحدى شطحاته الرائعة حينما قال، عندما يكون الحطام هو سيّد المشهد فإن المجاز عندئذ يكون هو سيّد الكلام.
ليس الكلام كما تبثنا إياه مجموعة علي مطر القصصية الشعرية بالواقعة المعجمية على الإطلاق. فالتحديد المعجمي للكلمات هو في هذا السياق أضيق من أن يستوعب حجم الحطام، حطام العالم من حولنا، حطام التاريخ والحاضر وصولاً إلى حطام الذات. إن كلمات المعاجم هنا هي مجرد ثغثغات أو همهمات أو فأفآت فإذا بنا بالتالي في حيّز من الإنتاج الدلالي تسوقه هذه الكلمة أو تلك في مجموعة علي مطر بما يتجاوز المعنى المعجمي للكلمات... إنه المجاز، هو من يرسم مآل السرد في هذا الكتاب.
جاء في الموروث اللاتيني القديم قول هؤلاء أن تحديد الموضوع من قِبل المؤلف يسوق الكلمات لأن تنجرّ بسلاسة في سياق مقاربة هذا الموضوع أو ذاك. أما في الشعر – ودائماً بحسب الموروث اللاتيني الهائل – فإن الأمر يجري بالعكس حيث التمسّك بالكلمات هو من يسوق موضوع القصيدة، ويمكن في "الشعر والنباح" ملاحظة مزج كل من الحالتين فإذا بمتلقّي هذا الكتاب محلّ تيه، تيه ممتع، بين أن يكون مغبة قراءة قصيدة نثر أو أنه مغبة نثر فضفاض يرسم ملامح ومآلات ناس هذه المجموعة القصصية الشعرية بامتياز.
ثمة من نقّاد الأدب من أولى الكلمات في اللعبة السردية تلك الأهمية التي تطغى على الحدث بصرف النظر عن أهمية هذا الحدث في هذه اللعبة السردية أو تلك وهو ما يُطلق عليه القوة الإنجازية للكلمات بحيث نرى أن الكلمات هي الحدث وليس ذلك الحدث الواقعي إلا هامش هذه الكلمات وهو ما يشكّل في "الشعر والنباح" مجمل العملية السردية. فأن تتحوّل فتحة الباب إلى شقّ في الزمن (دفاتر طوبيا)، وأن يخبز الموتى للأحياء خبز الذاكرة (سيمفونية الزيتون)، وأن يخبرنا تشارلز بوكوفسكي كما بثّه علي مطر في قصة "الشعر والنباح" أنه الكلب الذي وجد شكلاً يليق بلسانه، فإن الكلمات عندئذ هي الحدث، هي الخبر وهي القوة – أقله بالنسبة لواحد مثلي يعشق الكلمات – التي تكثّف مراكز الألفة في عالم يموج بكل ضروب الوحشة والغربة والعداء.
إن العبارات التي تعاود نبضها بحنو بين جنبات رأس القارئ حتى بعد إغلاق الكتاب هي في متنها الأعمق بمثابة مسارب تراها تفكك بعض منغصات الحياة. إن الكلمات بهذا المنحى هي أقرب إلى ذريعة يتوسلها القارئ بغية تعزيز خيال حميم أو تجسيد هذا الخيال عبر هذا النصّ أو ذاك وليس المجاز في هذا السياق إلا دفع للابتكار الدلالي وللتأويل وصولاً إلى تبنّي حتى ما لم يقله النص. وليس من باب العبث – وعلى خلفية عنوان كتاب علي مطر، "الشعر والنباح" – أن يكون تراثنا العربي قد رأى عبر قول للجاحظ "أن الشعراء كلاب الجن"... وهل ثمة من يقدر على مجاراة الجن في استقصاء العوالم القصية أو السرية أو حتى رسم دروب لم يُسبق لخيال بشري أن رسمها من قبل؟
تخبرنا قصص "الشعر والنباح" أن القوة الإنجازية للكلمات تتحدّى العالم باعتباره مجرد تلك اللحظة التي تسبق الانهيار وليست "كلاب الجن" في هذا الصدد إلا وسيلة الكلمات لتهيئة عالم أو عوالم تأبى الركون إلا إلى مآرب الذات، إلا إلى مآرب النهوض من جديد.
فالكلمات، فضلاً عن كونها تبثنا أخبار العالم ووقائعه وصولاً إلى تشريحه وفلشه أو طيّه (حسب مقتضيات الحال)، فإنها أيضاً محملة بالخيال، خيال منسي لكنه محل أمل واتقاد. إن الكلمات وعبر دفع المجاز هي استحضار لذاكرة مبتغاة وإن السرد الذي يتوسّل لغة المجاز هو حدث قائم بذاته، حدث ضخم يملك من قوة الحضور ما يُبهت من وقع كل الأحداث الأخرى في هذا العالم المتهالك، عالم الريبة والخراب. يعبق كتاب "الشعر والنباح" لعلي مطر بتلك المسوغات التي تستبيح فجور العالم وقسوته، يعبق بتلك الكلمات التي تستدعي منا كقراء لأن "نقوم بنشر الفرح فوق حبال الغسيل مع قمصان الأطفال" (حين التقى الملاك بالفرح).
إن الاستخفاف بما يحيق بنا من أحداث جسام عبر لعبة الاستعارة والمجاز يحدّ من الذهول والحذر إزاء مقاربتنا للحياة. فللكلمات مساربها في رسم حظوظ اللامبالاة وصولاً إلى الاطمئنان. إن الكلمات عندئذ هي الحدث الأهم (ولو للحظات)، والسرد عندها هو العالم كما ترانا نبتغيه أقلّه إبّان تأليف أو قراءة الكتاب.
لقد أيقن الإغريق الأعزاء منذ زمن بعيد أن الوسيلة قد تكون هي بعينها الغاية. ربما السرد – انطلاقاً من هذا العرف الإغريقي الأصيل- هو وسيلة حكينا عن العالم وعن أنفسنا ولكنه أيضاً غايتنا القصوى بالتمام والكمال.
