ستة مليارات دولار هو الثمن الذي يدعى أن الحكومة الإكوادورية الجديدة طلبته من ترامب مقابل تسليم جوليان أسانح، متراجعة عن وعد بمنحه اللجوء السياسي. في فيمله "رجل الستة مليارات دولار" (2025) لا يقدّم المخرج يوجين جاركي سيرة فردية لمؤسس موقع ويكيليكس، بل يرسم شبكة معقدة من الخيانات والمقايضات يقع أسانج في القلب منها، بل والأهم صورة لنظام سياسي للعالم شديد العطب.
من بعيد، يستلهم الوثائقي أيضاً عنوان سلسلة الخيال العلمي التلفزيونية الأميركية الشهيرة "رجل الستة ملايين دولار"، ويبدو أسانج كنموذج لبطل معاصر بفضل نشاط فريد أتاحه الأنترنت، لكن الأوديسة الأرضية الخاصة به أو ما يمكن تسميتها تراجيديا بنهاية سعيدة، تجري بطول سبع سنوات في الحيز الضيق لمبنى السفارة الإكوادورية في لندن، حيث تنقل لنا تسجيلات كاميرات المراقبة المزروعة داخلها ذلك الشعور الخانق لمشاهد أفلام الخيال العلمي الهوليوودية، وكأنه في أحد الكبسولات الفضائية أو داخل غواصة على وشك الغرق في أعماق المحيط.
يقدّم الفيلم خطاً زمنياً لإنجازات موقع ويكيليكس، بداية من تسريب "فيلم القتل الجانبي" والذي أظهر بالصوت والصورة القوات الأميركية وهي تقتل مدنيين عزل في ضواحي بغداد، الأمر الذي قاد الحكومة العراقية إلى رفع الحصانة التي تمتعت بها القوات الأميركية في البلاد حتى ذلك الحين، ولاحقاً قرار أوباما ببدء الانسحاب من العراق. المفارقة أن حصول الموقع على المشروعية، عبر تعاونه في مشروعات مشتركة مع كبريات وسائل الإعلام التقليدية، كان بداية السقوط الطويل لأسانج. تعرضت عملية نشر عدد ضخم من تسريبات "البرقيات الدبلوماسية" بالتعاون مع "الغارديان" و"نيويورك تايمز" و"ديرشبيغل" إلى تسريب من الدرجة الثانية.
يتهم الفيلم ديفيد لي، رئيس تحرير التحقيقات السابق في جريدة الغارديان بنشره كلمة مرور سرية لعدد هائل من الملفات الحساسة وغير المنقحة، وذلك في كتاب نشره عن ويكيليكس. يظهر أسانج المصاب بخليط من جنون العظمة والبارانويا مثل مسيح يبيعه أحد حوارييه أو مثل يوليوس قيصر الذي يطعنه رفاقه، من داخل دائرة المقربين، يقوم المراهق سيغوردور "سيغي" ثوردارسون، المتطوع للعمل في الموقع بالتقدّم بنفسه إلى السفارة الأميركية للتجسس على أسانج لصالح مكتب التحقيقات الفيدرالي. أيضاً ملجأ أسانج الأمن داخل السفارة الإكوادورية سرعان ما يتحوّل إلى محبس مسكون بأشباح جنوب الارتياب، حيث يدعي الفيلم أن أفراد من شركة الأمن الموكل بها حراسة السفارة سيقومون بزرع كاميرات للمراقبة في كافة أنحائها ونقل التسجيلات مباشرة إلى مقر شركة للمقامرة في الولايات المتحدة، مملوكة لرجل أعمال مقرب من ترامب. كذلك تصل التسجيلات إلى أيدي مجموعة من المجرمين الصغار في مدريد، ستحاول ابتزاز أصدقائه من أجل المال. في مقابل الخونة والمحتالين والأوغاد المحيطين به، يقف إلى جانب أسانج الكثير من المقربين الذين يظهرون في الفيلم بوصفهم شهود عيان، من بينهم محاميته وحبيبته ورئيس الإوكوادور السابق بل وحتى الممثلة باميلا أندرسون.
وسط إيقاع لاهث من المغامرات المخلوطة بحس تراجيدي، يبدو أسانج شخصية هامشية أو مجرد مبرر للسرد. الخيانات الصغيرة من حوله أعراض لمنظومة سياسية طاغية تكره الحقائق المزعجة، وتتوحد في ملاحقة رجل واحد. يذهب الفيلم إلى أن اتهامات الاغتصاب التي وجهت ضده كانت ملفقة من قبل الحكومة السويدية، أما البريطانيون فلم يكتفوا بمراقبة مقر إقامته داخل السفارة على مدار الساعة بل خرقوا القانون الدولي حين اقتحمتها الشرطة لإلقاء القبض عليه. وفي الولايات المتحدة، بينما سعت إدارة أوباما لإدانته قضائياً بكل السبل، نستمع إلى ترامب وهو يسأل بأريحية: لماذا لا نطلق الرصاص على هذا الرجل؟
من جانب تبدو الإدانة التي يوجهها الفيلم للمنظومة السياسية العالمية متأخرة بعض الشيء، بينما نراها تنهار سريعاً أمام أعيننا، ومن جهة أخرى تبدو الأحداث التي يستعرضها وكأنها نبوءة لهذا التداعي الأخير.
