"أبو ميلاد"... وثيقة سينمائية عن وليد دقة والزمن الإسرائيلي

حسين جلعادالسبت 2026/01/24
Image-1769236379
حجم الخط
مشاركة عبر

عشية انطلاق أعمال "المنتدى السنوي لفلسطين" في دورته الرابعة في العاصمة القطرية الدوحة، عرض مساء الجمعة العرض الخاص والأول للفيلم الوثائقي "أبو ميلاد" والذي استعرض السيرة النضالية والفلسفية للأسير والكاتب الفلسطيني الراحل وليد دقة، وناقش الفيلم المعركة الإنسانية الفريدة التي خاضها لانتزاع الحياة من خلف القضبان، والتي تجسدت في ولادة ابنته "ميلاد" عبر نطفة محررة، وذلك في تحد صارخ لمنظومة السجن الإسرائيلية.


والشهيد دقة هو مناضل وكاتب فلسطيني قضى أكثر من 38 عاماً في السجون الإسرائيلية، ويعد من أبرز مفكري الحركة الأسيرة. والفيلم من إنتاج شركة "ميتافورا" (Metafora) وبتنفيذ "إطار دار"، وسوف يجري عرضه لاحقاً على شاشة تلفزيون العربي.

 

حكاية الزمن الموازي
يمثل فيلم "أبو ميلاد" قيمة مضافة في تاريخ السينما الوثائقية، فهو لا يكتفي برصد سيرة أسير، وإنما يغوص في فلسفة "الزمن" التي صاغها وليد دقة في كتابه "الزمن الموازي" وكذلك في مفهوم أطروحته الشهيرة "صهر الوعي". وينجح الفيلم في إبراز ثنائية القيد والحرية فيبرز قصة ابنة وليد "ميلاد"، وينقلها من مجرد واقعة بيولوجية (نطفة محررة) إلى رمز سياسي وفكري يتحدى الزمن الإسرائيلي الذي أراد تغييب الأسير خلف القضبان. كما يتجاوز الفيلم خطاب الشعارات ليركز على الإنسان؛ أي وليد الأب والزوج والمفكر، مما يجعل المشاهد يشعر بحجم الفقد الذي خلفه رحيله بعد 38 عاماً من الصمود.


ويوظف المخرج التباين البصري الحاد؛ بين ضيق الزنزانة التي تمثلها النصوص والرسائل، واتساع أفق عائلة دقة (سناء وميلاد) في الخارج، مما يخلق صراعاً درامياً صامتاً يعبر عن استمرارية الحياة رغم أنف الاعتقال.


ويعتمد الفيلم على شهادات حية لشخصيات عرفها المناضل الشهيد، وكذلك على قراءة لنصوص وليد بصوته والتي عبرت عن عمقه الإنساني والفكري، مما جعل الحضور الذهني للراحل "أبو ميلاد" يطغى على غيابه الجسدي والذي حدث في أبريل/ نيسان 2024 نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

Image-1769236458
يبرز الفيلم سناء سلامة كعامل دفع تاريخي؛ فهي المرأة التي اختارت أن ترتبط بأسير محكوم بالمؤبد وهي تدرك تماماً معنى "الزمن الموازي" الذي سيفرضه عليها هذا الخيار.


ويجري الفيلم في خطه الرئيسي على لسان سناء سلامة، زوجة الشهيد دقة، وفي هذا المعنى فإنها تظهر كشريكة في "تحرير المعنى" الذي ظهر في أطروحاته الفكرية، فهي لم تكن تنتظر خلف الباب، بل كانت تقاتل معه لانتزاع حقهم في الحب والزواج وإنجاب "ميلاد" وفي استمرارية الحكاية، ثم في الصمود ودفع الثمن في مواجهة سلطة الاحتلال حتى بعد رحيل زوجها.


وضمن نسيج الفيلم، تتشابك ثلاث شهادات مفصلية شكلت معاً بورتريه فكرياً ونضالياً شاملاً لوليد دقة، حيث أضاء كل من  المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الدكتور عزمي بشارة، والأسير المحرر زكريا الزبيدي، والمناضل نائل البرغوثي، زاوية خاصة من سيرة هذا الأسير الاستثنائي؛ فبينما غاص بشارة في "عقل" وتجربة وليد ومقارباته النظرية خصوصا بشأن فهمه لأطروحات المواطنة والاشتباك المعرفي، فقد استدعى الزبيدي روح المواجهة وصلابة العقل الحر في عتمة الزنازين، في حين منحت شهادة البرغوثي العمل عمقاً نضاليا من وحي التجربة المشتركة في الأسر والصمود الطويل، ليتحول الفيلم بشهاداتهم من مجرد سرد لسيرة ذاتية إلى وثيقة وطنية تؤطر أبعاد الشخصية الفلسطينية في مواجهة آلة المحو.

 

سناء ووليد.. البطولة خارج الكادر
يبرز الفيلم سناء سلامة كعامل دفع تاريخي؛ فهي المرأة التي اختارت أن ترتبط بأسير محكوم بالمؤبد وهي تدرك تماماً معنى "الزمن الموازي" الذي سيفرضه عليها هذا الخيار. ولم تكن سناء في الفيلم مجرد متحدثة، بل كانت المناضلة التي تدير المعركة القانونية والإعلامية والوجودية من الخارج، محولةً قضية زوجها من قضية "سجين" إلى قضية إنسان يطالب بحقه في الحب والأبوة.


اللحظة المركزية في الفيلم هي رحلة انتزاع "ميلاد". هنا تتجلى عظمة التحرر من قيود السجان؛ فهذا تحد ضد منظومة أمنية كاملة. وبهذا المعنى فإن الحق في الأمل أي ولادة الطفلة ميلاد لم تكن حدثاً عائلياً فقط، بل كانت "عملية تحررية" قادها وليد وسناء بصبر وثبات، لتثبت أن الإرادة الفلسطينية هي المختبر الحقيقي الذي تنكسر عليه أدوات "صهر الوعي".

Image-1769236555
اللحظة المركزية في الفيلم هي رحلة انتزاع "ميلاد". هنا تتجلى عظمة التحرر من قيود السجان؛ فهذا تحد ضد منظومة أمنية كاملة.

فلسفة تحرير المعنى
إن الغوص في فلسفة وليد دقة يفتح الباب لفهم كيف تحول "الفعل النضالي" من مجرد مواجهة جسدية إلى معركة وعي وجودي شاملة. ففي الفيلم، لا يظهر السجن كجدران فقط، بل كأداة صممها الاحتلال لصهر الوعي، ويوضح الفيلم كيف حاول السجان تجريد الأسير من إنسانيته وانتمائه، لكن "أبو ميلاد" لم يكتفِ بالصمود، بل واجه هذه السياسة بالبحث والكتابة، محولاً الزنزانة إلى مختبر سوسيولوجي لفهم أدوات القمع وتفكيكها.


ولعل من أعمق النقاط التي يتناولها العمل هي فكرة أن للأسير زمناً يختلف عن زمننا في الخارج، فبينما نعيش نحن في "الزمن العادي"، يعيش الأسير في "الزمن الموازي" حيث الثواني تمر ببطء قاتل، لكن ولادة "ميلاد" كانت العملية الأكبر لـ "تحطيم ساعة السجان". من خلال جلب حياة جديدة إلى العالم، حيث استطاع وليد أن يربط زمنه الموازي بزمننا العادي، معلناً انتصار الأمل على العدمية التي يحاول السجان فرضها.


وهنا يلتقط الفيلم يطرح الفكرة الثورية الأبرز في فكر وشخصية دقة وهي أن التحرر الحقيقي يبدأ بـ "تحرير المعنى"، فهذا المناضل الفلسطيني لم ينتظر الحرية لكي يمارسها؛ بل مارس حريته كأب، ومفكر، وعاشق وهو داخل القيد، ولعل أبرز تمثيل على ذلك هو ما قاله الأسير المحرر زكريا الزبيدي أن دقة كان حراً داخل المربع، أي أنه كان في فكره غير خاضع لمعادلة السجان.

 

ستلمع عيناك وتنهمر دموعك
في هذه الفيلم ستلمع عيناك بالدمع مرات عديدة، لكنك لن تستطيع أن تمنعها من الانهمار في المشهد الأفدح، حين يصر السجان الإسرائيلي على منع علاج دقة من سرطان النخاع، ستراه وهو محمول في العربة الأخيرة إلى المستشفى، وقد هزل جسده. لقد قتله الإهمال الإسرائيلي وهو معزول عن العالم، وممنوع على عائلته أن تتواصل معه أو أن تزوره أو حتى تتصل به. ستبكي حين تسمع صرخات "ميلاد" وهي تسأل عن أبيها.


"أبو ميلاد" هو في جوهره قصة "الحب المشتبك"، فهو درس في كيف يمكن لشخصين أن يصنعا وطناً صغيراً رغم أن أحدهما داخل زنزانة الأعداء، وكيف يمكن لرجل وامرأة، بإيمانهما وصلابتهما، أن يجبرا السجان على الاعتراف بهزيمته أمام صرخة طفلة، لقد رحل وليد دقة جسداً، لكن سناء سلامة وميلاد باقيتان كشهادة حية على أن "الزمن الموازي" قد انكسر، وأن الحياة في فلسطين، مهما ضاقت السجون، تظل هي صاحبة الكلمة الأخيرة.


وجملة القول إن الفيلم يأتي في وقت يناقش فيه المنتدى "حرب الإبادة على غزة"، ليعيد تذكيرنا بأن القضية الفلسطينية، في جوهرها، هي معركة على الذاكرة والوعي. 


لم يخرج الجمهور من الصالة متأثراً بتراجيديا الفقد فحسب، بل خرج محملاً بمسؤولية "تحرير المعنى" الذي تركه وليد دقة أمانة في أعناق المثقفين والأحرار. إن "أبو ميلاد" ليس فيلماً عن أسير رحل، بل هو بيان سينمائي عن فكرة لا تموت، وعن زمن فلسطيني مواز، بدأ خلف القضبان، لكنه لن ينتهي إلا بالحرية الكاملة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث