يارا الخوري... الشِّعر رقصاً مُمسرحاً

رنا علوشالخميس 2026/01/22
Image-1769072521
حجم الخط
مشاركة عبر

مواهب شابّة كثيرة تتمشّى اليوم في شوارع بيروت، متسائلةً عن مصيرها، وعن أحلامٍ تهاوت بفعل الأزمات المتتالية التي تُخيّم على لبنان، والحرب التي غيّرت الكثير في دواخل أصحابها. يبدو الاستمرار والتمسّك بالأمل مهمّة شاقّة، فيما يصبح الأصعب هو قدرة الشباب على خلق فرصهم في بلدٍ باتت الفرص فيه شبه مستحيلة. لذلك، فإنّ الإضاءة على أولئك الذين يخطون خطوات ثابتة اليوم تبدو ضروريّة، لأنّ ما يفعلونه في هذه المدينة المتعبة ليس تفصيلاً عابراً.


على خشبات المنابر المفتوحة في بيروت، اكتشفت الشابّة يارا الخوري حبّها لإلقاء الشعر، قبل أن يتحوّل هذا الشغف، مع الوقت، إلى كتابةٍ شخصيّة. بالنسبة إليها، كان الشعر صديقاً مقرّباً؛ فتح أمامها نوافذ على أزمنة بعيدة، وأعادها في الوقت نفسه إلى ذاتها، بوصفه مساحة للبوح والتأمّل والنجاة.


من المسرح إلى الجسد
أكملت الخوري دراستها الجامعيّة في اختصاص المسرح في "الجامعة اللبنانيّة" (الفرع الأوّل)، حيث بلورت ميولاً واضحة نحو المسرح الحركي والرقص المعاصر، بوصفهما لغتين تعبيريّتين وجدتهما قادرتين على ملامسة الشِعر، بل والتقاطع معه في الجوهر والإحساس. من هنا، اتّجهت إلى تطوير أدواتها في المسرح الحركي وتقنيات الرقص المعاصر، بحثاً عن شكلٍ أدائيّ يمثّلها. 

Image-1769072602

تدرّبت الخوري وعملت مع عدد من الراقصين ومصمّمي الرقص في لبنان وخارجه، وشاركت في أعمال لفرق مسرحيّة لبنانيّة رائدة. وقد أسهمت هذه التجارب في صقل خبرتها، ومكّنتها من بناء هويّة مسرحيّة وحركيّة واضحة، تُجسّد رؤيتها الفنيّة وتُعبّر عنها، وتُراكم وعياً جسدياً متماسكاً يتغذّى من التجربة والمعرفة.


"وحدنا تحت الشمس نمشي"
عملت الخوري على ابتكار لغة خاصّة تمزج بين الشعر والحركة في تيّار واحد متدفّق. وبعد سنوات من الشغف والبحث وتراكم التجارب، شكّلت الخوري هويّة حركيّة تجمع بين الرقص المعاصر والشعر، وقدّمت عرضها الأوّل، الذي حمل توقيعها كمخرجة ومصمّمة رقص، العام الماضي، تحت عنوان "وحدنا تحت الشمس نمشي". حاز العرض إقامة فنيّة في شمال إيطاليا ضمن مهرجان "رامي دورا"، كما عُرض مقتطف منه في مهرجان "بزار" في براغ، قبل أن يُقدَّم كاملاً على خشبة "مسرح المدينة" في بيروت. هو عرض، يستكشف سيرة امرأة شابّة في رحلة عاطفيّة تتأرجح بين الألم والانسلاخ والتحوّل. 


عادت الخوري وطوّرت عرضها من حيث الإضاءة والسينوغرافيا والأداء، لتصبح هي نفسها المؤدّية على الخشبة. وقدّمت مقطعاً منه (20 دقيقة) في "مركز بيروت للفن" تحت عنوان "الرقص وكل شي صار".
أمّا النسخة الجديدة الكاملة من "وحدنا تحت الشمس نمشي"، فنترقب لها ثلاثة عروض: الأوّل في 7 شباط/فبرايرعلى خشبة "مرسح" في طرابلس، والثاني في 14 آذار/مارس في "بيت بيروت"، على أن يُعرض في 5 نيسان/أبريل في قرية الفريكه (المتن الشمالي)، ضمن الدورة الأولى من "مدار"، مهرجان الرقص المعاصر الذي أسّسته يارا الخوري، بعد حصولها على منحة من الصندوق العربي للثقافة والفنون "آفاق".


"مدار": فُرص في زمن شحيح
إيماناً منها بأنّ الفرص لا تُنتظر بل تُخلَق، وإدراكاً منها لضآلة الفرص المتاحة للراقصات والراقصين المعاصرين في لبنان، بادرت الخوري إلى تأسيس مهرجان سنوي للرقص المعاصر. تنطلق النسخة الأولى من "مدار" في 4 نيسان (أبريل) في "بيت الحرير" في قرية الفريكه، وقد أطلق المهرجان دعوة مفتوحة لعروض الأداء التي تعتمد الحركة لغةً أساسيّة، إلى جانب ورش تدريبيّة متخصّصة.


يتمحور المهرجان حول مسألة "لفنّ في زمن عدم اليقين"، وهي أحد الهواجس التي تشغل الخوري في السنوات الأخيرة، في ظلّ النزاعات الكونيّة المهيمنة التي تعيد تشكيل ملامح العالم، وتُنتج حالات متزايدة من عدم الاستقرار.
 

Image-1769072448


في خضم المشهد المضطرب اليوم، تبدو يارا الخوري نموذجاً لفنّانة اختارت أن تعبر بين العوالم، وأن تجمع في شخصيّتها بين الشاعرة والراقصة، وبين التأمّل والفعل. بالنسبة إليها، لا ينفصل الشعر عن الحركة، ولا الجسد عن الذاكرة، بل يتكاملان في فعلٍ فنّي يسعى إلى الفهم والمواجهة والبقاء. من هذا التلاقي، تستلهم الخوري أعمالها الكتابيّة والأدائيّة، بوصفها مساحات مقاومة ناعمة، ومحاولات مستمرّة لإعادة طرح السؤال الأهم: كيف يمكن للفنّ أن يمنحنا معنى، ونحن نمشي وحدنا، تحت شمسٍ لا تكفّ عن التبدّل؟

 

من قصائد يارا الخوري:
عند كلِّ منعطف
أومئ برأسي لأهل الحيّ
أكشّر عن أنيابي لمن أحبهم
ولسائقي سيارات الأجرة
البسطاء
المدينة تبلّلُ أزهاري التي أنشرها بفخرٍ على الشرفة
بأمطارٍ حمضية
وإذا العاصفة حملت معطفي الأسود
فبالواقع
أنا لا أمتلك شيئاً
عمرٌ رخيص
وبلدٌ أخرق
كلّ مرةٍ أدير فيها ظهري، 
أدفن توقي وخجلي. 
حلمُ الاتّكالية
يمضغه النعاس
ونعيق الملهِمة
غرابٌ على رأس عمود كهرباء في مدينة عشوائية
أنا
أنتقي أجمل الأشياء
لأذمّها
ولأعصرها من الاعتيادية
لتصبح حبكة قصصية
لتعني شيئاً
أخاف على الأشياء من الموت في شرك الاعتيادية
أنهر البشر على بشريتهم
أما الذين أحبّوني
فأتّهمهم بالجُبن والتقصير
لأنهم لم يجازفوا على دروب العظمة
في قوقعتي
أنا ملكٌ جبّارٌ حكيمٌ متّزنٌ
فنّان
على الرصيف
عندما أمرّ من تحت شرفة الزوجين المسنّين وأقول: مساء الخير
أنا عابرُ سبيلٍ
مهذّب.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث