سعد الله ونوس: سيرة الصمت والانتحار والاغتصاب

يوسف م. شرقاويالاثنين 2026/01/26
Sa’dallah-Wannous.jpeg
اكتئابه الصامت كان أساساً بسبب التحولات في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، والفشل الواضح في مشروع النهضة
حجم الخط
مشاركة عبر

يكتشف المتتبّع لأدبيات الصمت، السعيَ الدائم لدى الأفراد لإيجاد أماكن صامتة لا صوت فيها. نتلمّس ذلك على المستوى المتخيل في مقدمة كتاب "تاريخ الصمت" لآلان كوربان، وتتبّعه للأماكن الصامتة في عالم الأدب، فالصمت "هو المكان الداخلي الذي يظهر منه الكلام". ينطلق كوربان في تأريخه للصمت من ملاحظة أنه ليس مجرد غياب أي ضجيج وتخييم السكينة، وقد نسيه البشر بصورة كاملة تقريباً، كما أنّ المرجعيات الصوتية فقدت من طبيعتها وضعفت. ويحدد أنّ الصمت، أولاً وأساساً، هو أيضاً نوع من السلوك الداخلي الذي كان قد ألفه وعرفه العديد من الكتّاب والفلاسفة والعلماء في شتى المشارب، والكثير من الرجال والنساء العاديين على مدى القرون. إنّ الصمت، يغدو في الأجواء الصاخبة، نوعاً من محاولة العودة إلى الأنا الداخلية، لكنه في الآن نفسه، كما يقول عمار المأمون في بحثه المنشور مع اتجاهات "هنيهات من الصمت في سوريا، المكان والأنا في ظل حالة الاستثناء"، مفهوم متنوع التعاريف، لا يمكن ضبطه أو إدراكه، وينتمي إلى الموضوعات شديدة المفاهيمية، مثل الموت والكذب والإنسان.  

 

يحضر الصمت في النظرية السياسية ضمن دراسات أنظمة التمثيل السياسي، فغياب الصوت يعني الانسحاب من العملية الديمقراطية، سواء كان هذا الصمت مفروضاً أم اختيارياً. هنا يتقاطع الشخصي والحياتي بالسياسي، ويغدو اختيار الصمت موقفاً سياسياً في المقام الأول، وتعبيراً متصلاً بالشرطين الوجودي والتاريخي للإنسان، حسب تعبير الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس.

"في كل صمت هناك جانب شخصي، مدى قدرة المرء على التكيف، مدى قدرته على استنباط وسائل تكفل له أن يواصل عطاءه من دون تنازلات، أو بأقل قدر من التنازلات، لكن هناك أيضاً في الصمت جانباً موضوعياً".

سعد الله ونوس 3.jpg
مسرحية الاغتصاب لسعد الله ونوس في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت

دام صمت سعد الله ونوس قرابة عشرة أعوام (1979 – 1989) أنهاه بكتابته مسرحية "الاغتصاب" (التي تناقش مسألة الصراع العربي الإسرائيلي)، حول القضية التي كانت مجمل التغيرات التي تحدث في سياقها هي في الأصل سبب صمته. بالتالي، فإن دخول ونوس في اكتئابه الصامت، كان بالأساس بسبب التحولات في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، والفشل الواضح في مشروع النهضة العربية. وخروجه عن صمته، بعد عشرة أعوام، هو بالضرورة نتيجة تحولات جوهرية في الموقف من هذا الصراع، إذ في "الاغتصاب" يقدم ونوس اقتراحاً لإمكانية ترميم مشروع النهضة، وموقفاً جديداً بناه على مراجعة خاضها أثناء الصمت.

 

يتحدث ونوس عن أعماله السابقة على صمته، وانقطاعه عن كتابة المسرح لعشرة أعوام، ثم عودته بمسرحية "الاغتصاب" في حوار له مع ماري إلياس العام 1996: "الأمل واليقين بالفعالية. كان هناك إيمان بأنه ما زال بالإمكان التدخل في التاريخ. تاريخ المنطقة وأحداثها. كان هناك أيضاً وضعٌ يسمح بهذا الأمل أو اليقين. كان هناك ما أسمّيه منطقة التباس تاريخية، توجد تقريباً في كل دول العالم الثالث في الفترة التي لا تكون فيها السلطة قد تحولت إلى سلطة مكتملة المعالم، ولم تأخذ شكل مجتمع دولة شمولي وكلي. أي أننا كنا في عملية تاريخية ما زال الجدل فيها ممكناً".  

 

لكنّ هذا الأمل، كما يبدو واضحاً اليوم عند استرجاع تلك الفترة، بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً مع تراكم الخيبات والهزائم، ومع وضوح الشكل الحقيقي للبنى الاجتماعية والسلطات. من هنا يمكن فهم السبب المباشر وراء صمت ونوس، ضياع الأمل، الذي بلغ ذروته مع توقيع اتفاقية "كامب ديفد" وقد وصل ونوس على إثرها إلى ذروة الاكتئاب والتشاؤم والإقدام على محاولة الانتحار، تبعها الصمت الذي دام عشرة أعوام.

 

في فيلم عمر أميرلاي "وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء" (وهو فيلم عنوانه العريض علاقة جيل ونوس بالصراع العربي الإسرائيلي)، يروي ونوس أنه خلال صمته في السنوات العشر التي تبددت في سراديب الاكتئاب، كان يعلم أنه لن يستطيع مواصلة الكتابة إلا بعد إجراء مراجعة لما أنجزه، وللتدهور الذي أصاب المشروع الوطني على امتداد الوطن العربي. اتخذت هذه المراجعة طابع المواجهة، كان قوامها التعرية ووضع الأمور في سياقها الحقيقي، ومواجهة الحقائق التي فُرضت على الواقع. لأجل ذلك كان لا بد لونوس أن يتخذ موقفاً جديداً من العالم ومن قضية فلسطين، التي كانت سبب هذا الصمت. 

سعد الله ونوس 2.jpg

من داخل الجنازة

" من لساني المقطوع بدأت الهزيمة، وانطلقت الجنازة".

سنة 1978 كتب سعد الله ونوس في جريدة السفير "أنا الجنازة والمشيعون"، وفي الأعمال الكاملة (الجزء الثالث – كتاب: هوامش ثقافية) وضع قبل هذا النص عنواناً أساسياً هو: "هامش الصمت"، إضافة إلى مقاطع من حواره مع فاضل الربيعي في مجلة "الحرية" الفلسطينية سنة 1986 سبقه عنوان "هامش المراجعة والبحث عن أفق".

 

في فيلم أميرلاي، يقول ونوس: "حين زار السادات إسرائيل... لم أعرف كيف أصف شعوري... كان فيه شيءٌ من الذهول، رغم أن تلك الزيارة لم تفاجئني – وفي يومٍ جلست وكتبت أنا الجنازة والمشيعون معاً، وكان ذلك كما أذكر آخر نص كتبته، وتلته فترة طويلة من الصمت – بعدما أنهيت كتابة النص قلت لنفسي إنني متعب... في تلك الليلة، أقدمت على محاولة الانتحار الجدية".

 

ويتابع: "إيقاع موكب الجنازة هو الزمن – التاريخ. والأيام تتزحلق رخوة، ثم تغوص كخطواتنا في الرمل والحزن. ونحن لا نولول. تعوّدنا السير وراء الجنازة. وتعوّدنا نسيان أننا نسير وراء الجنازة. اضمحلّ العمر وأنا أحلم أن أقول "لا". وأبحث عن لساني فلا أجد إلا رغوة من الدم والرعب. أحسّ الآن، ومزيج من المرارة والعار يكوي أحشائي، أني، ومعي ملايين، كرّست الانفصال، وبدّدت فلسطين، ودعمت سلطة القمع، وشاركت في أمر الانسحاب الكيفي أمام العدو، وتغافلت عن مؤامرة الدفرسوار، وبعثت الآلاف للاستشهاد بالمجان، وركبت الطائرة مع السادات حين زار إسرائيل".

 

لماذا أنت صامت كل هذا الصمت؟

"أعتقد أنّ فترة الصمت كانت ضرورية أو لا يمكن تفاديها. إنها مراجعة للذات، وبالتالي، لوضع جيلٍ من المثقفين بسّطوا التاريخ في فورة حماستهم وتعجّلهم فحوّلوه إلى عدد من اللافتات والشعارات التي يبدو تحقيقها مرهوناً بكفاية النضال والوقت... لكن التاريخ ثأر من هذه المحاولات التبسيطية، وتابع مجراه الدامي وتركنا عراة". 

 

يبدو ونوس، في حواره مع الربيعي سنة 1986، أي قبل ثلاث سنوات من العودة بنص "الاغتصاب"، قد أنجز جزءاً كبيراً من المراجعة، وطرح ما يكفي من الأسئلة حول الأفخاخ والتبسيط والتاريخ وسياقه، وأجاب عليها، بناء على التحولات العنيفة التي بدأت تتوالى في السبعينات ووصلت بذاك الجيل إلى لحظة عري، وفقدانه الإيمان النسبي بأنه قادر على التغيير، واعترافه بخطئه حين ربط، وبشكل عضوي، بين فعاليته الإبداعية وفعاليته السياسية. 

 

في كتابها "حكي الطائر سعد الله ونوس" تلخص الكاتبة المصرية عبلة الرويني نتيجة المراجعة الطويلة التي خاضها ونوس. لم يقفز من عربة التاريخ مستسلماً لليأس، ولم يطمئن في مواجهة تلك الانهيارات المتلاحقة إلى التبسيطية والإيمائية السطحية، لكنه أدرك بعد طول مراجعة أنّ الوعي بالتاريخ ليس يقيناً ثابتاً، ليس مجرد شعار أو تحيز إيديولوجي، إنما ممارسة واعية ونقد وإعادة نظر ومراجعة مستمرة، إنه معرفة الذات بلا أوهام، ومعرفة العام بعمق ونفاذ، وإنه باختصار فك ارتباط نهائي مع اللاهوت واليقين وكل اطمئنان كامل ونهائي.

 

لقد استطاعت الأنظمة العربية، تقول الرويني، أن ترمم نفسها بامتصاص أثر الهزيمة أولاً، ثم التكيف معها بعد ذلك، واستطاعت أن تعيد ترتيب أولوياتها، ومن ضمنها: مواجهة المُتسائلين والحالمين، وأولئك الذين لا يخفون عدم رضاهم عن الأوضاع التي يعيشون في ظلها. الأمر الذي ذكره ونوس من قبل في فيلم أميرلاي: "باسم إسرائيل حكمتنا الأنظمة العربية لأنها ستحمي الوطن ولأنها المؤهلة للقتال، وهي لم تفعل شيئاً إلا مراكمة الهزائم".

 

ولعل المرحلة الراهنة ليست إلا امتداداً لخلاصة تلك المرحلة التي صمت ونوس خلالها: منطقة التباس تاريخية جديدة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث