"كنتُ أحلم بأن أكون قدوة، ولم أكن أعلم أنّني سأصبح عبرة"… بهذه العبارة صدح المبدع جورج خبّاز من خشبة مسرحه مع زميله عادل كرم، لا ليؤدّيا دورًا فحسب، بل ليسردا كلماتٍ متساوية بين مليشياويٍّ غربي وآخر شرقي. وكغيره من الأعمال الفنيّة، استدعى المسرح ذاكرةً جماعية تناولها اللبنانيون بكثرة حتى مللنا الحديث عنها، لكنها ما زالت تطاردنا حتى اليوم. محطةٌ من محطاتٍ مرّ بها الوطن، سُمّيت "حربًا أهلية"، سرعان ما تجاوزت أهلها، لتتداخل مع شبكاتٍ أوسع من التحالفات والمصالح الإقليمية والدولية.
برز فاعلون أعادوا صياغة الصراع عبر توظيف الدين والقوميات يميناً ويساراً تحت ذريعة الخوف من "الآخر". وفي المقابل، تشكّلت جماعات لم تمتلك سوى السلاح، فتحوّل إلى هويةٍ ومصدر عيشٍ. هكذا غدا الدم وسيلة تفاوض بعدما سال في زواريب السياسات والانتماءات والاختلافات، وأضحت الهدنة مجرّد فاصل زمني للملمة الطرق الحمراء بين جولاتٍ تُعاد فيها هندسة التحالفات، وتُستبدل الشعارات وفقاً للميدان ونتائج القمم والمعاهدات والاتفاقيات. حرب قتلت من قتلت ومزّقت النسيج الوطني الناشئ، وكشفت انقساماً عمودياً في مفهوم الوطن والمواطنة وماهية العدو.
كانت الفرصة سانحة لتحقيق حلم تاريخي في "بلاد الشام" والامتداد الإسرائيلي في أرض التصفيات العربية. وبعد حرب "التحرير" و"الإلغاء"، و"الطائف"، أُعلن دمج "خط الأخضر" في بيروت الذي لم يعد حدًّا جغرافيًا، إذ انتقلت خطوط التماس من الشارع وتجذرت في العقول، وأنتجت شقًّا عميقًا في الوعي الوطني وصدمات لم تنجرف مع أكياس الرمل عن الطرق، تظهر بأسئلة يومية بالية، وغبية في صيغة طرحها: "الاسم الكريم؟ أين تسكن/ين؟ من أي منطقة؟". أسئلةٌ تُطرح لتحديد مسار حديثٍ مُنمّق، تُنتقى كلماته بعناية، ظاهرُها انفتاحٌ، وباطنُها حساباتٌ يحمل خُبث المشاعر أو الخوف.
إنّ هذا الماضي القريب، الذي راقص فيه الموتُ والمرضُ الجثثَ والصدمات، ما زال يروي لنا حكاياتٍ مثقلة، تتراكم فوق واقعٍ مرير لم نكد نلتقط أنفاسنا فيه، بعد محطّاتٍ أخرى قاسية في قطار الوطن. ولم يبقَ لنا سوى الترجّل منه، ولو حينًا، بحثًا عن علاجٍ جماعيٍّ فنيّ، عبر قصصٍ رواها مبدعون أصبحوا هم "المعالجين". أولئك الذين واجهوا الواقع لا بالإنكار ولا بالخوف، بل حوّلوه إلى أعمالٍ فنيّة، تُفرغ عبئًا أنهكنا، وترسم أفقَ حلمٍ ممكن، وربما تفتح بابًا لحلٍّ لم يولد بعد…
وتنبثق هذه المحاولات الفنية العلاجية من مبدأ جوهري قوامه فهم الآخر والحوار معه بلغةٍ بسيطة ومشتركة، لغةٍ مفهومة لا تُقصي ولا تُعقِّد. لغة تعيد كتابة التاريخ عبر تعدّد سردياته، وترمّم الذاكرة الجماعية وتحفظها من النسيان، وتُسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتطالب بدولة القانون بوصفها الإطار الضامن للحقوق. لغة تُضيء ما تبقّى من الجانب الإنساني المشرق، وتحاول قدر الإمكان سدّ فراغ الدولة في مواجهة واقعٍ متشظٍّ، فحملت لغة الفن ما عجزت البُنى السياسية والمؤسساتية عن حمله وحدها. هذه اللغة لا تقتصر على وظيفتها الجمالية الترفيهية لتغدو ثقافة وضرورة وجودية لإعادة بناء الوعي العام، وشكلًا من أشكال العلاج الجماعي من تَرِكات ماضٍ أسود.
من هنا، انتفض "المعالجون" وصرخوا بلغة حرّة ليصيغوا وجدانًا تجاوز الانقسام في أعمالهم... رحبنوا الموسيقى الجامعة، ورافقهم صوت فيروزي يرنّم على وترٍ هادئ، وتكفّل بعضهم بترجمة الخيبات بلغة نقدية زيادية، وقدّم مبدعون لوحات ملونة في سرد كوريغرافيٍّ ملحمي، منها من كركل الهوية بالحركة، وأخرى ميَّسَت الجسدَ رقصا لجيلٍ جديدٍ يتمايل على نغمات تُذيب ثنائية "نحن" و"الآخر"، ونُصّب آخرون خليفة للقصيدة ببُعدها الإنساني وحضرت اللمسات التشكيلية بأنامل ترسم وأخرى تنحت، فتجعل الجماد ناطقًا بالحالة والزمان... ومنهم من اتّخذ مساراتٍ أدبية وفكرية لأرشفة الحوار، وفنونٍ بصرية أنتجت أعمالاً ما زالت تواجه العنف بالصوت والصورة.
هؤلاء المعالجون بأصواتهم وأجسادهم وأناملهم وفكرهم وفنّهم وخيالهم لا يستطيعون تغيير الماضي لكنهم يعطون الحاضر قابليةً للفهم ووسيلة فعّالة في علاج جماعي لصدمات تراكمت، وإرثا لأجيال قادمة، أبعد من تحديد هوية فقط، فهو في لحظات الانهيار، الفسحة الوحيدة الجميلة التي نمتلكها ولا أحد يستطيع الاستيلاء عليها وهذا شرط من شروط البقاء كي لا نكون متفرّجين على مسارح مآسينا، ونتمرّس في البكاء على أطلال مظلوميتنا، ونحن عالقون في إعادة إنتاج دور الضحية، والاستسلام لأفكارٍ سامة تُصاغ في غرف مظلمة.
