مَن يريد الذهاب إلى معالج نفسي، إثر مشاكل عائلية عالقة منذ طلاق والديه وهجر الأب، فيما يقدم المخرج النروجي يواكيم ترايير علاجًا مكثفًا على مدى ساعتين وربع الساعة في فيلمه Sentimental Value(2025)؟
الفيلم الحائز الجائزة الكبرى في مهرجان "كان" العام الفائت، لا يجلس مع المشاهد فحسب، بل يتسلَّل إلى خلاياه الإنسانية والشعورية حتى النفس الأخير. يدخل في عمق العلاقات الإنسانية والعائلية بين الأب والأم، والأب وابنتيه، والأخت والأخت، والجد والحفيد، والأب وأمه، والجدة وحفيدتها. لا يترك الفيلم أي ثغرة في عملية الانكسار والتحطيم وخراب العلاقات في أركان العائلة والشفاء منها. لا يتخفى وراء أي أزمة أو مشكلة بين أفرد العائلة جميعًا. لا يدور حولها ولا يوارب بل يدخلها حتى الصميم.
طَلَّق المخرج غوستاف بورغ (ستيلان سكارسغارغ) زوجته كارين (فيلد سويلاند)، وكانت ابنتاهما نورا وأغنس قد وعتا مشاكلهما منذ الصغر. غادر الأب المنزل تاركهن وراءه. كبرن وصنعن أنفسهن حتى ماتت الأم. ظهر في الجنازة أمام ابنتيه من دون إعلان مسبق. حاول التواصل معهما من دون الالتفات للدمار النفسي الذي خلّفه غيابه فيهما طوال تلك سنوات.
يطرح مخرج "أسوأ شخص في العالم" (2021) أسئلة جوهرية: ما البيت؟ ما العائلة وماذا تعني؟ كيف هو شكل حب الأب والأم والأخت؟
يدخل ترايير إلى البيت العائلي، نفسيًا وفيزيائيًا، عبر بابه الخلفي بصحبة نورا (رينيت رينسف) التي دائمًا ما كانت تسلكه، مع أختها أغنيس (إنغا إبسدوتر ليلياس) ليختفيا عن أنظار مَن في البيت وينطلقا إلى عالمهما الخارجي.
لم تتغير عادة نورا في الهروب والتخفي بعدما كبرت لكنها صارت تواجه بانفعال غاضب أو بروية قاتلة. أداء الممثلة رينيت رينسف إنساني وواقعي بتعقيدات شخصيتها التي تواجهها وتحاول تخطيها. تقف وجهًا لوجه مع صعوباتها النفسية في عملها بمحاولات الهروب من أداء أدوارها. حياتها العاطفية ليست كما ترغب لها أن تكون. أما علاقتها بأختها فهي ميزانها وأمانهما العاطفي.
أختها الممثلة إنغا إبسدوتر ليلياس الهادئة، تقدّم تمثيلًا خلّاقًا برقّة توجع القلب. كوّنت عائلة من زوج وابنٍ وحيد. تهتم ببيتها وبيت العائلة. تكون حاضرة دومًا لأنها اختبرت الغياب والفقد والانكسار الذي يخلّفهما. أما الوالد غوستاف، مؤديًا دوره باحترافية متقنة الممثل ستيلان سكارسغارد، فهو مخرج رائع وناجح لكن شخصيته صعبة كما تصفه نورا، وأبٌ كان غيابه مدويًا لابنتيه.
يجلس المخرج يواكيم ترايير مع تلك المشاكل العائلية التي يبدو أن لا حل لها. تعيشها شخصياته بإنسانيةً مطلقة. تبدأ بالمواجهة ثم بمحاولات الهروب منها والاتفاف حولها لتستسلم أخيرًا وتخوضها بوجعٍ وأسى. يقول يواكيم بذكاء عميق وهدوء حكيم كيف تكون السينما أداة للشفاء والتعافي. يضع المشاهد مع عائلته وأفرادها في جلسة تفتح فيها القلوب لتنظف وتغسل روحها.
يسلسل علاقة الأب والأم وكيف تؤثر في الأولاد. وكيف تؤثر علاقة الأولاد ببعضهم البعض في خياراتهم في الحياة و"عقدهم" التي تتكوّن وكيف يتعايشون معها أو لا يتخطونها، ويشفون منها أخيرًا.
راكمت كل من نورا وأختها عقدهما. كوّنت كل منهما حياتها، لكن كيف؟ وبأي شكل يعيشان خسارات الروح بعلاقتهما مع والد غائب؟
"يراك المحب، يجعلك موجودًا" يقول الشاعر بسَّام حجَّار. فعلًا، يحمل يواكيم كاميرته ويصوّر لنا الخراب النفسي والعاطفي لغياب والد عن طفلتيه. يواكيم يواجه في حوار شخصياته الفقد بوضوح صارخ، بانفعالات إنسانية غير ملمّعة. يضعها في الشاشة الكبيرة ممسكًا إياها من عمقها وجذورها. يصوّر الحقيقة بهدوء وروية، بصخب وانهيار وبكاءات، ومحاولات انتحار.
كاميرا مخرج التصوير والإضاءة كاسبر تاكسن تؤدي دورها بلغة صورية بليغة. يرسم تاكسن بكاميرته مواجهات الأب وابنتيه. يخلق المسافات المتباعدة بينهم ويعرف متى يقلّصها. كذلك، يؤطّر علاقة نورا وأغنس أكثر من مرة كعناقهما الحنون.
ليس عبثًا يخلق يواكيم فيلمًا داخل فيلم. يوجّه رسالة واضحة ومباشرة: الأفلام تُصنع للشاشة الكبيرة. مهما تعدّدت الطرق وتطورت الأساليب والإمكانيات، الأفلام تُنتج لتُشاهَد في صالات السينما.
"قيمة عاطفية" يقول إن أجمل ما يمكن لشكل الحب أن يتخذه هو الحضور، حضور من نحب. انتباههم. اهتمامهم. وجودهم. يعرّي الفيلم كل الألقاب والمناصب والمصالح والمظاهر اللمّاعة. يضع الإنسان بقيمته الإنسانية ومشاعره وهشاشة روحه في الضوء. كيف تكسره أفعاله، ومن حوله، وتملأه من جديد.
تنظر نورا إلى والدها من بعد، وينظر إليها. لا عناق. لا قبلة. نظرةٌ واحدة تكفي لترمّم ما كسره الفقد والغياب. يثبت "قيمة عاطفية" كيف يمكن للسينما أن تعالج وتضمّد وتشفي، وكيف يمكن لابتسامة أن ترسم شكل المسامحة والغفران.
(*) عُرض "Sentimental Value" ضمن فعالية تنظمها سينما "متروبوليس" على مدى أربع ليال تعرض فيها أربعة أفلام لترايير: Reprise (2011)، Oslo, August 31st، .The Worst Person in the World (2021)
