حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، كانت أم كلثوم تحمل لقب الآنسة قبل أن يسقط اللقب الشهير بزواجها من طبيب الأمراض الجلدية د.حسن الحفناوي. لكن أشهر عزّاب النصف الأول من القرن العشرين، كانت سنة 1946، على استعداد للتنازل عن هذا اللقب حين أعلنت اقترانها بالموسيقار محمود الشريف، فقامت الدنيا ولم تقعد حتى تراجعت الست عن تلك الخطوة. وربما كان ذروة التصاعد في هذا الملف هجوم الموسيقار محمد القصبجي على طرفي هذا الارتباط ومحاولة الاعتداء عليهما.
ومردّ هذا الغموض والارتباك، أن كلاً من الشريف وأم كلثوم التزما الصمت - في حينه – وتركا للصحافة الاجتهاد في تفسير ما حدث. ثم ظلت سيدة الغناء على صمتها حتى نهاية عمرها، لا سيما أنها ارتبطت بعد ذلك باالحفناوي، زيجتها الوحيدة المعلنة، ولم تشأ الخوض في ماض وهي في عصمة رجل آخر كان صديقاً لمحمود الشريف نفسه. أما الشريف فقد أخذته نوبة بوح فى آخر سنوات حياته وفتح خزينة أسرار تلك المرحلة فى غياب طرفها الثاني المتمثل في أم كلثوم التي رحلت عن الدنيا كما هو معروف في 3 شباط 1975، أي قبل 15 عاماً من وفاة الشريف في 29 تموز 1990.
لم يهتم فيلم "الست" – وهذا حقه – بقصة بداية التعارف بين أم كلثوم ومحمود الشريف في مكتب كروان الإذاعة المصرية محمد فتحي، ولا بكيفية تطور العلاقة بينهما أثناء اجتماعات النقابة الموسيقية المصرية للمحترفين (نقابة الموسيقيين في ما بعد)، وإنما صور الأمر على أنه في اللحظة التي شعرت فيها "الست" أنها بحاجة إلى زوج قررت تعديل العلاقة مع الموسيقار الشاب الذي كان في الرابعة والثلاثين من عمره فيما كانت هي في الثامنة والأربعين، من الزمالة إلى الخطوبة ثم الزواج. وفي مشهد لا تنقصه الدقة، أظهر الفيلم أنه بعد تسرب خبر الارتباط، طاردت الصحافة أم كلثوم لتسألها عن نيتها اعتزال الغناء بعد الزواج، فكان ردها أن الأمر متروك له، وتقصد الشريف. وهو التصريح الذي هز مصر، حتى نشر خبر فض ارتباطهما. أما بين خبرَي إعلان الزواج والتراجع عنه، فترك مؤلف الفيلم لخياله فرصة إضافة بعض التفاصيل وبناء مواقف درامية جاءت على حساب الحقيقة كالمعتاد. فقد جعل الموسيقار محمد القصبجي، المعروف بعشقه لأم كلثوم، يثور ثورته ويحمل مسدسه منطلقاً إلى فيلا أم كلثوم حيث أطلق رصاصة طائشة عليها وعلى الشريف تركت أثرها في حائط الفيلا. فيصرّ الشريف وهو في قمة انفعاله، على تحرير محضر بالواقعة في قسم الشرطة، ليظهر الضابط خفيف الظل أحمد حلمي في المشهد الوحيد له، وبعد دقائق من أحداث الفيلم تتعرض فيلا أم كلثوم للسرقة، فيأتي ضابط آخر للمعاينة فيكتشف أثر هذه الطلقة في جدار فيلا "الست"... فهل هذا هو ما حدث في الحقيقة؟
في مذكراته التي أعدها محسن الخياط لمجلة "الشاهد"، في تشرين الثاني 1989، يحكي الموسيقار محمود الشريف جانباً من علاقته بأم كلثوم، نقتطف ما هو مفيد منها:
"في ليلة رأس السنة الهجرية، وضعت دبلة الخطوبة في يد أم كلثوم وقد نقشت على دبلتي: لا إله إلا الله، وعلى دبلتها: محمد رسول الله. ورنت أول زغرودة في فيلا أم كلثوم. تكتمنا على الخبر، إلا أنه تسرب إلى دار أخبار اليوم، ورن جرس الهاتف في فيلا أم كلثوم، وكان المتحدث مصطفى أمين:
-مبروك
-شكراً
-الخبر صحيح اذن
-نعم
- متى يتم الزواج؟
-قريباً
-وهل تعتزلين الغناء
-الأمر له وما يريد
في صباح اليوم التالي، كتبت "أخبار اليوم" تحت عنوان "زواج أم كلثوم"، بقلم الصحافي مصطفى أمين، تقول: "هل من حق المرأة التي اشتركت في إسعاد الملايين أن تسعد؟ وهل من حق المرأة التي بكت طويلاً لتملأ قلوب الناس طرباً وهناءة أن تضحك وتتمتع بالعاطفة والهناءة؟"
أضاف: "كانت هذه الاسئلة تتردّد كثيراً في رأس أم كلثوم. لكنها لم تتردّد في قلبها مرة واحدة. تقدّم إلى خطبتها كثر. قيل إن أميراً طلب يدها، وإن كبيراً عرض عليها الزواج، وإن وزيرًا سابقًا عرض عليها اسمه وثروته وحياته، وإن صحافياً كبيراً ومالياً كبيرًا، ورجلاً من أصحاب الملايين.. كل هؤلاء أرادوا يوماً أن يتزوجوا أم كلثوم، لكنها رفضت كل تلك الأيدي الممدودة، وقررت ألا تتزوج منصبًا أو جاهًا أو مالاً، بل أن تتزوج رجلاً. ومنذ أربعة أسابيع زاد لقاء أم كلثوم بمحمود الشريف، ووجد كل منهما في الآخر شيئاً لم يكن يراه من قبل.. رأى فيها سيدة عظيمة.. سيدة بمعنى الكلمة.. تستطيع أن تكون ملكة على قلب الرجل، وتستطيع أن تكون خير زوجة لخير رجل.. ورأت فيه أم كلثوم رجلاً ليس فيه ميوعة الشبان المترفين، وليست فيه خنوثة الصبيان أبناء الذوات، رأته شاباً يمتلئ رجولة وخلقاً، ولعل الخلق الكريم هو الذي لفت نظرها اليه... ومحمود الشريف ليس جميلاً، وهو متوسط القامة، لكنه شخصية تشعر وأنت تحدثه بأنك تحدث رجلاً ملهماً، وتحابّا من دون أن يتكلما.. ثم تكلما، ومنذ أسبوعين شعر كل منهما بأنه مصمم على الزواج، فقال لها: ما رأيك؟ فقبلت في الحال من دون تردّد، ولم تستشر أحداً.. ولم تقل دعني أفكر. ومحمود الشريف شاب في الثلاثين من أهل الاسكندرية، شق طريقه بنفسه كما فعلت أم كلثوم... شق طريقه إلى المجد ولا نستطيع أن نصفه لك، يكفي أن تعلم أن أغانيه الشعبية التي تسمعها أينما سرت في شارع أو حارة أو زقاق يرددها الكبار والصغار.. النساء والرجال".
ويلفت انتباهي في هذا الجزء من مذكرات محمود الشريف قوله بأن خطبته لأم كلثوم كانت في ليلة رأس السنة الهجرية، وهذا معناه أنها تمت في 24 تشرين الثاني 1946، وهكذا أمكن للمرة الأولى تحديد تلك الخطوبة بدقة.
وأعود إلى كلام محمود الشريف عن ملابسات هذا الارتباط:
"تمت الخطوبة في فيلا أم كلثوم. وحضرها الإذاعي محمد محمود شعبان (بابا شارو)، ومن الموسيقيين حضر محمد عبده صالح، عازف القانون في فرقة أم كلثوم، وأمير الكمان أحمد الحفناوي، وصديقي الموسيقي عبد الرؤوف عيسى، ومنشد الكورال محمد نبيه. وكانت هديتي لأم كلثوم خاتماً ماسياً مطعّماً بالبلاتين كان في إصبعي، كانت قد اعجبت به فأهديته إليها رغم أنه خاتم رجالي.. أما هديتها لي فكانت ساعة والدها الذهبية القديمة وهي ساعة سويسرية لها غطاء من الجلد. لم يكن زواجي من أم كلثوم أمراً سهلاً. فقد حرصت قبل خطوبتنا أن أحكي لها تاريخ حياتي، كما أسمعتني تاريخ حياتها، عرفت كل شيء عن فردوس المنصورة التي انقطعت علاقتي بها منذ فترة، وكانت تعرف قصة زوجتي فاطمة، وقد زارتنا كثيراً في منزلنا في اللبودية للاطمئنان على صحتها".
وأصل بكم إلى أهم ما في شهادة محمود الشريف المرتبط بما جاء في فيلم "الست"، وهو ما يخص واقعة قيام الموسيقار محمد القصبجي بإطلاق الرصاص عليه وعلى أم كلثوم إثر إعلان الخطوبة. يقول الشريف:
"أما الملحن محمد القصبجي فقد كانت له قصة مثيرة معنا. كان يحب أم كلثوم حباً مكتوماً لم يبُح به، وبعد إعلان الخطوبة جاء إلى فيلا أم كلثوم، وكنت أقضي معظم أوقاتي معها، جاء يحمل مسدساً مهدداً بقتلي إن لم أفسخ الخطوبة، فتقدمت منه أم كلثوم، وسحبت المسدس من يده، ثم طردته، ومنذ ذلك اليوم ظل القصبجي عضواً في فرقتها يمسك عوده، من دون أن تغني له لحناً واحداً، إلى أن رحل عن عالمنا، إنه أحد ثلاثة صنعت ألحانهم أم كلثوم".
وتستوقفني في تلك السطور عن ثورة القصبجي، ثلاثة أمور. أولاً، تلك الشجاعة التي تحلت بها أم كلثوم وهي تواجه القصبجي وتنزع منه سلاحه بلا رهبة أو خوف، وهو ملمح مهم وجديد في شخصية كوكب الشرق. الأمر الثاني يفسر للكثيرين لماذا كُسرت عين القصبجي أمامها، وبقى حتى رحيله العام 1966 مجرد عازف عود في فرقتها، وإن كان مهماً هنا التنويه بأن القصبجي لحّن أغنية أم كلثوم الشهيرة "يا صباح الخير ياللي معانا " في فيلم "فاطمة" سنة 1947. أماالأمر الثالث، وهو الأهم، أن القصبجي لم يطلق رصاصة، ولا تركت أثرها في الجدار، ولا جاء ضابط شرطة بعد سنوات من الواقعة وقت سرقة الفيلا ليلحظ أثر الطلق الناري الذي قال فيلم "الست" أنه أطلقه، وهذا ما يتماشى مع المنطق. إذ أنه بافتراض إطلاق القصبجي الرصاص، فهل كانت أم كلثوم ستُبقي على أثر هذه الرصاصة في جدار الفيلا سبع سنوات حتى تحدث واقعة السرقة، فيسأل الضابط عن هذا الثقب الموجود في الجدار؟!
ويؤكد صحة ما حدث في تلك الليلة، ما نقله الناقد طارق الشناوي عن محمود الشريف في كتابه "أنا والعذاب وأم كلثوم ،" ولو كان بتفاصيل وإضافات أخرى، فيقول: "أما زكريا أحمد، فقد حكى لي الشريف أنه ذهب لفيلا أم كلثوم لإجراء بروفة عمل معها، وعندما أخبرته مديرة المنزل أن أم كلثوم تعتذر لأنها متعبة، وكان زكريا يعلم أن محمود الشريف مقيم معها في الفيلا، انهال بالشتائم على أم كلثوم والشريف وغادر الفيلا، أما القصبجي العاشق الأول لأم كلثوم، فلم يكتف مثل زكريا أحمد بالوقوف في بهو الفيلا منتظرًا، لكنه صعد مباشرة إلى غرفة نوم أم كلثوم ومعه مسدس يخفيه خلف ظهره، وبدا متحفزاً تجاه أم كلثوم والشريف، وتنبهت أم كلثوم لذلك فقالت له: مخبى إيه ورا ظهرك يا قصب؟! ووقع المسدس من القصبجي، ووقع هو أيضاً على الأرض، وتحولت هذه الواقعة إلى شكوى في النيابة بتهمة الشروع في القتل، تقدم بها الشريف ضد القصبجي، وبدأت النيابة التحقيق".
في أية حال، انتهت علاقة أم كلثوم بالشريف بعد تدخل السراي وإجبارها على الانفصال، وهو ما عرضه الفيلم بصرف النظر عن بعض الحواشي التي فرضتها الكتابة الدرامية وخيال المؤلف من دون أن يكون لها تأثير في حقيقة ما حدث وقت الانفصال.
