قبيل أيام من نهاية سنة 1991، في أثناء إقامة محمود درويش في باريس. هناك، حين كانت الصحافية الأرمنية- اللبنانية إيفانا مرشليان الرهيبة تكمل دراستها الجامعية، وتعمل لدى إحدى المجلات العربية، التي كانت مزدهرة حينها، ستلتقي بالشاعر الأحب إلى قلبها، كما لو أنها تحقّق أغلى أمنياتها، طالما أنها كتبت رداً على سؤال في الامتحان الاختباري الأول في كلية الإعلام في بيروت لماذا تختارون الصحافة مهنة لكم؟ مجيبة: لأحاور يوماً.. محمود درويش.
وتحقق حلم الطالبة.
تُعلمنا إيفانا أنّ اللقاء الأول بينها وبين الشاعر "المعتكف" عن المقابلات، آنذاك - منذ أكثر من أربعة أعوام- جرى في باريس في 1991 في أعقاب أمسية قرأ خلالها من ديوانه "أرى ما أريد " وقد احتشد لسماعه آلاف الحضور. تلاه اللقاء الثاني في منزل الشاعر درويش، في ساحة الولايات المتحدة الباريسية بعد موافقته على إجراء حوار، بطلب من الأستاذ أنطوان نوفل. غير ان الاستجابة تراءت عصيّة، لأن اللقاء المرتقب بين الشاعر المكرّس وبين المحرّرة الثقافية في مجلة "الدوليّة" الباريسية، تموضع بين الأخذ والرد، بل وبين التأجيل مرتين والقبول الملتبس. قال درويش هاتفيّاً في المحصلة، بدفع من التردّد المنوط بمزاجية الشعراء أو ربّما بالتمنّع المرتبط بنزقهم، "تعالي يا إيفانا... أنتظرُك غدا عند الرابعة... ولا مانع لدي إن تأخرت قليلاً". في الرابعة من بعد ظهر العاشر من الشهر الأخير (10/12/1991) وصلت إيفانا وتبعها مصوّر المجلة إلى شقة درويش، لا لبس في أن مرشليان أرادت الإمساك بحوارها، بينما لن يتأخّر درويش في أخذ فكرة الحوار إلى حيث أراد.
وَعَد درويش بتسليم جواباته في الخامس والعشرين من كانون الأول 1991، ليعود ويتعهّد كتابيّاً الوفاء بوعده في الثامن والعشرين من الشهر عينه، حين أمرّ لمرشليان ستاً وعشرين ورقة حررها ووضعها في مغلف بلاستيكي "كي لا يبللها المطر".
في 28/12/1991 في السادسة مساء، بدأ اللقاء الثالث، تقول إيفانا، «ثم جلس الشاعر إلى طاولته يكمل أجوبته»، فيما هرعت مرشليان لإعداد القهوة. ولكن الشاعر تلكأ من جديد، توقف عن الكتابة، وذهبا إلى العشاء في مطعم صيني: "هو يحب العيش في باريس. مرحلة غريبة ومهمة في آن، لكن أمنيته العودة إلى فلسطين، احتضان أرض فلسطين وأهلها... بعد ذلك، بعد العشاء شاي بالياسمين وبوح واعتراف من درويش: "كل ما كتبته من قصائد لم يولد من حزن أسـود، بل من فرح غامض حزين لم يفارقني أبداً حتى هذا العمر".
هو حوار غير عفوي، المدّبر كُتبت أسئلته مسبقاً، واستلزم من الصحافية أربع زيارات رسمية على الأقل إلى منزل درويش الباريسي، والذي اختلى أمسيات عدة لوحده كي يكتب أجوبته منتقياً الأسئلة التي تروقه، وحاذفاً منها ما لا يريد الإجابة عنه.. هذا الحوار، الذي يبدو بمثابة درّة عمل إيفانا الصحافي. تحول إلى قصة وحكاية وربما الى رواية. تقول إيفانا: "كأنها المرحلة الحاسمة التي بدأت لتحديد مسار الفكر والوعي والمعرفة والتعارف بيننا. ما أجمل تلك المرحلة وأرقّها". كان لدرويش ما أراد، من دون أن يعني ذلك أنه تحكّم بجميع مفاصل المشروع. تعلّقت نصيحته النهائية لمرشليان بالمحافظة على المخطوط، من دون أن يحدّد موعداً دقيقاً لنشره مُعلنا "أنت وحدك ستعرفين متى يحين الوقت. ربّما بعد عشرين عاماً أو أكثر".
استمرت لقاءاتهما قرابة السنتين، تأتي فيهما إلى المجلة، كل يوم، فأقرأ حزنها في عينيها، ثم أسمعها تترنم بأغنية فيروز: "لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا.. قصتنا الغريبة ضيعها الهوا".
في نهايات 2013، بعد خمسة أعوام على غياب درويش، اقتنعت مرشليان أن الموعد حان للنشر، فبزغ كتاب موزع في جزءين بعنوان "أنا الموقع أدناه"(دار الساقي). رصد الجزء الأول لما يجوز عدّه اللقاءات الإعدادية للقاء الموعود. في حين أدرجت في الثاني، المقابلة كاملة مطبوعة وبخط يدّ درويش أيضاً، ناهيك بصور فوتوغرافية تبيّنه أمام الواجهة الزجاجية المطلة على برج إيفل، وأمام مكتبته ومدوّنا جواباته وفي مطارح أخرى. في موازاة تلك الجلسات التمهيدية انغمس درويش في الكتابة الشعرية، بالتحضير لقصائد كان يعتزم إصدارها لدى "دار الجديد" وحيث شغله "الهندي الأحمر" و"الرجل الأبيض" و"شتاء ريتا". ضبط إيقاع الاجتماعات التحضيرية العفوية، احتساء القهوة في المنزل فعشاء صيني في "قصر التروكاديرو" ونزهات في جادات باريس وأحيائها وغيرها. سخّر درويش هذه اللحظات لمحاولة استنطاق ابنة السادسة والعشرين. سألها من أي منطقة تتحدّر وعن الكتّاب والتشكيل والأغنيات. سعى كل منهما إلى تعلّم كيف يقارب الثاني. تقلّصت المسافة بين الإثنين تدريجاً، يدلّ عليها تبدّل استخدام ايفانا للضمائر في وصفها الشاعر. تتوجه إليه بداية بصيغة الغائب تسميه "هو"، لتستعيده لاحقاً بصيغة المخاطب، كأن حاجز الملاءمات الشكلية سقط. تكتب "أخبَرتَني بفرح لا يعادله فرح عن أمك حورية أبيك سليم، جدك حسين وكل الأخوة والشقيقات وقلت عنهم "نحن نشبه بعضنا كالتوائم". نقلت إيفانا ما قاله الراحل عن أمه: "أمي هي أمي. ولو استطعت أن أفك خصرها وضفائرها من لعنة الرموز لفعلت. نعم، تركت وجهي على منديلها، لأنني خارجها أفقد ملامحي. وعندما لا أطلب من كل هذا المأسوي، الذي هو ما يدور في بلادي وعليها، غير منديل أمي، فلأنني أسعى لاسترداد ملامحي الأولى، لاسترداد إنسانيتي في صورتي كما هي، لا كما ترسمها الجريمة الكبرى التي ارتُكبت في بلادي من ناحية، ولا كما ترسمها البطولة من ناحية أخرى".
في المقابلة تسأل ايفانا درويش عن القهوة والأمل وعن أركيولوجيا الأمكنة وعن بيروت. تستفهمه "بأي قلب تتذكّر بيروت؟ وبأي قلب تتذكرك بيروت"؟ فيجيبها: "عشتُ في بيروت عشر سنين كانت كافية لكي أعبّر عن حبي الإنساني أكثر لبيروت، لولا صفتي الوطنية التي قد تخدش من يعتقدون أن التعبير عن حب بيروت يعكس نيّة في التوطين". ليردف: "لكن بيروت لم تُكتب بعد". تسأله إيفانا أيضاً "لماذا الشعر؟ وماذا يبقى منك خارجه؟" ليردّ: "لماذا الشعر؟ لأني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج الشعر. فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشعراء عصابة من المجرمين والمجانين (...) أما ما بقي مني خارج الشعر: القناع والهدف والموروث وشرط الحرية".
لقد دونت الكاتبة ما دار بينهما من أحاديث خلال زياراتها لمنزله وتنزهاتهما في شوارع باريس قبل استلامها منه نص الحوار مكتوباً، وقد تناولت تلك الأحاديث الجانبية كثيراً من القضايا ومواقف الشاعر منها، وكشفت عن العديد من عوالم حياة الشاعر، بما في ذلك علاقته بمنزله والمدينة والطعام والقهوة والكتاب والكتابة، وغيرها من التفاصيل الصغيرة والعناوين الكبيرة التي قد تبدو هامشاً في الكتاب تمثل فيه تقديماً للحوار، وتمثل متناً موازياً لنص الحوار. كان درويش، وهو يتحدث إلى الكاتبة على طاولة الطعام، أو خلال مرورهما في شارع ما أو خلال تناولهما القهوة… يعرف أنها ستدون، لاحقاً، كل ما كان يدور بينهما، وقد أخبرته بذلك – أيضاً- وفق ما ورد في الكتاب، بل إنه كان يدرك أن ذلك الحوار سيتجاوز مسألة النشر الصحافي، إلى نشره في كتاب يتضمن كل تلك الأحاديث؛ ولهذا قال مخاطباً محاورته عند تسليمها مخطوطة الحوار "أهديك هذه المخطوطة… حافظي عليها جيداً وتصرفي بها في الوقت المناسب". ويتخلّل الكتاب ما تكشفه إيفانا من أنها كانت في الثانية عشرة عندما تعرفت مصادفةً على كتابات درويش. فقد سلّمتها إدارة المدرسة (مدرستها) في حفل انتهاء العام الدراسي مغلفاً مختوماً دُوّن عليه: "جائزة اللغة العربية"... وكانت "يوميات الحزن العادي" (عنوان كتاب لدرويش)، ولما سألت والدها عن محمود درويش، أجاب: "هو أهم وأشهر شاعر فلسطيني اليوم".
كتاب إيفانا يأخذ معنى آخر، فهي المرأة التي التقاها درويش في عيده الخمسين وأحبها بحسب رواية صديقتها الروائية العراقية إنعام كجه جي (الشرق الاوسط 28 أيلول 2013). أخفى درويش الكتاب عندها، طالبا منها عدم نشره قبل مرور خمسة أعوام على وفاته. إن درويش "كان يسميها إيفانا الرهيبة، نسبة إلى إيفان الرهيب، أول قياصرة روسيا الذي عاش في القرن السادس عشر". وتضيف كجه جي "لا شك أنه ارتاح لشخصيتها الحية وجمالها الهادئ، وبالتأكيد فإن قلبها مال إليه. فقد كان الشاعر الفلسطيني وسيما ويحمل تلك الهالة التي تحيط برؤوس المبدعين الكبار، فكيف إذا تماهى مع قضية وطنية وقومية ذات سطوة علينا جميعا؟" وتزيد كجه جي أن صديقتها "عادت إلى المجلة وهي تطير مثل فراشة. وأسرّت لي، فيما بعد، بأن الشاعر دعاها للعشاء في مطعم صيني، ثم تكرّرت اللقاءات، كما زارها حيث تقيم في بيت الطلبة الأرمن، في المدينة الجامعية، وحمل لها شجيرة عيد الميلاد. أين المقابلة يا إيفانا؟ كانت وكأنها تريد أن تحتفظ بها لنفسها وتضنّ بها على أي إنسان آخر. ثم امتثلت وأفرجت عن الأسئلة والأجوبة ونشرت المقابلة، أوائل 1991، بعنوان مستل من عبارة قالها درويش: "لم يعد في قلبي مكان لطلقة جديدة". "لقد اجتمعا بعد فترة لاستكمال حوارهما الأول، على أمل أن ينشر في كتاب. كتابهما الذي سيجمع اسميهما معاً. وجلس محمود درويش ليسجل أكثر من ثلاثين صفحة إضافية بخط يده، تحدث فيها عن طفولته وعن أمه وعن ريتا وعن شياطين شعره الوطني والعاطفي. ثم طلب منها أن تتولى كتابة مقدمة تروي فيها طبيعة لقاءاتهما، مع صور لهما في بيته في باريس. ورجاها أن تستبقيها لديها ولا تنشرها إلا بعد خمس سنوات من رحيله. كان قلبه يشاكسه ويهجس بأنه لن يعمر طويلا. من منا يعرف ساعته؟".
استمرت لقاءاتهما قرابة السنتين، تأتي فيهما إلى المجلة، كل يوم، فأقرأ حزنها في عينيها، ثم أسمعها تترنم بأغنية فيروز: "لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا.. قصتنا الغريبة ضيعها الهوا". كانت تتيه في كلماته وهو يخبرها بأنها سره الجميل، يصرف رفاقه وزواره، باكراً، لكي يتفرغ لموعدها. وعندما تواجهه بعينين حائرتين عن مآل تلك اللقاءات، يجيبها بأن صداقتها تساوي مائة حب. بعد اتفاقية أوسلو، عام 1993، خيل لها أن شاعرها قد تغيّر وانشغل عنها. كان قد اقترح عليها أن تذهب لقضاء الصيف في لبنان وسيفكر هو في الحل المناسب. قال لها إن في حياة الفلسطينيين نكبة واحدة وإن في حياته نكبتين. لكنها لم تشأ أن تكون نكبة ثانية ولا أولى، فسافرت إلى أهلها ولم تعد إلى باريس ولم تلتقِ به إلا بعد سنوات، حين زار بيروت لتوقيع ديوانه "حالة حصار"، في ربيع 2002. يومها، ذهبت إليه في فندق "الكومودور" فتأملها وهمس: "لم تتغيري، ما زلت رهيبة". ولاحظت أنه لم يموه غبطته حين عرف أنها لم تتزوج، وكان حنونا معها حين أخبرها بأنه مدين لها بالتوضيح، فهو قد اختار "الحل الذي لا يقلق أهلها".
