لم تعش فيروز بلا فقد. بل يمكن القول إن شيئًا من قدرها قاسٍ، بحيث لا يكاد يوجد ما نعرفه عنها إلا وله وسم الحزن. تسلسل الفقد يغذّي عاطفتنا تجاهها: فقدت الزوج، ثم الابنة، ثم الابن، ثم الابن الثاني. سلسلة قد تبدو للوهلة الأولى عادية؛ فهذا قدر المنطقة التي عاشت على الحروب والانقسامات، حيث يصبح الموت جزءًا من الحياة لا استثناءً عنها، ويغدو حادثًا منزليًا أو اجتماعيًا أكثر منه انقطاعًا عن الوجود. في منطقتنا، يبدو الموت تعبيرًا عن "الحياة المعرّضة دائمًا"، أو كما يمكن تسميته: موتًا مُعقلنًا.
غير أنّ السؤال الأعمق يتعلّق بما يمكن تسميته "الخلود في الصوت". ما زلنا لا نعرف فيروز كثيرًا. كثيرون يدورون اليوم في الصحف وفي المقابلات وفي الفيديوهات ليعرفوا عنها فُتاتًا من الحياة. المرأة التي يحمل صوتها إلينا اليوم تنتمي إلى زمننا أكثر ممّا تنتمي إلى طقس جماعي أو احتفال جسدي. فطقس التحرّر الجسدي والكياني يبقى لأم كلثوم؛ أمّا فيروز فعمق يوميّ شعري، مرتبط باليوم وبالتراث وبالهوية، مرة لبنانية، وأحيانًا عربية. فيروز تحوي تناقضات عدّة.
هنا يكون مصطلح رولان بارت الأشدّ مطابقةً لحالتها: النص دونًا عن المؤلف. فنحن نبحث عن فيروز في الشذرات والصور وقصاصات الإعلام، وعندما نراها في جلسة عزاء نحاول نحن أن نكتب عنها أيضًا، كأنّ الظهور العادي يصبح مادة تأويلية. هذا شيء يرتبط بهالة فيروز تحديدًا؛ إذ ترتبط بالحميمية الجماعية اللاواعية أكثر مما تُطلب في حفلة أو تُنتج كطقس رسمي. تعيش فيروز دائمًا وفق ثلاثية دقيقة: الصوت الباقي، والجسد المتعب، والإنسان المُؤلَّف عنه الغائب.
ومنذ الثمانينيات، لم تجعلها حلقة الفقد منهارة فنيًا، ولا منسحبة اجتماعيًا، ولا معزولة أرشيفيًا. بقيت، لكن مع جانب خافت من إنسانيتها وأحزانها. ثم إن فيروز حالة ما بعد-أيقونية كما تصف الدراسات الثقافية تحوّلات الأيقونة؛ فهي لم تعد في حاجة إلى الظهور، لا لأن ظهورها يحطّ من رمزيتها، بل لأن الرمز اكتمل ولم يعد يحتاج إلى الجسد. لا مقابلات، ولا مهرجانات، ولا توكيل سياسياً أو مسرحياً. صوت يعيش من دون صاحبته حتى. وعندما تظهر في العزاءات، يحدث التوتر نفسه: دهشة وكاميرا وناس وألم، كأنّنا نرى فيروز للمرة الأولى. هذا هو المابعد-أيقوني تمامًا.
نيتشه كتب عن موسيقيين مثل فاغنر وفيرنو إيغون. وحين كتب عن قسوة الفقد عند إيغون، قال إنه الموسيقي الذي شاخ أخلاقيًا، لأن الفقد يسرّع التعرية. روح منهكة من زمن طويل. وهذا يشبه فيروز؛ خُلّد صوتها لكنها متعبة، وحيدة إلى الحد الذي نفهم فيه أن الإنساني في حياة الفنان أكبر من صوته، بلا شك.
قد نفهم بكاء فيروز وصمتها معًا. لكنها حين بكت على ابنها المتوفّى حديثًا ــ الابن ذي الاحتياجات الخاصة ــ نستطيع أن نفهم ذلك أكثر. فهذا الابن كان أكثف العلاقات في حياة فيروز بلا أدنى شك: عمر طويل، وهواجس متواصلة، وخوف دائم، وتجربة حياة كثيفة لا تشبه أي علاقة أخرى. ولذلك قد تبكي فيروز عليه أكثر من أي شيء آخر.
كان زياد حرًّا، صانعًا للمعنى، متمرّدًا وعصيًّا. وهو نفسه يروي كم طلبت منه فيروز أن يتزوج وينجب من أجل الامتداد البيولوجي للعائلة. موت زياد موتٌ قويّ: نحترم فيه الإرادة الموسيقية والرؤية والصراع. هناك يموت المعنى. أمّا مع هلي، فنبكي مع فيروز تعبها الطويل، والموت الذي يجعل الرعاية تنهار. فحداد فيروز الطويل لا يرتبط فقط بموت الأولاد، بل بموت الرعاية والخوف والتوقع الملحّ الذي عاش معها سنوات. بقي هلي طفلًا، وقد مات من كان يعتمد عليها. وهذا ما نعرفه من تجارب كثير من الآباء الذين يعيشون مع أبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة في البيت.
ثم إن هلي لا يملك ذاكرة نتشاركها نحن معه كما نتشارك ذاكرة زياد. فذاكرة هلي تخصّ فيروز وحدها، ولا نجدها في جريدة أو مقال أو مقابلة. أمّا زياد، فقد نقل إلينا كثيرًا من تجربته مع أمه: فرادة صوتها، علاقته بها، صراعه معها ومع أبيه. زياد يتكلم، يروي، يشرح، ويصير جزءًا من السجال العام. بينما ظلّت علاقة هلي بفيروز علاقة حميمية غير قابلة للنقل؛ وهو لا يملك ذاكرة مشتركة مع الجمهور، ولا سيرة خارج البيت، ولا تمثّلًا عامًا. موت زياد هو للجميع حدث ثقافي وتاريخي يمكن تأويله والكتابة عنه، بينما يظلّ موت هلي حدثًا تجربانيًا أموميًا لا يمكن فهمه إلا في إطار الحياة المعاشة. موت زياد يخصّ المعنى الخاص بإرث زياد. موت هلي يخصّ الحياة التي لا نعرف منها إلا مجلس العزاء.
ولفيروز ما يمكن تسميته المابعد-أيقونية: ظهور قاسٍ مرتبط بكل انكشاف للخطر أو الموت. فالأيقونة لا تحتاج إلى الحضور إلا عندما يصبح المعنى مهددًا أو منكشفًا. في الثقافة العربية تظهر الأيقونات غالبًا في الاحتفالات أو الطقوس الجماعية أو المهرجانات أو الأزمات الوطنية العاطفية، أما فيروز فتنتمي إلى نمط معكوس تمامًا: الظهور المَوتي (thanatic appearance). الموت يصبح وسيط الظهور ومنبّه الهالة. وهذا ينسجم مع فكرة المابعد-أيقونية؛ حيث لا يحضر الجسد إلا حين يتعرض المعنى نفسه للاهتزاز أو التعرية.
لقد ذهب هلي من حياة فيروز. وبكاؤها الشديد الذي ظهر ليس حدثاً غريباً، في الأصل نحن محكومون بما يظهر من فيروز خارج نطاق أغنياتها. الناس الذين نحبهم يموتون بالطبع، ونحن أيضًا، لكن هلي ليس مجرد موتٍ بالنسبة لفيروز، بل بقايا كاملة لم تخرج إلى العالم. فكل ذاكرته كانت عند أمه وحدها؛ ذاكرة لا تنتمي إلا له، ولا تشاركها معنا ولا مع الزمن العام. ما عرفناه عنه قليل، أما ما لم نعرفه فهو الفقد الحقيقي. فهلي ليس ما كان، بل ما لم يُصرَّح به، وما ظلّ محجوبًا في حياة فيروز، وفي هذا تكمن قسوة الفقد وفرادته.
لم يبدأ تاريخ الكتابة عن السير الشخصية قبل القرن التاسع عشر، حين كان الأثر يطغى على السيرة. فيروز بلا سيرة تقريبًا، ونحن لا نعرفها من قرب إلا حين تظهر. ومن هنا يأتي فضولنا تجاهها، وقهرنا معها. فهي ليست حضورًا جماهيريًا، بل إن جمهورها ـ كل جمهورها ـ جمهور خاص؛ علاقة حميمة لا توصف. ففيروز تظهر قليلًا وتختفي طويلًا، وكأنها تعمل وفق اقتصاد للظهور، حيث يزيد الخفاء من كثافة الهالة، ويجعل الصوت وحده حاملًا للمعنى من دون صاحبه. لكن هذه المرة، ما نتخيله خاصاً مع فيروز بدا أكثف، علينا أن نفكر في كثافة الحياة الغائبة عنا بين فيروز وهلي. موت هلي، بقي فيضًا حياتيًا لا يمكن اختزاله ولا تحويله إلى سرد. ولذلك لا يصبح هلي موضوعًا للتاريخ، بل موضوعًا للأمومة.
