لا تنطفئ أزمات الشرق الأوسط ونزاعاته، وتبدو علاقته شائكة بالخرائط المرسومة بالمصالح والدم، هو كوكتيل بين أوطان خيالية ويوتوبية توراتية ودينية وعرقية وإمبراطورية وميتولوجية.
وعلى هامش أحداث شرق الفرات و"تخلي" الأميركي عن ربيبه تنظيم "قسد"، ربما علينا أن نستعيد كيف أن هذه المنطقة تعيش صراعاً محموماً ودموياً، بين المصالح العالمية والأوطان الخيالية، وكيف أن الشعوب أدوات في خرائط لعبة الأمم تسفك دمها هدراً في كل مناسبة.
في العام 1916، اتّفق رجلان سرّاً على تقسيم الشرق الأوسط، هما السير مارك سايكس السياسي والرؤيويّ، وفرانسوا جورج بيكو الديبلوماسي الناقم. رسما خطّاً في الرمال من البحر المتوسط وصولاً إلى الحدود الفارسيّة، وأعادا معاً رسم خريطة الشرق الأوسط بإقرار "انتداب" بريطانيّ على فلسطين وشرق الأردن والعراق، وفرنسيّ على لبنان وسوريا. يقول المؤرخ جيمس بار في كتابه "خط في الرمال": "لم يكن الخط الفاصل بين منطقتي نفوذ بريطانيا وفرنسا عقلانياً، بل كان فكرة بسيطة: كل شيء هنا عبارة عن رمال، لا داعي للأخذ في الاعتبار أراضي القبائل ومسارات الأنهار وقنوات الاتصال الجغرافي. إنه خط هندسي خالص، كل شيء تم بشكل عرضي". بل إن الكثير من الكتابات لا يتورع عن تشبيه الاتفاق الذي يحمل اسمَي موظفَين كبيرين، واحد بريطاني والآخر فرنسي؛ بلعبة يمارسها طفلان يرسمان دائرة فوق الرمل، ثم يشقانها بخط مستقيم، ويقرران أن كلاً منهما يحوز الشطر الذي يليه".
على مرّ السنوات الثلاثين التالية، انكشفت قصّة دنيئة محبوكة بالعنف والمناورات السياسيّة السرّية. يتجاوز الباحث فواز طرابلسي مجرد رسم الخرائط، مقدمًا فحصًا نقديًا للاستراتيجيات الجيوسياسية، والدوافع الاستعمارية، والعواقب الدائمة التي تكمن "وراء الخرائط" (عنوان كتابه). يستكشف كيف أن هذه الاتفاقيات لم تقتصر على إعادة رسم الحدود، بل أثّرت بشكل عميق في الهويات الوطنية، وأججت الصراعات الإقليمية، وحددت مسارات المجتمعات العربية. الأحداث السورية في زمن بشار الأسد أعادت رسم الخرائط في إطار مرحلي. أوهم الأميركي المنظمات الكردية السورية بأنها صاحبة الدور والإدارة الذاتية في شرق الفرات بعد صولات وجولات في محاربة داعش. تصرفت التنظيمات الكردية كما لو أنها تحقق الحلم الرومانسي الكردستاني الموعود، كيف ولا وهي تتلقى المال الأميركي وتسيطر على مصادر النفط والمياه والسدود...
بينما كان لتركيا امتدادها في إدلب، ولإسرائيل سيطرتها بالنار في القنيطرة ومحيطها، ولإيران (بالتشارك مع روسيا) نفوذها الواسع ضمن ما سمي "الهلال الشيعي" والسيطرة على أربع عواصم عربية امتد قوسها يمتد من لبنان إلى سوريا، ومن العراق إلى اليمن، وطمحت إلى ضم دولة أذربيجان لتكوين الخريطة التي قال عنها الخميني عندما وطأت قدماه أرض إيران، عائداً من منفاه الباريسي: "لقد حكم العرب هذه المنطقة لقرون، ثم حكمها الأتراك لقرون أخرى، وآن الأوان لأن يحكمها الفرس لقرون مقبلة".
لكن، كما كتب جمال الكشكي، لم يتصور الإيراني أن أحداث 7 أكتوبر ستكون مقدمة لتمزيق هلاله، من مقتل حسن نصرالله إلى سقوط بشار الأسد، غالبية التحليلات تقول إن الأسد خرج عن لعبة الأمم المرسومة له فخرج من الخريطة، وقد بدأت إسرائيل ترسم بالنار المناطق العازلة والقاحلة على حدودها من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا، بينما بات النظام الإيراني مهدداً من الداخل، والنظام السوري الجديد أقرب إلى الحليف الجديد للأميركي.
أحداث 7 أكتوبر وتداعياتها رسمت الخرائط من جديدة، ايقظت خيالات وأحبطت خيالات أخرى. على الأرض السورية يصطدم الحلم التركي بالحلم الإسرائيلي، الأول آت من زمن العثمنة والثاني مستوحى من أسطورة التوراة. غداة ضرب إسرائيل حزب الله واغتيال حسن نصرالله، دغدغ التفوق العسكري أحلام نتنياهو فصار يحمل خريطة إسرائيل الكبرى ورؤية "الارض الموعودة"، وصرّح بأنه يرى نفسه في مهمة "تاريخية" و"روحية" لتحقيق هذه الرؤية. هذه الرؤية معروفة بتضمّنها مناطق يُفترض أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية المنتظرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب أراض تقع شرقاً وغرباً من نهر الأردن، ومناطق من مصر تشمل شبه جزيرة سيناء، وصولاً إلى الضفة الشرقية لنهر النيل.
مع سقوط "قسد" بضوء أخضر أميركي كما قيل، هناك رسم لخرائط جريدة، كل هذا بينما منظمات مثل قسد وحزب الله وربما قريباً الحشد الشعبي، ليس أمامها سوى لملمة أشلاء الجهاد والنضال، والتعاطف مع آلاف الشبان الذين ذهبوا في إطار مشاريع أيديولوجية كبرى. بينما يتصرف دونالد ترامب كأنه يعيد تشكيل العالم، هو رئيس الدولة ورئيس الإمبراطورية، يعرف حدود دولته، لكنه في توجهه الامبراطوري، كأنه يقول: حيث تكون الموارد نكون؟ يعتبر أميركا اللاتينية فناءً خلفياً، ويلمّح إلى ضم كندا، ويطمح إلى شراء غرينلاند وربّما غزوها، ولا يتردد في مطالبة رئيس أوكرانيا بالمعادن الثمينة. بالتالي، ترسم أميركا الخرائط تبعاً لمصالحها الكبرى وأمنها العالمي، وليس كرمى لعيون قسد أو الجمهورية اللبنانية.
